العرب في بريطانيا | الإسلام والمسلمون في أوروبا.. قراءة نقدية في مل...

الإسلام والمسلمون في أوروبا بعين مجلة «الإيكونوميست»

الإسلام والمسلمون في أوروبا بعين مجلة «الإيكونوميست»

الإسلام والمسلمون في أوروبا بعين مجلة «الإيكونوميست»

جلال الورغي سبتمبر 17, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في خطوة بدت فيها مجلة «الإيكونوميست» الأسبوعية البريطانية أقرب إلى منحى الصحف الشعبوية، خصّصت المجلة عددها الأخير لملف الإسلام والمسلمين، واختارت لغلافه عنوان «الإسلام في أوروبا… الحقيقة والأكاذيب».

وفي تقارير مطوّلة، تناولت المجلة أوضاع الإسلام والمسلمين في أوروبا عمومًا، وفي بريطانيا خصوصًا، وركزت على ما عدّته التباسًا في العلاقة بين الإسلام والمسلمين من جهة، والحركات الإسلامية من جهة أخرى، محاولةً التمييز بين المسلمين والإسلاميين. وخلصت إلى أن الإسلام لا يمثل خطرًا جديًا على أوروبا، أما «الإسلاموية» والخوف من الإسلام فيمثلان خطرًا جديًا.

لماذا الآن؟

اللافت أن طرح ملف المسلمين في أوروبا من جانب دورية مثل «الإيكونوميست» يثير تساؤلات بشأن دوافع تناول هذا الملف والسياقين السياسي والزمني اللذين يُعالج فيهما الموضوع اليوم. فلا يبدو أن ثمة حدثًا آنيًا كبيرًا في أوروبا، مرتبطًا تحديدًا بالإسلام أو المسلمين، يفسر طرح هذا الموضوع أو يبرره. لذلك، يمكن القول إن إثارة هذا الملف الآن تأتي ضمن أجندة غير معلنة لم يُفصح عنها.

ومن خلال المنهجية التي اتبعتها المجلة في معالجة الموضوع، انزلقت عمليًا إلى إعطاء انطباع بأن الإسلام والمسلمين يمثلون قضية إشكالية في أوروبا، بل إن وجودهم ينطوي على مخاطر يجب التنبه إليها، بحسب زعم المجلة.

ورغم أن العناوين التي اختارتها المجلة لتقاريرها بدت موضوعية ومنصفة، فإن الانطباع العام الذي يخرج به من يطّلع على الملف هو أن خطرًا ما يواكب وجود المسلمين في أوروبا ويتولد عنه.

صدى خطاب ترامب واليمين الأوروبي

في هذا السياق، بدت معالجة المجلة لملف الإسلام والمسلمين في أوروبا صدىً للحملة الممنهجة، بل المنظمة، التي تقودها الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة ترامب ضد الإسلام في أوروبا، ولما يقوم به فريق ترامب وتياره اليميني الشعبوي من تشهير بالوجود الإسلامي في أوروبا وتحذير منه وشيطنته، بوصفه، كما يُصوَّر، خطرًا على الحضارة الأوروبية، بل حتى على التوازنات الديموغرافية في القارة.

كما بدت معالجة الملف مشبعة بمعطيات ومعلومات وتقارير أنتجتها قوى يمينية أوروبية، وهي تقارير ومعطيات تفتقر إلى المنهج العلمي والموضوعية في فهم طبيعة الوجود الإسلامي في أوروبا.

تقرير فرنسي واستطلاعات مثيرة للجدل

اعتمدت المجلة، على سبيل المثال، تقريرًا فرنسيًا شبه رسمي ومثيرًا للجدل، أصدره وزير الداخلية الفرنسي العام الماضي. لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون علّق عليه لاحقًا، معتبرًا إياه غير مكتمل، في حين شككت صحف فرنسية مرموقة، مثل «لوموند»، في مصداقيته، ورأت أن مضمونه نتاج نشاط لوبي إماراتي في فرنسا يعمل على شيطنة الوجود الإسلامي في الغرب.

ويروّج هذا الخطاب لفكرة أن الإسلاميين، وتحديدًا جماعة الإخوان المسلمين، يسيطرون على الأقليات المسلمة في الغرب، ويحاولون من خلالها اختراق مؤسسات الدولة. وهو زعم سخرت منه صحف فرنسية جادة، وعدّته غير منسجم مع معطيات الواقع.

وقدمت المجلة، من خلال بعض استطلاعات الرأي التي اعتمدتها، صورة سلبية لمواقف الأوروبيين من حضور الإسلام والمسلمين في أوروبا. كما عرضت مواقف لبعض المسلمين من قضايا مثيرة للجدل وحساسة، يتعلق بعضها بالأحوال الشخصية، ويتصل بعضها الآخر بالشريعة وغيرها، في معالجة لا تبدو علمية أو قائمة على مسح دقيق لآراء غالبية أبناء الأقليات المسلمة.

المسلمون ليسوا وجودًا طارئًا

كما أن طريقة عرض المجلة لملف الإسلام والمسلمين في أوروبا نحت منحىً يوحي بأن هذه الأقلية طارئة على المجتمعات الأوروبية، أو بأن أفرادها مجرد مهاجرين يمثلون حالة مؤقتة يمكن أن تختفي، مع أنهم جزء من نسيج المجتمعات الأوروبية وسكانها، ويسهمون في دفع عجلتها الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والأمنية.

«الإسلاموية» بوابة لتخويف أوسع

ولا تبدو مقنعة أطروحة المجلة التي أرادت تبرير طرح موضوع الإسلام في أوروبا على أساس وجود «خطر الإسلاموية» الذي يهدد، بزعمها، المجتمعات الأوروبية؛ إذ لا يعدو ذلك كونه مخاتلة إعلامية للتخويف من الإسلام والمسلمين، في تماهٍ مع أجندة اليمين المتطرف الأوروبي وانخراط فيها.

وباتت إدارة ترامب تتبنى هذا اليمين علنًا، وتدعم وصوله إلى الحكم في الدول الأوروبية. إذ يرى ترامب وتياره أنه لا سبيل إلى التصدي للمد الإسلامي المزعوم، الذي يهدد الحضارة الغربية، إلا بإجراءات ترحيل وتسفير مئات الآلاف من المهاجرين، وإسقاط الجنسية عن عشرات الآلاف الآخرين.

ويتقاطع ترامب في ذلك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي بلغ به التحريض على المسلمين في بريطانيا حد الزعم بأنهم سيطروا على البلاد وحولوها إلى «جمهورية إسلامية نووية».

حملة ناعمة متعددة الأذرع

يمثل العدد الأخير من مجلة «الإيكونوميست» صفحة أخرى في حملة ممنهجة تتخذ أشكالًا متعددة، وتطرح أسئلة ملتبسة ومشحونة بالسلبية عن الإسلام والمسلمين في الغرب.

وهي حملة ناعمة انطلقت قبل سنوات، وتموّلها بعض الجهات العربية التي تقدم نفسها بوصفها منخرطة في حرب على «التطرف الإسلامي» وملاحقة معارضيها من الإسلاميين، ثم توسّع نطاق حربها ليشمل التشويه والشيطنة والتحريض على عموم المسلمين والشخصيات المسلمة البارزة في الغرب.

وقد باتت هذه الحملة تعمل على مستويات متعددة، وتستخدم أذرعًا متنوعة، إعلامية وسياسية وأمنية واقتصادية، في استهداف الوجود الإسلامي في الغرب وشيطنته وتأليب الحكومات عليه.

 

اترك تعليقا