القيم الأخلاقية والإنسانية والحضارية في الإسلام
أطرح على نفسي دائماً هذا السؤال: تخيل لو أن النبي ﷺ كان بيننا اليوم، ماذا كنا سنقول له؟ هل سنشعر بالفخر لانتمائنا إلى أمته، أم سنشعر بالخجل من تقصيرنا؟ مع أنني أحبه حباً لا شك فيه، فإن لدي الكثير من أوجه التقصير.
لقد بعث الله عز وجل النبي محمد ﷺ رحمة للعالمين:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (سورة الأنبياء: الآية 107)
إن سيدنا النبي ﷺ كان تجلياً لرحمة الله عز وجل، وهذا ما تنص عليه الآية الكريمة بوضوح. أود أن أشارككم أفكاري بشأن نظرة النبي ﷺ إلى غير المؤمنين؛ فقد كان ينظر إلى الناس دائماً بعين الرحمة، ولا يقتصر ذلك على المؤمنين فحسب، بل شمل أولئك الذين لم يؤمنوا به؛ لأنه كان حريصاً أشد الحرص على نجاتهم وهدايتهم. للأسف، لقد نأى بعض الناس بأنفسهم عن رحمة الله، ومع ذلك كان النبي ﷺ رحيماً بالجميع حتى بأعدائه. وإذا تذكرت حادثة الطائف، فإن النبي ﷺ بعد أن رُمي بالحجارة وسالت دماؤه الطاهرة في نعليه، لم يطلب الانتقام.
ونرى أنه واصل دعوة الجميع إلى الرسالة الإلهية؛ فبدأ بأهله، ثم عشيرته، ثم مجتمعه ومن حوله. وإذا نظرنا من الجانب الآخر، كيف كان الناس ينظرون إليه؟ لقد وُجد المؤمنون، والكافرون، والمنافقون، وكانت أقرب الناس إليه زوجُه خديجة (رضي الله عنها).
ولعل من أقوى الشهادات على أخلاقه ﷺ ما أبدته السيدة خديجة (رضي الله عنها)؛ فعندما عاد إلى بيته مكسور الفؤاد بعد نزول الوحي أول مرة، طمأنته قائلة:
«كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ»
(صحيح البخاري)
حدث هذا قبل أن تتكشف للناس سنوات نبوته ﷺ؛ فقد كانت خديجة تعرفه حق المعرفة وتدرك خصال شخصيته الفريدة، فآمنت به.
في المقابل، كان عمه أبو لهب، الذي يرى أنه بدأ حياته يتيماً فقيراً، ينظر إليه بندية ويعارضه بشراسة. فالمرء يتعامل مع الأمور بحسَب منظوره وطريقة تفكيره.
يعلمنا الإسلام ثلاث ركائز تعكس رحمة الله: الركيزة الأولى هي الكرامة الإنسانية، والركيزة الثانية هي التزكية (الطهارة الروحية)، والثانية هي العمران، أي القيم الحضارية. وهي قيم متأصلة في حياة النبي ﷺ في مكة ثم في المدينة المنورة، وتتجسد خلاصتها في خطبة الوداع.
الركيزة الأولى: الكرامة الإنسانية
تُعد الكرامة من أهم القيم الإنسانية في الإسلام. يقول الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (سورة الإسراء: الآية 70)
لقد كرم الله كل إنسان بصرف النظر عن عرقه، أو لونه، أو ثروته، أو مكانته الاجتماعية. ويتضح جلياً في حياة النبي ﷺ والمجتمع الذي أسسه؛ فقد التقى حوله رجال مثل بلال، وسلمان، وصهيب، وأبو بكر، وعلى الرغم من اختلاف خلفياتهم جذرياً، فإن النبي ﷺ رسّخ بينهم المساواة والعدالة. وكان النبي ﷺ يأخذ بمشورتهم، كما فعل في غزوة الخندق.
لقد علمنا النبي ﷺ كيف تكون صلتنا بالله، كما علمنا كيفية التعامل مع الآخرين، ومع أنفسنا (بألا نكلفها ما لا تطيق)، وكيف نتعامل مع السلطة ومع الدنيا والمال بوصفها وسائل يمكننا تسخيرها أو إساءة استخدامها.
حين نذهب إلى العمل، فإن كانت نيتنا ابتغاء الرزق الحلال كان ذلك عملاً مثاباً عليه، أما إن اقتصر الهدف على جمع الثروة ورموز الجاه والمظاهر، فهذا مسلك في سبيل الشيطان!
كما أرسى النبي ﷺ حقوق المستضعفين. ففي مجتمع كانت فيه العبودية واقعاً قائماً، علم الناس كيفية معاملة من تحت أيديهم؛ فأمرهم أن يُطعموهم مما يأكلون، وأن يُلبسوهم مما يلبسون، وألا يكلفوهم ما لا يطيقون:
«أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ»
كان هذا تجسيداً عملياً لاحترام الكرامة الإنسانية؛ فالإنسان الماثل أمامك كائن مكرم، لحياته قيمة وكرامة مصونة.
الركيزة الثانية: تزكية الإنسان
لا يكتفي الإسلام بتقديم قواعد خارجية، بل يسعى إلى إحداث تغيير جذري في الإنسان من الداخل، مُركزاً على منظومة الأخلاق. يصف الله عز وجل رسالة النبي ﷺ بقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (سورة البقرة: الآية 129)
هذه هي التزكية، وتتكرر في مواضع عدة من القرآن الكريم؛ يقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (سورة الشمس: الآية 9)
ويقول أيضاً: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ (سورة الأعلى: الآية 14)
لذا، يولي الإسلام عناية فائقة لتزكية النفس البشرية: القلب، والنية، والخلق، وتطهير القلب من الحسد والأحقاد. فالله لا ينظر إلى مظاهرنا أو أموالنا، بل قال النبي ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»
(مسلم)
بطبيعة الحال، المال مهم؛ فسيسألنا الله من أين اكتسبناه وفيما أنفقناه، ولكنه ليس معيار القيمة المطلقة للإنسان. ما ينظر إليه الله هو القلب والعمل؛ ولهذا نوه القرآن بأهمية القلب السليم: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سورة الشعراء: الآية 89)
لذا نحن بحاجة ماسة إلى الذكر، والاستغفار، والتوبة، والعمل المستمر على إصلاح القلوب، وهو النهج الذي علمه النبي ﷺ لأصحابه.
القيم الأخلاقية
تنبثق الأخلاق الحسنة من التزكية. وقد أثنى الله عز وجل على خُلُق النبي ﷺ منذ البداية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة القلم: الآية 4)
لقد تجسدت في شخصية النبي ﷺ أسمى صفات الأنبياء؛ فظهر صدقه، وأمانته، ووفاؤه، وصبره، وحلمه، ولطفه. هذه هي القيم الأخلاقية الحقة؛ ولهذا يُلقب بسيد ولد آدم، كما قال ﷺ:
«أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ»
(مسلم)
علينا أن نتعلم منه اللطف، واللين، والصدق، والأمانة، والصبر، والحلم، والوفاء. فالرفق قيمة عليا، وقد وصفها النبي ﷺ أبلغ وصف:
«إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»
(مسلم)
نحن بحاجة لتعلم فن التعامل بلطف. ويا ليتنا نستطيع ارتياد الصيدلية لنقول: “أعطوني أقراصاً من اللطف، أو حقنة من الصبر واللين!” لكن ذلك غير ممكن؛ بل يتطلب الأمر منا تعلماً وتدريباً ومجاهدة مستمرة للنفس، وهذا هو جوهر التزكية.
الركيزة الثالثة: قيم العمران والحضارة
ننتقل بعد ذلك إلى قيمة كبرى أخرى وهي العمران؛ فقد خَلقنا الله من الأرض وأناط بنا مسؤولية عمارتها وتطويرها وبنائها، وجعلنا خلفاء فيها: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾(سورة هود: الآية 61)
إذن لا يقتصر الإسلام على التزكية الفردية البحتة، بل تقع على عواتقنا مسؤولية تجاه العالم المحيط بنا؛ لا في حماية البيئة فحسب، بل في طلب العلم، وتعلم كيفية التفكير، ومعرفة حدود العقل وكيفية مزجه بالهداية الإلهية لبلوغ الحقيقة.
يجب أن نكون منتجين ومسؤولين في استثمار الموارد التي منحنا إياها الله، إلى جانب إرساء العدالة، والنظام، والاقتصاد الأخلاقي. كل مجال من هذه المجالات يمثل مساراً مستقلاً، لكنها مجتمعة تقدم لمحة عن منظومة القيم التي أرساها النبي ﷺ في حياته.
لهذا السبب تُعد الحضارة الإسلامية حضارة فريدة من نوعها؛ فهي تقوم على الكرامة، والتزكية، والإنتاج المقرون بالمسؤولية. فإذا أردت حضارة صالحة، فأنت بحاجة لأفراد صالحين، وإذا أردت أفراداً صالحين، وجب تطهير القلوب وبناء الأخلاق القويمة. وبهذا تتلاحم التزكية والعمران؛ فبتزكية الإنسان، يسهم إيجابياً في بناء مجتمعه.
حماية النفس والمال والعرض
تتجلى هذه القيم بأبهى صورها في حجة الوداع؛ ففي أواخر حياته، ألقى النبي ﷺ خطبًا عديدة أكد فيها المبادئ التي طالما دعا إليها طوال مسيرته، وأشهرها خطبته في يوم عرفة، إذ نبه على:
حرمة الدماء والنفوس.
حماية الأموال.
صون الشرف والكرامة والسمعة.
حقوق المرأة.
مسؤولية المجتمع تجاه بعضه.
لم تكن هذه التعاليم وليدة اللحظة في أواخر حياته، بل كانت ثمرة ونتاجاً لما أسسه طوال أعوام مديدة في مكة والمدينة. لقد أمضى النبي ﷺ ثلاثة وعشرين عاماً بعد الوحي في بناء مجتمع يقوم على هذه القيم. بل وقبل بلوغه الأربعين، كان نموذجاً للعمل النشط، من راعي غنم إلى تاجر ناجح. غير أن التحول الجذري بعد البعثة تمثل في تعليم القيم الباطنة والظاهرة معاً، ولم يكن تعليماً نظرياً بل واقعياً عملياً. لقد ضرب بنفسه المثل الأعلى؛ وكما قال: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا»
وفي رواية أخرى مشهورة: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ»
في مكة علم النبي ﷺ أصحابه بناء الأخلاق والشخصية السوية، وفي المدينة المنورة، علمهم كيف يبنون المجتمع والحضارة من خلال إرساء السلام، والتعايش، والحوار، والحوكمة، والعلاقات الدولية.
فلنكن نحن تجلياً لرحمة النبي ﷺ من خلال إعلاء الكرامة الإنسانية، والتزكية، والإنتاجية الإيجابية في المجتمع.
نسأل الله العلي القدير أن يوفقنا لتزكية أنفسنا، وتحسين أخلاقنا، وصون الكرامة الإنسانية، والإسهام الإيجابي في مجتمعاتنا. آمين.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇