برمنغهام.. مدينة متعددة الثقافات في بريطانيا
في قلب إنجلترا، وعلى مسافة استراتيجية من معظم المدن الكبرى في البلاد، تقف برمنغهام بوصفها أكبر مدن منطقة وست ميدلاندز وثاني أكبر مدينة في بريطانيا بعد لندن.
ولا تعكس أرقام السكان حجم المدينة فحسب، بل تكشف أيضًا عن مسار نموها المستمر. فقد بلغ عدد سكان برمنغهام نحو 1.184 مليون نسمة في منتصف عام 2024 وفق تقديرات مكتب الإحصاءات الوطنية، مقارنة بنحو 1.17 مليون في منتصف 2023. وكانت المدينة قد سجلت 1.145 مليون نسمة تقريبًا في تعداد 2021.
وتشير تقديرات عام 2025 إلى استمرار وجود أكثر من 1.17 مليون نسمة في المدينة، مع نحو 65.5% من السكان في سن 16 إلى 64 عامًا، ما يعكس قاعدة سكانية شابة وواسعة من السكان في سن العمل.
من الثورة الصناعية إلى «ورشة العالم»

يصعب فهم برمنغهام من دون العودة إلى تاريخها الصناعي.
فقد لعبت المدينة دورًا محوريًا في الثورة الصناعية، وتحولت خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى مركز للصناعة والهندسة والتصنيع والابتكار.
وكانت برمنغهام تُعرف باسم «ورشة العالم» بسبب مساهمتها في تصنيع السلع والآلات والأدوات التي ساعدت على تغيير بريطانيا والعالم. وما زالت آثار تلك المرحلة حاضرة في شبكة القنوات والمباني الصناعية القديمة والعمارة الفيكتورية المنتشرة في المدينة.
لكن برمنغهام لم تبقَ أسيرة ماضيها الصناعي؛ فقد أعادت بناء اقتصادها تدريجيًا حول قطاعات الخدمات والأعمال والتعليم والتكنولوجيا والثقافة والتجارة.
وهذه القدرة على الانتقال من اقتصاد المصانع إلى اقتصاد الخدمات والمعرفة تشكل جزءًا أساسيًا من قصة المدينة الحديثة.
مدينة يتحدث سكانها بلغات وثقافات متعددة

ربما يكون التنوع السكاني أبرز ما يميز برمنغهام اليوم.
فوفق تعداد 2021، شكّل السكان الذين عرّفوا أنفسهم ضمن فئة الآسيويين أو الآسيويين البريطانيين أو الآسيويين الويلزيين 31% من سكان المدينة، مقارنة بـ26.6% في 2011.
وفي المقابل، بلغت نسبة السكان ضمن الفئات البيضاء 48.6%، بينما بلغت نسبة السكان من أصول أفريقية 11%، وسجلت فئة الأعراق المختلطة والمتعددة 4.8%.
المسلمون.. جزء أساسي من هوية المدينة

يشكل المسلمون جزءًا محوريًا من التركيبة الاجتماعية في برمنغهام.
وبحسب تعداد 2021، عرّف 29.9% من سكان المدينة أنفسهم بأنهم مسلمون، مقارنة بـ21.8% عام 2011. وتصف بيانات مجلس مدينة برمنغهام هذه النسبة بأنها تعادل نحو 341,811 شخصًا.
وفي المقابل، بلغت نسبة المسيحيين 34%، بينما قال 24.1% من السكان إنهم لا يعتنقون أي دين. كما بلغت نسبة السيخ 2.9% والهندوس 1.9%.
ولا يقتصر الحضور الإسلامي على عدد السكان؛ إذ أصبح جزءًا من الحياة اليومية والاقتصادية والثقافية للمدينة، من المساجد والمدارس والمؤسسات المجتمعية إلى المطاعم والمتاجر والأعمال التي تعكس تنوع سكانها.
اقتصاد يتجاوز إرث المصانع

على الرغم من الصورة التاريخية لبرمنغهام كمدينة صناعية، فإن اقتصادها اليوم أكثر تنوعًا بكثير.
ويتابع مجلس مدينة برمنغهام بيانات الاقتصاد وسوق العمل عبر مؤشرات تشمل الأجور، ونشاط الشركات، والتوظيف، والمؤهلات التعليمية، والعمالة المقيمة والعمالة في أماكن العمل. وتوفر المدينة أيضًا بيانات اقتصادية على مستوى الأحياء والدوائر الانتخابية.
ولا تزال الصناعة والهندسة حاضرتين، لكن المدينة أصبحت أيضًا مركزًا للخدمات المهنية والتجارة والتعليم والرعاية الصحية والقطاع المالي والتكنولوجيا والصناعات الإبداعية.
وتشكل مكانة برمنغهام في وسط البلاد ميزة اقتصادية مهمة، إذ تمنحها موقعًا متصلًا بشبكة واسعة من المدن والمناطق الصناعية والتجارية في إنجلترا.
أبرز الجامعات في برمنغهام

تضم برمنغهام عددًا من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي البارزة، ما جعلها وجهة مهمة للطلاب البريطانيين والدوليين. ومن أبرز جامعات المدينة جامعة برمنغهام، وBirmingham City University، وجامعة أستون (Aston University)، إلى جانب مؤسسات تعليمية أخرى تقدم تخصصات متنوعة في مجالات الطب والهندسة والأعمال والفنون والتكنولوجيا.
وتسهم هذه الجامعات في الحياة الاقتصادية والثقافية للمدينة، كما يضيف آلاف الطلاب الدوليين إلى طابع برمنغهام المتعدد الثقافات.
قنوات ومبانٍ تاريخية وثقافة معاصرة

قد تبدو برمنغهام للوهلة الأولى مدينة حضرية مكتظة، لكن قنواتها المائية تشكل جزءًا مهمًا من هويتها.
وتنتشر في المدينة شبكة واسعة من القنوات التي تعود جذور كثير منها إلى عصر التصنيع، عندما كانت المياه وسيلة مهمة لنقل المواد والبضائع.
وفي الوقت نفسه، تمتلك المدينة مشهدًا ثقافيًا واسعًا يضم المتاحف والمعارض والمسارح والموسيقى والفنون والمطاعم.
وتبرز معالم مثل Library of Birmingham وBirmingham Museum & Art Gallery وThinktank، إلى جانب مناطق مثل Digbeth التي أصبحت مرتبطة بالفنون والموسيقى والمشروعات الإبداعية.
الطعام.. مرآة أخرى للتنوع

ربما لا يوجد مكان يظهر فيه التنوع الثقافي في برمنغهام بصورة أوضح من الطعام.
فالمدينة معروفة بمطبخها الآسيوي، ولا سيما Balti الذي أصبح جزءًا من هويتها الغذائية.
وفي السنوات الأخيرة تطور مشهد المطاعم ليشمل مطابخ من الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا ومناطق أخرى، إلى جانب المطاعم البريطانية والأوروبية.
وتصف الجهات السياحية الرسمية برمنغهام بأنها مدينة ذات تنوع كبير في الطعام والثقافة.
مدينة الفرص والتحديات في الوقت نفسه

لكن صورة برمنغهام ليست وردية بالكامل. فالتنوع والنمو السكاني لا يعنيان أن جميع السكان يستفيدون بالقدر نفسه من الفرص الاقتصادية.
وتكشف بيانات مجلس المدينة عن استمرار الحاجة إلى متابعة الفوارق بين الأحياء، كما تتضمن البيانات الحديثة مؤشرات على مستويات الحرمان والفوارق الاجتماعية والاقتصادية داخل المدينة. ويشير المجلس إلى أن بيانات مؤشر الحرمان لعام 2025 تُستخدم لمقارنة برمنغهام بالمناطق الحضرية الأخرى وأحياء المدينة نفسها.
كما تواجه المدينة تحديات مرتبطة بالسكن، والنقل، وجودة الهواء، وتوفير الخدمات العامة، فضلًا عن الحاجة إلى خلق وظائف جيدة تتناسب مع حجم القوى العاملة الشابة والمتنوعة.
وتأتي هذه التحديات في وقت تحاول فيه المدينة تجاوز أزمتها المالية وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق والاستثمار.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇