العرب في بريطانيا | حاول مجددًا

حاول مجددًا

حاول مجددًا
أميرة عليان تبلو سبتمبر 10, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ثمة لحظةٌ في حياة الإنسان يصبح فيها التعب أكثر إقناعًا من الأمل؛ لحظةٌ يقف فيها أمام ما أراد طويلًا، وقد أنهكته المحاولات، فيتهيأ له أن الطريق لم يعد يقوده إلى شيء، وأن ما فشل في بلوغه مرارًا لم يُكتب له أصلًا.

في تلك اللحظة لا يكون الامتحان الحقيقي في قدرتك على النجاح، ولكن في قدرتك على ألا تجعل الفشل تعريفًا نهائيًا لنفسك.

فليس السقوط نهاية الطريق، كما أن الوصول ليس دائمًا دليلًا على أنك كنت تسير في الاتجاه الصحيح. الحياة أكثر تعقيدًا من هذه الأحكام السريعة؛ قد تسقط في الطريق الذي سيقودك إلى ذاتك، وقد تتأخر لأنك تتعلم ما لا يمكن أن تتعلمه وأنت في عجلة الوصول.

لهذا، حين تضيق بك المسافة بين ما تتمنى وما تستطيع، حاول مجددًا.

ليست المحاولة الجديدة تكرارًا للمحاولة القديمة؛ فأنت تدخلها بوعيٍ لم يكن لديك من قبل، وبخبرةٍ صنعتها الخسارات، وبعينٍ أصبحت ترى ما لم تكن تراه. الفشل، حين يُفهم جيدًا، لا يسلب الإنسان قدرته، بل يعيد ترتيبها. يعلّمه أين يضع قدمه، ومتى يتقدم، ومتى يتراجع قليلًا ليعاود التقدم بصورةٍ أكثر حكمة.

نحن غالبًا نريد من الحياة أن تمنحنا ثمارها قبل أن نعيش موسمها. نريد النجاح دون سنوات التكوين، والمجد دون مرارة الانتظار، والوصول دون أن ندفع ثمن الطريق.

لكن الأشياء العظيمة لا تأتي بهذه السهولة.

وقد لخّص الشاعر هذه الحقيقة في بيتٍ لا يزال يحمل من الحكمة ما يكفي ليهزم أوهام الاستعجال:

لا تَحسَبِ المَجدَ تَمرًا أَنتَ آكِلُهُ

لَن تَبلُغَ المَجدَ حَتّى تَلعَقَ الصَّبِرا

فالمجد ليس ثمرةً جاهزةً تُقطف من غصنٍ قريب، وإنما هو حصيلة صبرٍ طويل، وعملٍ لا يراه أحد، وأيامٍ كثيرة يمضي فيها الإنسان إلى الأمام دون أن يجد دليلًا واضحًا على أنه يقترب.

ولعل أصعب أنواع الصبر أن تعمل دون أن تعرف متى ستثمر جهودك.

أن تكتب ولا تعرف من سيقرأ.

أن تتعلم ولا تعرف متى ستحتاج ما تعلمته.

أن تبدأ مشروعًا ولا تملك يقينًا بأنه سينجح.

أن تزرع في أرضٍ قاسية، ثم تواصل سقيها لأنك تؤمن أن غياب الثمر الآن لا يعني أن الجذور لم تنمُ.

هذه هي المسافة التي تفصل بين من يريد النجاح ومن يستحق أن يحمل تبعاته.

فالنجاح ليس مجرد لحظة وصول؛ إنه شخصيةٌ تُبنى أثناء الطريق.

ولهذا لا تنظر إلى نجاح الآخرين بوصفه دليلًا على تأخرك. أنت ترى الواجهة، ولا ترى ما خلفها. ترى الإنسان واقفًا في الضوء، ولا تعرف كم من الوقت قضاه في الظلام. ترى النتيجة، ولا ترى المحاولات التي سبقتها.

لكل إنسانٍ توقيته، ولكل حلمٍ موسمه.

وقد تكون بعض السنوات التي حسبتها ضائعةً هي السنوات التي كانت تبني فيك القدرة على حمل ما سيأتي.

لذلك، إذا لم تنجح المرة الأولى، فلا تجعلها محكمةً تصدر حكمًا على مستقبلك. وإذا أخطأت، فاستفد من الخطأ بدل أن تسكن فيه. وإذا اكتشفت أن الطريق الذي سلكته لم يكن مناسبًا، فغيّر الطريق دون أن تتخلى بالضرورة عن الغاية.

فالإصرار ليس أن تكرر الشيء نفسه إلى ما لا نهاية؛ الإصرار أن تظل وفيًّا للمعنى، حتى لو اضطررت إلى تغيير الوسيلة.

ثمة فرقٌ كبير بين الإنسان الذي يقول: «لم أستطع»، والإنسان الذي يقول: «لم أستطع بعد».

كلمة «بعد» وحدها تترك نافذةً مفتوحة في جدار المستحيل.

وما دام في الإنسان قدرةٌ على التعلم، فليس ثمة فشل نهائي. وما دام يستطيع أن يعيد النظر، ويصحح، ويبدأ، فإن ما يسميه الناس نهايةً قد لا يكون إلا منعطفًا لم يفهمه بعد.

ثم إن البدء من جديد ليس دائمًا عودةً إلى الصفر.

أنت لا تبدأ من حيث بدأت أول مرة؛ تبدأ من حيث أوصلتك التجربة.

تحمل معك المعرفة، والوعي، والندوب، وحتى الخيبات التي كنت تظنها عبئًا. فالإنسان لا يخرج من التجارب كما دخلها؛ شيءٌ ما يتغير فيه كل مرة، حتى لو لم يلحظ ذلك في البداية.

قد تخسر حلمًا، لكنك تكسب نفسك.

وقد تفقد طريقًا، لكنك تكتشف وجهتك.

وقد يُغلق بابٌ كنت تظنه خلاصك، ثم تكتشف بعد زمنٍ أن إغلاقه كان أول الطريق إلى بابٍ أوسع.

لهذا لا تستعجل تفسير كل ما يحدث لك.

بعض الأشياء لا نفهم حكمتها ونحن نعيشها، وإنما نفهمها حين ننظر إليها من مسافةٍ بعيدة.

فإذا أثقلتك الأيام، لا تطلب منها أن تصبح سهلة؛ اطلب من نفسك أن تصبح أقدر على عبورها.

وإذا طال الطريق، لا تسأل دائمًا: «متى أصل؟»

اسأل: «ماذا أصبح وأنا أمضي؟»

فربما كانت الرحلة نفسها هي الجائزة التي لم تنتبه إليها.

وربما كان الوصول الذي تطارده أقل أهمية من الإنسان الذي تصنعه محاولات الوصول.

لذلك، حين يأتيك ذلك الصوت الخافت الذي يقول لك: «كفى، لقد حاولت بما يكفي»، لا تجبه بالاندفاع الأعمى، بل اجلس مع نفسك، راجع الطريق، أصلح ما تستطيع، ثم قرر.

فإن كان الحلم يستحق، فامضِ.

وإن كان الطريق خاطئًا، فغيّره.

وإن كنت تحتاج إلى الراحة، فاسترح.

لكن لا تتخلَّ عن نفسك في لحظة ضعف.

حاول مجددًا.

فربما تكون المحاولة التي تفكر في التخلي عنها اليوم هي نفسها التي كانت ستقودك، لو أكملتها، إلى المكان الذي انتظرته طويلًا.

وفي النهاية، لن يكون أعظم انتصارٍ لك أن تقف فوق القمة وتقول: «لقد نجحت».

بل أن تقف هناك، ذات يوم، وتنظر إلى الطريق الطويل خلفك؛ إلى كل مرةٍ سقطت فيها، وكل بابٍ أُغلق، وكل ليلةٍ ظننت فيها أن لا شيء سيتغير، ثم تدرك أنك كنت، في كل مرة، أقرب مما كنت تظن.

عندها لن تشكر الأيام التي صفقت لك، بل ستشكر تلك الأيام التي كسرتك ولم تستطع أن تنهيك.

وستفهم أن بعض الانتصارات لا تبدأ حين نصل، وإنما في اللحظة التي نقرر فيها، ونحن في قاع العجز، ألا نكتب النهاية بأيدينا.

فإذا بقي في قلبك شيءٌ لم يمت، فلا تدفنه لأن الطريق أتعبك.

خذ من الصبر زادك، ومن الخيبة حكمتك، ومن السقوط درسَك، ثم امضِ.

فما دام فيك نفسٌ يقول: «لعلّي أستطيع»؛ فالحكاية لم تنتهِ بعد.


 

 

اترك تعليقا