اتهامات لهيئة الضرائب البريطانية بإعفاء منتجات المستوطنات من الرسوم وتهديد بدعوى قضائية
تواجه هيئة الضرائب والجمارك البريطانية تهديدًا باتخاذ إجراءات قضائية، على خلفية اتهامات بالسماح لمنتجات زراعية قادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالدخول إلى بريطانيا باعتبارها منتجات إسرائيلية، والاستفادة بالتالي من إعفاءات جمركية لا يحق لها الحصول عليها.
وكشفت سكاي نيوز أن مركز “غلوبال إيكو” للتقاضي، عبر مكتب المحاماة Leigh Day، وجّه رسالة إلى هيئة الضرائب والجمارك البريطانية اتهمها فيها بوجود قصور في إجراءات التحقق من منشأ بعض الواردات الإسرائيلية.
وهدد المركز باللجوء إلى القضاء إذا لم تتعامل الهيئة مع المخاوف التي أثارتها الرسالة.
وتستند هذه الخطوة إلى تحقيق أجراه المركز على مدار أربع سنوات بشأن تجارة المنتجات الزراعية القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة والجولان السوري المحتل، ومدى دخول هذه المنتجات إلى الأسواق الأوروبية على أنها بضائع إسرائيلية.
لماذا يحدد بلد المنشأ قيمة الرسوم؟

تكتسب مسألة تحديد منشأ المنتجات أهمية خاصة بسبب الاتفاقات التجارية التي تتيح للسلع القادمة من إسرائيل الاستفادة من معاملة جمركية تفضيلية في بريطانيا، ما يسمح لمعظمها بالدخول دون دفع الرسوم المعتادة.
لكن الحكومة البريطانية تؤكد أن المنتجات المصنوعة أو المزروعة في المستوطنات الإسرائيلية داخل الأراضي المحتلة لا يحق لها الاستفادة من هذه المعاملة التفضيلية.
وفي رد رسمي أمام مجلس اللوردات في يوليو، أوضحت الحكومة أن السلع المنتجة في المستوطنات لا تستحق المعاملة الجمركية التفضيلية بموجب الاتفاقات التجارية البريطانية مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
وأضافت أن شهادات حركة البضائع وإقرارات الفواتير الصادرة في إسرائيل يجب أن تحدد المكان الذي جرى فيه إنتاج السلع عند المطالبة بالتعريفة التفضيلية.
كما أكدت أن هيئة الضرائب والجمارك تجري عمليات تحقق عندما تثار شكوك بشأن صحة منشأ البضائع المعلن عنه.
وهنا يتركز الاتهام الذي يوجهه مركز “غلوبال إيكو” إلى الهيئة، إذ يقول إن منتجات قادمة من المستوطنات حصلت رغم ذلك على المعاملة الجمركية المخصصة للسلع الإسرائيلية.
فحص 357 إقرارًا يكشف خمس شركات
قال المركز إن تحقيقه استند إلى فحص 357 إقرارًا واردًا في فواتير، ما قاده إلى تحديد خمس شركات تحصل بصورة منتظمة على منتجات زراعية من المستوطنات، لكنها تعلن أن منشأ هذه المنتجات هو إسرائيل.
ولم تكشف سكاي نيوز أسماء الشركات الخمس التي وردت في التحقيق.
وبحسب المركز، جرى إخفاء المنشأ الحقيقي لبعض المنتجات بعدة طرق، من بينها خلط المنتجات الزراعية القادمة من المستوطنات بمنتجات إسرائيلية، أو استخدام رمز بريدي تابع لإحدى المستوطنات مع تسجيل إسرائيل باعتبارها دولة المنشأ.
وأشار التحقيق أيضًا إلى استخدام عناوين وسيطة داخل إسرائيل، فضلًا عن حالة أُدرج فيها مقر الشركة باعتباره منشأ المنتجات بدل تحديد الموقع الزراعي الفعلي الذي جاءت منه.
وتضمنت الرسالة الموجهة إلى هيئة الضرائب، وفقًا لسكاي نيوز، تفاصيل بشأن أشهر محددة شُحنت خلالها منتجات إحدى الشركات ووصلت إلى بريطانيا خلال العام الماضي.
واحدة من كل ست شحنات كانت مرتبطة بالمستوطنات
تأتي القضية البريطانية في إطار تحقيق أوسع نشره مركز “غلوبال إيكو” في يونيو بعنوان “استيراد الاحتلال”، تناول سلاسل توريد المنتجات الزراعية القادمة من المستوطنات إلى الأسواق الأوروبية.
وقال المركز إن التحقيق، الذي بدأ عام 2022، استند إلى أكثر من 30 ألف وثيقة خاصة بالشركات، إضافة إلى أكثر من 100 ساعة من المواد المصورة جُمعت خلال أكثر من 60 زيارة ميدانية، إلى جانب مقابلات ومصادر أخرى.
ووفقًا لنتائج التحقيق، تضمنت واحدة من كل ست شحنات فحصها المركز منتجات زراعية مصدرها مستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة والجولان السوري المحتل.
وقال المركز إن ما لا يقل عن 42% من هذه المنتجات صُنفت بصورة مضللة على أنها مزروعة في إسرائيل.
ويرى المركز أن الأدلة التي جمعها تكشف عن مشكلة أوسع تتعلق بإخفاء منشأ المنتجات داخل الأسواق الأوروبية، إلى جانب حالات وصف فيها منشأ المنتجات بصورة مضللة في بريطانيا.
لكن هذه النتائج تستند إلى تحقيق أجراه المركز نفسه، ولم يصدر حتى الآن حكم قضائي بريطاني يثبت وقوع المخالفات التي يشير إليها.
مطالب بتشديد الرقابة على الواردات

لا يطالب مركز “غلوبال إيكو” هيئة الضرائب والجمارك بالتحقيق في الشحنات التي رصدها فحسب، بل يدعو أيضًا إلى تغيير طريقة تعاملها مع الواردات الزراعية التي يعلن أن منشأها إسرائيل.
وطالب المركز بتصنيف هذه الواردات ضمن السلع عالية المخاطر، وفرض إجراءات تحقق إضافية بشأن منشئها قبل منحها المعاملة الجمركية التفضيلية.
كما دعا إلى مراجعة إجراءات التحقق المعمول بها وتشديد التدقيق في طلبات المصدرين الراغبين في الاستفادة من الإعفاءات الجمركية، بحيث تستند الرقابة إلى تقييم المخاطر والمعلومات المتاحة للهيئة.
وطلب المركز أيضًا توضيح ما إذا كانت هيئة الضرائب والجمارك قد تحققت سابقًا من طلبات المعاملة الجمركية التفضيلية المتعلقة بالشركات التي حددها التحقيق، وما خلصت إليه تلك الفحوص في حال إجرائها.
هيئة الضرائب ترفض اعتبار الرسالة إخطارًا قضائيًا
من جانبها، لم تقبل هيئة الضرائب والجمارك البريطانية حتى الآن الأساس الذي يستند إليه التهديد باتخاذ إجراءات قضائية. وبحسب رد حصلت عليه سكاي نيوز، قالت الهيئة إن الرسالة التي وجهها المركز لا تمثل إخطارًا رسميًا مكتوبًا يسبق بدء الإجراءات القضائية.
وأضافت أن المركز لم يحدد قرارًا بعينه اتخذته الهيئة يمكن الطعن فيه أمام القضاء.
وأشارت الهيئة كذلك إلى أن تقديم بعض المعلومات التي يطلبها المركز، في حال كانت متاحة، قد يؤدي إلى الكشف عن بيانات سرية تتعلق بالشؤون الضريبية والجمركية للجهات التي تتعامل معها.
وقال متحدث باسم هيئة الضرائب والجمارك البريطانية إن الهيئة لا تعلق على الدعاوى القضائية المحتملة أو الشؤون الضريبية والجمركية الخاصة بالعملاء الأفراد.
الحكومة تدرس فرض قيود إضافية على تجارة المستوطنات
تأتي هذه القضية في وقت يتزايد فيه الضغط على الحكومة البريطانية لاتخاذ إجراءات اقتصادية أكثر صرامة تجاه المستوطنات الإسرائيلية.
وتؤكد الحكومة البريطانية أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، وأنها تمثل تهديدًا أمام إمكانية التوصل إلى حل الدولتين. كما تنصح الحكومة الشركات والمواطنين البريطانيين بعدم ممارسة أنشطة اقتصادية أو مالية في المستوطنات.
وكانت الحكومة قد أكدت في يوليو أنها تدرس بصورة نشطة اتخاذ مزيد من الإجراءات بشأن تجارة السلع والخدمات مع المستوطنات.
وبحسب سكاي نيوز، من المتوقع أن تعلن الحكومة خلال سبتمبر حظرًا على الواردات من المستوطنات والصادرات إليها، في خطوة من شأنها الانتقال من مجرد استبعاد منتجات المستوطنات من الامتيازات الجمركية إلى فرض قيود مباشرة على التجارة معها.
وحتى صدور أي إجراءات جديدة، تتركز القضية الحالية على سؤال أساسي: هل تطبق بريطانيا القواعد القائمة بالفعل، والتي تمنع منتجات المستوطنات من الاستفادة من المزايا التجارية الممنوحة للسلع الإسرائيلية؟
وفي حال انتقل تهديد مركز “غلوبال إيكو” إلى دعوى قضائية فعلية، فقد تصبح هذه المسألة موضع اختبار أمام المحاكم البريطانية، مع مطالبة هيئة الضرائب والجمارك بتوضيح آليات التحقق من المنشأ الحقيقي للمنتجات التي تدخل المملكة المتحدة تحت التصنيف الإسرائيلي.
المصدر: بي بي سي
اقرأ أيضًا
الرابط المختصر هنا ⬇