أكبر خطر يهدد الاقتصاد البريطاني ليس التضخم.. بل مشكلة أبطأ وأعمق
عندما نتحدث عن الاقتصاد البريطاني، غالبًا ما تتجه الأنظار مباشرة إلى التضخم، وأسعار الفائدة، والضرائب، وتكاليف المعيشة. لكن هناك مشكلة أخرى قد تكون أقل وضوحًا للمواطن العادي، وأكثر خطورة على المدى الطويل: بريطانيا لا تنمو بالسرعة التي تحتاجها.
قد يبدو تباطؤ النمو الاقتصادي مصطلحًا تقنيًا بعيدًا عن الحياة اليومية، لكنه في الحقيقة يرتبط مباشرة بالوظائف والرواتب والاستثمار وقدرة الحكومة على تمويل الخدمات العامة. فكلما ظل الاقتصاد ضعيف النمو لفترة أطول، أصبحت مهمة تحسين مستوى المعيشة أصعب، حتى لو تراجع التضخم أو انخفضت أسعار الفائدة.
وتكشف الأرقام حجم المشكلة. فقد أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أن الناتج المحلي الإجمالي نما بنسبة 1.3% فقط خلال عام 2025، بينما بلغ نمو الناتج للفرد نحو 0.6% خلال العام نفسه.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
ماذا يعني أن ينمو الاقتصاد ببطء؟
النمو الاقتصادي يعني، ببساطة، أن الاقتصاد ينتج المزيد من السلع والخدمات مقارنة بالفترة السابقة.
عندما تتوسع الشركات، وتستثمر في مصانع جديدة، وتوظف المزيد من العمال، وتزداد الإنتاجية، يكبر حجم الاقتصاد. لكن عندما يتباطأ هذا النشاط، تبدأ سلسلة من التأثيرات بالظهور.
الشركات قد تصبح أكثر حذرًا في الاستثمار، وقد تؤجل خطط التوسع أو التوظيف. ومع انخفاض الطلب على العمالة أو تباطؤ الإنتاجية، يصبح نمو الرواتب أبطأ.
وفي الوقت نفسه، تحصل الحكومة على إيرادات ضريبية أقل مما كانت ستحصل عليه في اقتصاد ينمو بسرعة أكبر، بينما تستمر التزاماتها المتعلقة بالصحة والتعليم والمعاشات والخدمات العامة.
وهنا تتحول مشكلة النمو من مجرد رقم في تقرير اقتصادي إلى مشكلة تمس حياة الناس مباشرة.
النمو البطيء يضع الحكومة أمام معادلة صعبة
الحكومة البريطانية تريد تحسين الخدمات العامة، وزيادة الإنفاق على قطاعات مثل هيئة الخدمة الصحية الوطنية (NHS) والتعليم والبنية التحتية، لكنها تحتاج في المقابل إلى مصادر تمويل.
وفي اقتصاد قوي وسريع النمو، يمكن للحكومة أن تحصل على إيرادات ضريبية إضافية من دون الحاجة بالضرورة إلى رفع معدلات الضرائب، لأن عدد الوظائف والأجور وأرباح الشركات يرتفع.
أما عندما يكون الاقتصاد ضعيف النمو، تصبح الخيارات أكثر صعوبة.
إما زيادة الضرائب، أو زيادة الاقتراض، أو خفض بعض النفقات، أو محاولة تحقيق نمو أسرع من خلال الاستثمار والإصلاحات الاقتصادية.
ولهذا السبب أصبحت مسألة رفع الإنتاجية والنمو الاقتصادي محورًا أساسيًا في النقاش الاقتصادي البريطاني.
المشكلة ليست أن البريطانيين لا يعملون

قد يعتقد البعض أن ضعف النمو يعني أن الناس يعملون أقل أو أن الشركات لا تحقق أرباحًا، لكن الصورة أكثر تعقيدًا.
إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه بريطانيا هي ضعف نمو الإنتاجية؛ أي مقدار ما يستطيع الاقتصاد إنتاجه مقابل كل ساعة عمل أو كل عامل.
وهذه نقطة مهمة جدًا، لأن زيادة عدد ساعات العمل وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد أكثر ثراءً.
إذا أصبح العامل أكثر إنتاجية بفضل التكنولوجيا والتدريب والاستثمار، يستطيع إنتاج قيمة أكبر خلال الوقت نفسه. وهذا يمكن أن ينعكس لاحقًا على الأجور والأرباح والإيرادات الضريبية.
أما إذا بقيت الإنتاجية ضعيفة، يصبح من الصعب تحقيق نمو قوي ومستدام في دخل الأسر.
الشركات لا تستثمر في الفراغ
هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله: الاستثمار.
عندما تفكر شركة عالمية في بناء مصنع أو إنشاء مركز تكنولوجي أو إطلاق مشروع جديد، فإنها لا تنظر فقط إلى حجم السوق البريطاني.
هي تقارن بين بريطانيا ودول أخرى.
كم تبلغ تكلفة الطاقة؟
هل العمالة متوفرة؟
ما حجم الضرائب؟
هل القوانين واضحة؟
كم تستغرق إجراءات الحصول على التراخيص؟
هل البنية التحتية جيدة؟
وهل تستطيع الشركة الوصول بسهولة إلى الأسواق الأخرى؟
إذا وجدت الشركة أن دولة أخرى توفر ظروفًا أفضل، فقد تختار الاستثمار هناك بدلًا من بريطانيا.
وهذا يعني أن المنافسة الاقتصادية اليوم ليست بين الشركات فقط، بل بين الدول أيضًا.
الاستثمار هو الوقود الذي يحتاجه النمو
من دون استثمار، يصبح من الصعب على الاقتصاد أن يرفع إنتاجيته.
الشركات تحتاج إلى شراء المعدات، وتطوير التكنولوجيا، وتدريب الموظفين، وبناء المصانع والمكاتب، والاستثمار في البحث والتطوير.
والدولة نفسها تحتاج إلى الاستثمار في الطرق، والسكك الحديدية، والطاقة، والاتصالات، والتعليم.
لكن الاستثمار يحتاج إلى بيئة تشجع المستثمر على المخاطرة بأمواله.
ولهذا فإن أي سياسة اقتصادية بريطانية تهدف إلى تحقيق نمو طويل الأجل تحتاج إلى الإجابة عن سؤال بسيط: كيف نجعل الاستثمار في بريطانيا أكثر جاذبية؟
لماذا يهم هذا المواطن العربي في بريطانيا؟
قد تبدو هذه القضية بعيدة عن حياة الأسر العربية التي تعيش في بريطانيا، لكنها في الحقيقة مرتبطة بتفاصيل يومية كثيرة.
النمو الاقتصادي يؤثر في فرص العمل، ومستويات الرواتب، وأسعار السكن، وقدرة الشركات على التوظيف، وحتى قدرة الحكومة على تمويل الخدمات التي يعتمد عليها ملايين السكان.
إذا نما الاقتصاد بشكل أقوى وارتفعت الإنتاجية، تصبح هناك مساحة أكبر أمام الشركات لتوسيع أعمالها وخلق وظائف ذات قيمة أعلى.
أما إذا ظل النمو ضعيفًا لسنوات، فقد يجد العامل نفسه أمام سوق عمل أكثر تنافسية، وزيادات محدودة في الأجور، بينما تستمر تكاليف الحياة في الضغط على ميزانيته.
وهنا نفهم لماذا لا يكفي انخفاض التضخم وحده لتحسين الحياة.
انخفاض التضخم لا يعني أن الأسعار عادت إلى الوراء
هذه نقطة مهمة جدًا.
عندما ينخفض التضخم من 5% إلى 2%، فهذا لا يعني أن أسعار المواد الغذائية والإيجارات والطاقة عادت إلى مستوياتها السابقة.
المعنى ببساطة أن الأسعار أصبحت ترتفع بوتيرة أبطأ.
ولهذا يمكن أن يشعر المواطن بأن الوضع الاقتصادي ما زال صعبًا، حتى عندما تصبح أرقام التضخم أفضل.
الحل طويل الأمد يحتاج إلى شيء آخر: زيادة قدرة الاقتصاد على الإنتاج وتحقيق دخل أعلى.
هل تستطيع بريطانيا كسر الحلقة؟
بريطانيا لا تزال تمتلك نقاط قوة كبيرة؛ فهي تمتلك قطاعًا ماليًا عالميًا، وجامعات قوية، وشركات تكنولوجية، وسوقًا استهلاكية كبيرة، ومكانة مهمة في التجارة والخدمات.
لكن امتلاك هذه المزايا لا يعني أن النمو سيأتي تلقائيًا.
هناك حاجة إلى الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم والمهارات، والطاقة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب خلق بيئة أكثر تشجيعًا للشركات والمستثمرين.
والتحدي أمام الحكومة هو القيام بذلك من دون تحميل الأسر والشركات أعباء ضريبية أكبر إلى درجة تؤثر سلبًا في الاستهلاك والاستثمار.
النصيحة الأهم: لا تنظر إلى الاقتصاد من خلال التضخم فقط
بالنسبة إلى أي شخص يعيش في بريطانيا، من المهم ألا يراقب فقط أسعار الفائدة أو التضخم عند تقييم الوضع الاقتصادي.
راقب أيضًا نمو الناتج للفرد، والإنتاجية، ومستويات الأجور، والاستثمار، وسوق العمل.
هذه الأرقام تخبرك بصورة أفضل عن الاتجاه الذي يسير فيه الاقتصاد وعن مدى قدرة الناس على تحسين مستوى معيشتهم على المدى الطويل.
في النهاية، قد يكون التضخم هو المشكلة التي يشعر بها المواطن في السوبرماركت، وقد تكون الضرائب هي الرقم الذي يظهر في راتبه، لكن النمو هو الأساس الذي يحدد مقدار الثروة التي يستطيع الاقتصاد البريطاني إنتاجها في المستقبل.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام بريطانيا ليس فقط أن تخفض الأسعار، بل أن تجعل الاقتصاد ينتج أكثر، والشركات تستثمر أكثر، والعمال يحصلون على قيمة أكبر من ساعات عملهم.
والنصيحة العملية للقارئ؟ لا تكتفِ بمتابعة الأخبار عن التضخم والضرائب؛ إذا كنت تخطط لمسارك المهني أو استثماراتك في بريطانيا، راقب القطاعات التي ترتفع فيها الإنتاجية والاستثمارات والطلب على المهارات. فالاتجاه الذي يسير فيه الاقتصاد اليوم قد يكون مؤشرًا مهمًا على فرص العمل والدخل التي ستكون متاحة لك غدًا.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇


