العرب في بريطانيا | الإنفاق الدفاعي البريطاني.. هل تستطيع حكومة بير...

تحليل: بريطانيا توسّع دورها العسكري ضد روسيا.. هل تملك ميزانية الردع؟

تحليل: بريطانيا توسّع دورها العسكري ضد روسيا.. هل تملك ميزانية الردع؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

خلال أيام قليلة، ارتفع منسوب التوتر بين بريطانيا وروسيا بصورة لافتة. اختار رئيس الوزراء آندي بيرنهام كييف لتكون أول زيارة خارجية له منذ دخوله داونينغ ستريت، وأعلن هناك السماح لشركة MBDA بـمشاركة معلومات بريطانية مصنفة عن مكونات صواريخ SCALP البعيدة المدى، بما يساعد على إقامة خطوط لتجميع الصواريخ في أوكرانيا. وفي المقابل، صعّدت موسكو تهديداتها، ولوّحت بإمكان استهداف منشآت ومعدات عسكرية بريطانية داخل أوكرانيا وخارجها.

وفي الوقت نفسه، أنهت البحرية الملكية عملية استمرت 72 ساعة لمراقبة سفن حربية وسفن شحن روسية أثناء عبورها بحر الشمال والقنال الإنجليزي، وقالت إن مرات استدعاء قطعها لمراقبة النشاط الروسي ارتفعت بنحو 25 في المئة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

وقد تناولنا في “العرب في بريطانيا” بالفعل التهديد الروسي المباشر لبريطانيا والسيناريوهات التي قد تنتج عن أي تصعيد بين موسكو ولندن.

لكن ثمة سؤالًا آخر على الجانب البريطاني من المعادلة.

فكل هذه التحركات ترسم صورة لدولة تريد أن تكون في مقدمة المواجهة الأوروبية مع روسيا، وأن تزيد قدرتها على دعم أوكرانيا وردع موسكو في الوقت نفسه.

وفي الأسبوع نفسه، جاءت إشارة مختلفة من وزارة الخزانة.

فقد تقرر ألا تتضمن موازنة أكتوبر/تشرين الأول موعدًا للوصول بالإنفاق الدفاعي إلى 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع أن وزير الخزانة جون هيلي كان من أبرز المطالبين سابقًا بالوصول إلى هذا المستوى بوتيرة أسرع عندما كان وزيرًا للدفاع، ودعا إلى بلوغه بحلول 2030.

بل إن هيلي استقال من وزارة الدفاع على خلفية خلاف بشأن ما اعتبره تقاعسًا عن توفير الإنفاق اللازم لتحقيق هذا الهدف، قبل أن يصبح، بعد انتقاله إلى الخزانة، أكثر تحفظًا بشأن الموعد نفسه. وهي مفارقة تختصر جانبًا من المعضلة البريطانية: ما يبدو ضرورة عسكرية ملحّة من داخل وزارة الدفاع، يصبح من داخل الخزانة التزامًا بمليارات إضافية يجب العثور على مصدرها.

فهل توسع بريطانيا الدور العسكري الذي تختاره لنفسها بوتيرة أسرع من قدرتها على تمويله؟

الإرادة واضحة.. لكن الردع لا يقوم على الإرادة وحدها

لا تعاني السياسة البريطانية تجاه روسيا حاليًا من غموض كبير في الإرادة السياسية.

لندن تدعم كييف عسكريًا، وتشارك في تطوير قدراتها البعيدة المدى، وتراقب التحركات البحرية الروسية قرب أراضيها، وتحاول إضعاف “أسطول الظل” الروسي، فيما تتحدث خطة الاستثمار الدفاعي البريطانية عن الانتقال إلى “الجاهزية لخوض الحرب”، وإعادة بناء مخزونات الذخيرة وتوسيع الاعتماد على المسيّرات والأنظمة الذاتية التشغيل والأسلحة البعيدة المدى.

لكن الردع لا يعتمد فقط على اقتناع الخصم بأن الدولة مستعدة لاستخدام القوة، بل كذلك على اقتناعه بأنها تملكها، وتستطيع تعويض خسائرها وإعادة تسليح نفسها والاستمرار إذا امتدت المواجهة.

فالردع المستدام يحتاج إلى مخزونات وقطع غيار ومنصات إطلاق ودفاعات جوية وأطقم مدربة وقواعد محمية وصناعة قادرة على إنتاج البدائل. وقد أظهرت حرب أوكرانيا مدى سرعة استهلاك الحروب الكبرى للذخيرة والمعدات مقارنة بالعمليات المحدودة التي اعتادت عليها جيوش غربية كثيرة.

ولهذا يصبح المال عنصرًا في مصداقية الردع، لا مجرد رقم يناقشه وزير الخزانة.

المشكلة ليست في رقم 3 في المئة وحده

سيكون من الخطأ اختزال القوة العسكرية البريطانية في سؤال واحد: هل تصل الحكومة إلى إنفاق 3 في المئة من الناتج أم لا؟

فالـ3 في المئة ليست رقمًا سحريًا يجعل الجيش أقوى بمجرد الوصول إليها.

وتملك الحكومة بالفعل برنامجًا ضخمًا لإعادة بناء القدرات العسكرية. فخطة الاستثمار الدفاعي تتضمن استثمارات تبلغ 298 مليار باوند خلال أربع سنوات، فيما يُفترض أن يصل الإنفاق الدفاعي الأساسي وفق تعريف الناتو إلى 2.7 في المئة من الناتج ابتداءً من 2027-2028، مع التزام ببلوغ 3.5 في المئة بحلول 2035.

إذن لا توجد أمامنا حكومة تنزع سلاح بريطانيا.

المشكلة أن الدولة تطلب من قواتها المسلحة الاستعداد لبيئة أمنية أكثر خطورة، وتريد لبريطانيا دورًا أوروبيًا أكبر، في حين تؤجل تحديد المسار المالي إلى المستوى الذي تقول إن هذه البيئة تحتاج إليه.

وفوق ذلك، لا تزال داخل الخطة الحالية نفسها فاتورة لم تُحسم بالكامل. فقد أعلنت الحكومة في يونيو/حزيران تمويلًا إضافيًا بقيمة 15 مليار باوند حتى 2029-2030، لكن وثائقها تظهر أن 4.7 مليارات باوند لا تزال بحاجة إلى أن تُموّل عبر موازنة 2026.

أي أن الفجوة بين حجم الطموح وسرعة توفير الموارد موجودة حتى قبل الوصول إلى النقاش الأكبر بشأن نسبة 3 في المئة.

التصلب مع روسيا ليس قرارًا خارجيًا فقط

لكن المال ليس البعد السياسي الوحيد للمواجهة.

فالتهديد الروسي لبريطانيا وأوروبا حقيقي، لكن المواجهة الحالية لم تبدأ في فراغ استراتيجي. فروسيا هي التي اتخذت قرار الغزو الشامل لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، بعد سنوات من تدهور منظومة الأمن الأوروبي وتوسع الناتو شرقًا، وإعلان الحلف في قمة بوخارست عام 2008 أن أوكرانيا وجورجيا “ستصبحان عضوين فيه”، رغم اعتراضات موسكو المتكررة واعتبارها اقتراب الحلف من حدودها تهديدًا لأمنها.

وقد تكون التصورات الروسية عن نيات الغرب مبالغًا فيها أو استُخدمت لتبرير سياسات تتجاوز المخاوف الدفاعية، لكنها كانت معلنة ومعروفة لدى العواصم الغربية قبل الحرب بسنوات. لذلك يمكن تحميل موسكو مسؤولية قرار اللجوء إلى الغزو من دون اختزال الطريق إلى الحرب في مسؤولية طرف واحد، كما يمكن النظر إلى درجة التصعيد التي تختارها بريطانيا اليوم باعتبارها خيارًا سياسيًا وليست استجابة آلية لا بديل لها.

وهنا تدخل السياسة الداخلية في المعادلة.

ففي دولة تواجه ضعفًا اقتصاديًا وضغطًا على الخدمات وتراجعًا في الثقة بقدرة الحكومات على تحسين الحياة اليومية، يستطيع الأمن القومي أن يقدم مصدرًا مختلفًا للشرعية: إذا كان من الصعب إقناع الناخب بأنه أصبح أكثر رخاءً، يصبح من الممكن تقديم الحكومة باعتبارها السلطة القادرة على حمايته في عالم أكثر خطرًا.

والخطاب الرسمي البريطاني نفسه يربط بين المجالين. فقد ربط رئيس الوزراء السابق كير ستارمر في خطاب بكييف أفعال روسيا مباشرة بأمن البريطانيين وتكلفة المعيشة.

كما يظهر أثر الأزمات الخارجية في أولويات الرأي العام. ففي مارس/آذار تضاعفت نسبة البريطانيين الذين اعتبروا الدفاع والشؤون الخارجية من أهم القضايا التي تواجه البلاد من 15 إلى 31 في المئة خلال شهر واحد، وفي يونيو/حزيران قال 47 في المئة إنهم يريدون زيادة الإنفاق الدفاعي، بارتفاع عشر نقاط خلال شهر.

هذا لا يعني أن الحكومة تحتاج إلى اختراع الخطر الروسي؛ الخطر موجود بالفعل. لكنه يعني أن وضع الأمن والتهديد والجاهزية في قلب النقاش العام ينقل جزءًا من تقييم الحكومة من النمو والضرائب والخدمات إلى القيادة والحزم والقدرة على الحماية.

بيرنهام اختار نبرته

عززت حكومة بيرنهام التعاون في التسليح والبرامج الصاروخية| الصورة توضيحية (AI)

وتكتسب أولى خطوات آندي بيرنهام في السياسة الخارجية أهمية من هذه الزاوية.

فزيارة كييف لم تكن مجرد إشارة إلى استمرار دعم أوكرانيا، بل اقترنت بإعلان عسكري يوسع قدراتها الصاروخية، في حين اختار بيرنهام لغة تؤكد الحزم أكثر مما تشير إلى محاولة خفض مستوى التوتر.

فقد أعلنت الحكومة تحت عنوان “بريطانيا تقف خلفكم بنسبة 100 في المئة” استمرار التزامها بأوكرانيا، وشبّه بيرنهام مقاومتها لروسيا بالدور البريطاني في الدفاع عن الحرية الأوروبية خلال الحرب العالمية الثانية. كما أدان ما وصفه بـ”التهديدات المشينة” الروسية لبريطانيا، مؤكدًا أن لندن لن تتراجع عن دعم كييف.

وبيرنهام نفسه نفى أنه يتعمد رفع سقف المواجهة، وقدم موقفه باعتباره استمرارًا لسياسة بريطانية قائمة.

لكن الحكومة الجديدة كانت تملك مساحة لصياغة نبرتها الخاصة، والجمع بين استمرار الدعم العسكري لكييف وإبراز الحاجة إلى مسار سياسي أو ضبط التصعيد. وبدلًا من ذلك، اختارت في بدايتها التشديد على الردع والصلابة.

وهذا لا يثبت أن الحكومة تسعى إلى التصعيد لتحقيق مكاسب داخلية، لكنه يؤكد أن درجة التصلب ليست نتيجة ميكانيكية للتهديد الروسي وحده؛ فمستوى الانخراط ونوعية الأسلحة واللغة المستخدمة والقنوات الدبلوماسية المفتوحة كلها اختيارات سياسية.

حين يصبح التهديد مصدرًا للشرعية

المواجهة الخارجية لا تمنح الحكومة مبررًا للإنفاق العسكري فقط، بل تساعدها أيضًا على بناء رواية أوسع عن وظيفة الدولة.

وهذه ليست ظاهرة بريطانية خاصة؛ فالأدبيات السياسية تعرف منذ زمن تأثير “الالتفاف حول العلم”، حين تدفع الأزمات الخارجية جزءًا من الجمهور إلى الالتفاف مؤقتًا حول القيادة الوطنية.

ولا يعني ذلك أن الحكومات التي تواجه أزمة داخلية تفتعل بالضرورة أزمات خارجية. في الحالة البريطانية، الأدق أن التهديد الروسي يؤدي وظيفتين في الوقت نفسه: خطرًا أمنيًا حقيقيًا يجب التعامل معه، وإطارًا سياسيًا يمكن من خلاله الحديث عن القيادة والوحدة والجاهزية.

وقد يحمل ذلك أثرًا آخر: كلما أصبح التصلب تجاه موسكو جزءًا من تعريف القيادة القوية، ازدادت الكلفة السياسية للتهدئة لاحقًا، حتى إذا أصبحت هناك مساحة دبلوماسية تسمح بها.

فالحكومة التي بنت جزءًا من روايتها على أن روسيا خطر يتطلب مزيدًا من الحزم ستحتاج إلى تفسير أي انتقال لاحق إلى لغة أقل تصعيدًا.

وهنا يمكن للسياسة الداخلية أن تضيق مساحة الحركة أمام السياسة الخارجية بدل أن توسعها.

حتى الحرب التي لا تقع لها كلفة

ولا تقتصر تكلفة المواجهة على الحرب الفعلية.

فالعملية البحرية الأخيرة، رغم أنها لم تشهد إطلاق نار، احتاجت إلى HMS Duncan وHMS St Albans وHMS Severn ومروحية Merlin، بينما تابعت HMS Mersey سفينة الإمداد الروسية Akademik Pashin.

وكانت السفن والمروحيات البريطانية قد أمضت 21 يومًا خلال يوليو/تموز في عمليات لمراقبة النشاط الروسي في المياه البريطانية وشمال الأطلسي.

وهذه هي طبيعة الردع في معظم أيامه: السفينة التي تراقب سفينة روسية تحتاج إلى طاقم وصيانة ووقود وتدريب، حتى إذا لم تبدأ الحرب.

ومع تزايد هذه المهمات، تتحول “الجاهزية” من شعار سياسي إلى قدرة يجب تمويلها والحفاظ عليها.

ولكن الرأي العام يريد الأمن من دون فاتورة مفتوحة

البريطانيون أصبحوا أكثر استعدادًا لدعم زيادة الإنفاق الدفاعي، لكن هذا التأييد يتراجع عندما تظهر المفاضلة الحقيقية.

ففي استطلاع Ipsos أُجري في مايو/أيار، عارض 45 في المئة زيادة الإنفاق العسكري إذا جاءت على حساب الخدمات العامة، وعارض 50 في المئة تمويلها من خلال زيادة الضرائب الشخصية.

وفي المقابل، أيد 73 في المئة الزيادة إذا ساهمت في إيجاد وظائف وتدريب مهني، وأيد 61 في المئة الاستثمارات التي تدعم بنية تحتية مدنية حيوية.

أي أن التهديد يستطيع زيادة الطلب الشعبي على الأمن، لكنه لا يلغي الاقتصاد.

فنفقات الدفاع تأتي من الموازنة نفسها التي تمول المستشفيات والمدارس والنقل والإسكان. وهنا تقع الحكومة بين قوتين متعاكستين: الخطر الخارجي يجعل الإنفاق العسكري أكثر قبولًا، والأزمة الداخلية تجعل دفع فاتورته أكثر صعوبة.

بين شرعية الأمن وكلفة الأمن

اختارت حكومة بيرنهام حتى الآن التأكيد على الصلابة تجاه موسكو وتوسيع الدور البريطاني في دعم أوكرانيا.

ولا يعني ذلك أن روسيا ليست خطرًا، أو أن الخيار الصحيح بالضرورة هو التهدئة. لكنه يعني أن مواجهة موسكو ليست مجرد رد فعل على تهديد خارجي؛ إنها أيضًا اختيار سياسي له وظيفة داخلية وتكلفة داخلية.

وهنا تظهر الدائرة التي تواجهها الحكومة: الأزمات الداخلية تجعل الأمن مجالًا أكثر جاذبية لبناء خطاب عن القيادة والقدرة على الفعل، والتهديد الروسي يجعل زيادة الدور العسكري أسهل في التبرير، لكن هذا الدور يحتاج بدوره إلى مليارات إضافية تعيد الضغط إلى الموازنة والخدمات والضرائب.

أي أن الأمن يستطيع أن يقدم للحكومة مصدرًا للشرعية، لكنه لا يقدم لها المال اللازم لتمويله.

ولذلك لن تُقاس مصداقية السياسة البريطانية بعدد الخطابات المتشددة أو بحجم التهديدات المتبادلة، بل بقدرتها على تمويل القوة التي تقول إنها تحتاجها، والحفاظ على التأييد الشعبي عندما تظهر فاتورتها، وترك مساحة للتهدئة إذا أصبحت ممكنة بدل أن تتحول الصلابة إلى غاية في ذاتها.

فالردع المستدام يحتاج إلى ما هو أصعب من الخطاب: موارد قابلة للاستمرار، وأهداف يمكن تمويلها، وسياسة تعرف متى يكون التصعيد ضروريًا ومتى تصبح القدرة على خفضه جزءًا من الأمن نفسه.

 


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا