تعالوا نغيّر قواعد لعبة الكراسي
دعونا نعود قليلًا إلى الوراء، إلى مشهد مألوف مررنا به جميعًا، أو شاهدناه في المدارس، والمخيمات، والمناسبات العائلية.
تُرتَّب مجموعة من الكراسي في دائرة، ويكون عددها أقل من عدد اللاعبين بكرسي واحد. عشرة أطفال مثلًا، وتسعة كراسٍ. يبدأ الأطفال بالدوران حولها، يترقبون الإشارة التي تعلن نهاية الجولة؛ مقطعًا موسيقيًا يتوقف فجأة، أو صفقةً من المشرف، أو صافرةً حاسمة.
ما إن تأتي الإشارة، حتى يتحول المشهد إلى سباق قصير ومحموم. كل طفل يبحث عن مقعد ينقذه من الخروج. من يسبق إلى الكرسي يبقى، ومن لا يجد له مكانًا يُقصى من اللعبة. ثم يُسحب كرسي آخر، وتبدأ جولة جديدة، إلى أن يبقى طفل واحد جالسًا على آخر كرسي.
كنا نراها لعبة بريئة للتسلية، وربما لم نتوقف طويلًا عند الرسالة التي تحملها. لكنها، إذا تأملناها، تقوم على قاعدة بسيطة وخطِرة في الوقت نفسه: لكي أبقى، لا بد أن يخرج غيري.
وهنا تكمن المشكلة.
حين نكرر في أذهان أطفالنا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن نجاحي لا يتحقق إلا بخسارتك، فنحن لا نعلّمهم المنافسة فحسب، بل قد نزرع في داخلهم تصورًا للحياة باعتبارها مساحة محدودة لا تتسع للجميع.
يكبر الطفل، وقد يتحول هذا التصور إلى سلوك في المدرسة والعمل والمجتمع. فيرى الزميل منافسًا ينبغي إبعاده، وينظر الموظف إلى نجاح زميله باعتباره تقليلًا من فرصه، وقد يتحول المدير إلى شخص يخشى تميّز فريقه؛ لأنه يراه تهديدًا لمكانته. وهكذا تصبح العلاقات المهنية والاجتماعية سباقًا على المقاعد، لا شراكة في توسيع مساحة الجلوس.
وقد قرأت مؤخرًا منشورًا متداولًا يقارن بين هذه اللعبة وبين تجربة تُنسب إلى بعض رياض الأطفال في اليابان. لا أعرف المصدر الأصلي للقصة، ولا أتعامل معها بوصفها حقيقة موثقة أو نظرية تربوية معتمدة، لكن الفكرة التي تحملها تستحق التأمل.
في النسخة المقترحة، تبقى القاعدة الأساسية كما هي: عدد الأطفال أكبر من عدد الكراسي. لكن هناك تغييرًا واحدًا يقلب معنى اللعبة بالكامل: لا يُسمح بسقوط أي طفل على الأرض عند توقف الإشارة، وإذا سقط أحدهم خسر الجميع.
فجأة تتغير اللعبة.
لم يعد الطفل معنيًا بأن يجد لنفسه كرسيًا فقط، بل أصبح معنيًا بأن يجد الجميع مكانًا. يبدأ الأطفال الاقتراب من بعضهم، ويفسح أحدهم مساحة لغيره، ويحاولون أن يجلسوا معًا على عدد أقل من الكراسي. ومع كل جولة، تصبح المساحة أضيق، لكن روح التعاون تصبح أوسع.
قد لا تكون القصة اليابانية موثقة بالقدر الكافي لنعدّها منهجًا تربويًا، لكنها تطرح سؤالًا تربويًا بالغ الأهمية: ماذا يحدث لو غيّرنا القاعدة التي تحكم اللعبة؟
وماذا لو كانت رسالتنا للأطفال: نجاحك لا يحتاج إلى خسارتي، ونجاحي لا يكتمل إذا تركتك خلفي؟
هذه الفكرة ليست غريبة عن قيمنا، بل تكاد تكون في صميمها. ففي ثقافتنا الإسلامية، الإيثار ليس فضيلة هامشية، بل قيمة راسخة: “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”. وفي توجيه آخر يتجاوز فكرة المقعد المادي إلى معنى أوسع للحياة والعلاقات: “إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم”.
المشكلة إذن ليست في الكرسي، وإنما في القاعدة التي نضعها حوله.
يمكننا أن نربي أبناءنا على أن الفرص محدودة، وأن عليهم أن يتسابقوا لإقصاء بعضهم بعضًا، ويمكننا في المقابل أن نعلمهم أن التعاون قادر على إيجاد مساحة جديدة حين تبدو المساحة ضيقة.
وهذا لا يعني إلغاء المنافسة أو قتل الطموح. فالمنافسة الصحية مطلوبة، والطموح قيمة، والتميز حق مشروع. لكن الفارق كبير بين أن أتنافس معك لأكون أفضل، وبين أن أسعى إلى إضعافك حتى أبدو أفضل.
نحن بحاجة إلى مراجعة كثير من القواعد التي نحملها معنا من التربية إلى الإدارة، ومن المدرسة إلى بيئة العمل. فالقائد الناجح ليس من يجمع الكراسي حوله ويترك الآخرين واقفين، وإنما من يستطيع أن يصنع مساحة يتسع فيها نجاح الفريق لأفراده جميعًا.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نسأله ونحن نربي أبناءنا ونبني مؤسساتنا: هل نريد أن نعلّمهم كيف ينتصر الواحد على الجميع، أم كيف ينتصر الجميع معًا؟
فالانتصار الحقيقي ليس أن تبقى وحدك جالسًا على آخر كرسي في حلبة خالية، بل أن تصل إلى النهاية وأنت تعرف أن أحدًا لم يُترك خلفك.
وربما يكون الكرسي الذي يتسع لاثنين بالمحبة والإيثار، أوسع وأكرم من ألف عرش لا يتسع إلا لصاحبه.
الرابط المختصر هنا ⬇


