لماذا تعاني للوصول إلى طبيب أسنان في نظام NHS؟ تعرف إلى عدد العيادات في منطقتك
تتجه خدمات طب الأسنان في بريطانيا نحو نظام طبقي ثنائي الفئات، وسط ظاهرة هجران مئات عيادات الأسنان للعمل مع هيئة الصحة الوطنية (NHS)، وفقًا لتحليلات حديثة كشفت حجم المعاناة التي يواجهها المواطنون للحصول على مواعيد مجانية أو مدعومة.
وأظهرت البيانات التي حللتها مؤسسة “نافيلد تراست” (Nuffield Trust) أن ما يقرب من 600 عيادة أسنان في إنجلترا انسحبت من تقديم الخدمات عبر هيئة (NHS) خلال الأعوام العشرة الماضية. وتجلت هذه الأزمة بشكل حاد في أجزاء من جنوب غرب إنجلترا وشرقها، ما أثار مخاوف جديّة بشأن تفاقم التفاوت الطبقي والتمييز في القدرة على الحصول على الرعاية الصحية.
“العثور على طبيب أسنان أصبح مستحيلًا”
وتشير النتائج إلى أن أكثر من عيادة واحدة من بين كل 10 عيادات أسنان كانت تقدم رعاية صحية تابعة للهيئة قد توقفت عن ذلك، ما جعل العثور على موعد طبي أمرًا شبه مستحيل لبعض المجتمعات المحلية.
وانخفض حجم نشاط طب الأسنان التابع لهيئة الصحة الوطنية بنسبة 8 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل جائحة كورونا، بينما لم يراجع 6 من كل 10 بالغين طبيب أسنان تابعًا لـ (NHS) منذ عامين. ومن بين الذين حاولوا الحصول على موعد جديد خلال العامين الماضيين، لم ينجح سوى 38 في المئة فقط، وفقًا لمسح ممارسي الصحة العامة التابع للهيئة.
وشهدت مقاطعات كورنوال (Cornwall)، وديڤون (Devon)، ونورثامبتونشير (Northamptonshire) أكبر معدلات التراجع في عدد العيادات التي توفر العلاج المجاني والمدعوم. وفي كورنوال وحدها، توقفت أكثر من ربع العيادات التي كانت تقدم خدماتها عبر (NHS) عن ذلك، في أحد أوضح الأمثلة على هذا التحول الهيكلي بعيدًا عن منظومة الصحة العامة.
عقود غير مجدية مع الحكومة!

وتأتي هذه الأرقام في وقت تعهدت فيه الحكومة بمكافحة ما يُعرف بـ “صحاري طب الأسنان”، إلا أن أطباء الأسنان يؤكدون أن العقد المبرم مع الحكومة حاليًّا لم يعد مجديًا أو حيويًّا، حيث سلم العديد منهم عقودهم مع الهيئة بعد أن أصبحت ممارسة العمل تحت مظلتها تتسبب لهم في خسائر المالية.
وفي مقاطعة سومرست (Somerset)، باتت أقل من عيادة واحدة من بين كل خمس عيادات تقدم خدمات عبر (NHS). ويقول ألان (83 عامًا)، وهو أحد قاطني المقاطعة، إنه استسلم تمامًا واستغنى عن محاولة العثور على طبيب أسنان تابع للهيئة: “كنت أحاول في الماضي، لكن الحصول على موعد في أي مكان قريب من مقر سكني أصبح مستحيلًا”.
ولم يتبقَ لدى ألان سوى سن واحدة بعد أن “تفتتت بقية أسنانه وتساقطت على مر السنين”، مؤكدًا أنه اضطر إلى تكييف أسلوب تناوله للطعام، قبل أن يضيف مازحًا أنه أتقن طريقة لتناول جوز البرازيل بسنه الوحيد.
أما الدكتور فيفاك شاه، الذي يدير ثلاث عيادات أسنان في نورثامبتونشير، فيواصل تقديم العلاج عبر (NHS) لكنه يؤكد أن هذا القسم يعمل بخسارة مالية، ما دفعه إلى التوقف عن استقبال أي مرضى جدد تابعين للهيئة.
ويوضح شاه: “نصارع كل عام لاتخاذ قرار بشأن ما يجب فعله، وهناك حد أقصى لما يمكن أن يغطيه القطاع الخاص من خسائر قسم (NHS)”. وحذر من أنه إذا توقفت العيادات عن تقديم العلاج عبر المنظومة العامة، فإن العديد من المرضى سيبقون يتألمون، أو سيضطرون للبحث عن المساعدة في أجزاء أخرى من القطاع الصحي، بما في ذلك أقسام الطوارئ والحوادث في المستشفيات.
من جانبه، يقول مارك دايان (Mark Dayan)، رئيس الشؤون العامة في مؤسسة “نافيلد تراست”: “إن إنهاء عقد واحد في بلدة ما لا يلفت انتباه الإعلام الوطني كثيرًا بمفرده، لكن تكرار هذا الأمر عبر البلاد على مدى سنوات يمثل تحولًا صامتًا لطب الأسنان إلى خدمة طبقية ذات مستويين”.
وأضاف: “إن الحصول على رعاية الأسنان بات يعتمد بشكل متزايد على ما يستطيع الأشخاص دفعه وعلى مكان سكنهم”.
وفي بلدة هيكسهام (Hexham)، اتخذ طبيب الأسنان جيم سايكس قرارًا بإرجاع عقده مع (NHS) عام 2024. وعلق على ذلك قائلًا: “كان قرارًا عاطفيًّا وصعبًا للغاية، لكن العمل مع الهيئة كان يكبّدنا خسائر فادحة. كان عليّ التفكير في فريق عملي وجعل العيادة تستمر في العمل”. وذكر سايكس أنه طلب الاستمرار في علاج الأطفال فقط، إلا أن السلطات أبلغته بضرورة قبول البالغين أيضًا أو التخلي عن العقد بالكامل.
وأردف سايكس: “لقد حدث انهيار حقيقي في الثقة بالنسبة لي. حتى لو كان هناك عرض حكومي جديد، سأظل متخوفًا جدًا من توقيع عقد جديد مع (NHS)”.
وأشار إلى أنه لا أحد من زملائه الذين تخرجوا معه في نفس الدفعة ما زال يعمل ضمن الهيئة، قائلًا: “لقد اتجه أصدقائي إلى القطاع الخاص، أو التقاعد، أو التدريس؛ أي مسار يجنبهم العمل في طب الأسنان التابع لـ (NHS)”.
من جهته، صرّح شيف باباري، رئيس لجنة ممارسي طب الأسنان العام بجمعية طب الأسنان البريطانية، بأن هذا الوضع هو “نتيجة مباشرة للخيارات والسياسات التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة”. وحذر من أنه ما لم تًُصلح الحكومة وتموّل طب الأسنان في (NHS)”، فإن المزيد من الأطباء قد يختارون تقليص عملهم مع الهيئة أو مغادرة الخدمة نهائيًّا.
ورغم ذلك، ارتفع الإجمالي العام لعدد عيادات الأسنان في إنجلترا خلال العقد الماضي. ويعلق دايان على ذلك قائلًا: “هذه ليست أزمة نقص في أطباء الأسنان، بل نقص في خدمات طب الأسنان المجانية والمدعومة (NHS).
وأضاف: سيتوجب إيجاد حوافز لإعادة العيادات للعمل مع الهيئة في المناطق التي تراجع فيها حضور خدمات القطاع العام بشكل حاد”.
وبينما سجلت معظم مناطق إنجلترا انخفاضًا في العيادات التي تقدم خدمات (NHS)، كانت نسبة التراجع الأقل في شمال غرب لندن، ومنطقة “بلاك كاونتري” (Black Country)، وشمال شرق لندن.
وكانت منطقة شمال شرق لندن هي المنطقة الوحيدة التي شهدت زيادة في هذه الفترة، حيث سجلت زيادة بعيادة واحدة فقط تقدم العلاج عبر (NHS) مقارنة بما كانت عليه قبل عقد من الزمن، بينما شهدت كل المناطق الأخرى في إنجلترا انخفاضًا في أعداد العيادات المعتمدة.
إن النظر إلى عدد العيادات التي تقدم خدمات (NHS) لا يعطي بالضرورة صورة مطابقة للطاقة الاستيعابية الدقيقة للخدمة الطبية، فالعيادات تتفاوت في حجمها. لكن بالنظر إلى معايير أخرى، مثل حجم العلاجات التي تنتهي فعليًّا، تشير الأرقام إلى استمرار الانخفاض، وإن كان بحدة أقل مقارنة بالهبوط الحاد في أعداد العيادات ذاتها.
في المقابل، تؤكد الحكومة أنها تعمل على تعديل عقود طب الأسنان وتدريب المزيد من الأطباء في المناطق الأكثر احتياجًا. كما صرحت الحكومية بأنها ستفرض شرطًا على أطباء الأسنان المؤهلين حديثًا لممارسة المهنة داخل منظومة (NHS) لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات.
بدورها، وصفت مجموعة “38 ديغريز” (38 Degrees) المدافعة عن حقوق المستهلكين الأزمة الحالية لطب الأسنان بـ “المخزية”، مؤكدة أن الناس أصبحوا “مكرهين على دفع أموال لا يملكونها، أو المعاناة مع الألم والألم النفسي والمضاعفات الناجمة عن حرمانهم من الرعاية الصحية الأساسية التي توفرها الدولة”.
المصدر: بي بي سي
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇