روان ويليامز.. حارس الروح في زمن التجارة بالدين
في زمنٍ تُباع فيه العقائد في أسواق المزايدات السياسية، ويُستدعى فيه اللاهوت ليتحول إلى هراوة تُشهَر في وجوه الآخرين، يقف الدكتور روان ويليامز – رئيس أساقفة كانتربري السابق والأكاديمي الرفيع – كقامةٍ أخلاقية وإنسانية استثنائية، تعيد للدين جوهره الأخلاقي الصافي، وتجعل من الإيمان وسيلة للتسامي لا أداة للبطش.
لم يكن روان ويليامز مجرد رجل دين يقبع في أعلى هرم الكنيسة الأنجليكانية لعشر سنوات؛ بل كان وما زال بوصلة أخلاقية حاسمة ورجلًا متسقًا مع أفكاره وقيمه.
مواقف أخلاقية في مواجهة الحرب والكراهية

من ينسى موقفه الشجاع والصريح يوم وقف بصلابة في وجه رئيس الوزراء آنذاك توني بلير ومغامرة الاستعمار الحديث، رافضًا بوضوح قاطع احتلال العراق، واعتبر تلك الحرب خطأً أخلاقيًا وسياسيًا جسيمًا.
وفي أعقاب الأزمات الكبرى، حين صعدت موجات وصم الإسلام بالإرهاب، تقدم ويليامز بعقلية المفكر العادل ليقرر مقاربة فكرية تفكيكية من طراز رفيع؛ إذ تساءل بجرأة: إذا كنا سنَصِم الإسلام بالإرهاب بسبب أفعال متطرفين منتسبين إليه، فهل يجب بالمنطق ذاته أن نَصِم المسيحية بالإرهاب بعد المجازر والفظائع التي ارتكبها صرب البوسنة بحق المسلمين في قلب أوروبا؟
ويمتد هذا النبل الأخلاقي إلى مواقفه الصارمة في صون الحريات الدينية وحماية التنوع الثقافي في الغرب؛ فقد كتب بوضوح يومًا تحذيرًا شديد اللهجة في صحيفة “التايمز”، مؤكدًا أن تصور مجتمع يُجرَّد من مظاهره الدينية العامة – كالصليب والنقاب والعمامة – سيكون مجتمعًا خطِرًا من الناحية السياسية.
ورفض بقوة أن تتحول الحكومات إلى “سلطات ترخيص” تفرز الرموز الدينية المقبولة وغير المقبولة، محذرًا من أن حظر الحجاب يمثل مجازفة سياسية تجعل المتابع يبدو وكأن بريطانيا تخوض حربًا دينية عبثية، لكن الجوهر الحقيقي يكمن في تعزيز التسامح وحرية الضمير.
غزة ودائرة العنف
ولم تنفصل نظرته الأخلاقية المبدئية عن الأزمات الإنسانية الكبرى في الشرق الأوسط؛ إذ طالما رفع صوته داعيًا إلى السلام والمصالحة والتخلي عن منطق الانتقام الدامي والشعارات السامة التي تفسد النقاش الإنساني والسياسي. وفي تناوله للعدوان على قطاع غزة، لم يتردد في التنديد بالكارثة الإنسانية والمطالبة بتقديم الإغاثة العاجلة للمحاصرين.
وفي قراءته التأملية الدائمة لدائرة العنف المفرغة، يصرّ ويليامز على تبيان الحقيقة المرة: أن استمرار البطش يمنح المتطرفين الذريعة لفرض أعتى الإجراءات القمعية ضد الفلسطينيين، ما يخنق كل فرص العدالة وينسف ركائز العيش المشترك.
في مواجهة التجارة بالهوية الدينية
هذا الاتساق الأخلاقي العميق هو ما يدفعه اليوم لتفكيك الأقنعة التي يرتديها ساسة اليمين المتطرف في بريطانيا والعالم.
وفي حديثه الأخير لمجلة “نيو هيومانيست”، لم يتردد ويليامز في توجيه نقد لاذع ولائم للسياسي اليميني نايجل فاراج ولأمثاله ممن يتاجرون بالهُوية الدينية، مؤكدًا أن فاراج لا يسهر الليالي تفكيرًا في سر روحه أو شغفًا بالأسئلة اللاهوتية العميقة، بل يستغل عبارة “نحن مجتمع مسيحي” كغطاء أيديولوجي رخيص لتأطير وإذكاء المشاعر المعادية للمسلمين، وتأمين قبول سياسي على الساحة الدولية.
إن نموذج روان ويليامز يضعنا أمام حقيقة جليلة كثيرًا ما تجرفها سطور الخطابات الراديكالية؛ حقيقة أن الغرب ليس كتلة صماء من العداء أو الانتهازية السياسية، بل هو أيضًا فضاء ثري بنخب فكرية وروحية تمتلك شجاعة الاستماتة في الدفاع عن الحق والإنصاف.
إن هذه القامات الأخلاقية التي تتنفس ضميرًا حيًا وتجعل من النقد الذاتي والنزاهة الثقافية خيارها الوحيد، تمثل العمق الإنساني الحقيقي لمجتمعاتها، وتؤكد أن صوت العدالة قادر على الاختراق والتحليق فوق الضجيج الأيديولوجي السائد.
جسور في مواجهة تجار الأديان
من هنا، يصبح من الحصانة الفكرية والواجب الحضاري أن نلتفت في العالم العربي والمنتديات الثقافية إلى هذه النماذج النبيلة باهتمام بالغ، وأن نلتقط رسائلها بنباهة ورشد. فالتفاعل الحي والتواصل الفكري مع هؤلاء الأحرار في الغرب لا يمنح القضايا العادلة سندًا أخلاقيًا دوليًا فحسب، بل يكسر عزلة الخطاب المتطرف من الطرفين، ويتيح بناء جسور من الحوار المتبادل والتحالف الإنساني الصادق؛ تحالفٌ قادرٌ على مواجهة تجار الأديان وضيق الأفق، وتأسيس عالم أكثر عدلًا وإنصافًا للإنسان، أينما كان.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇


