العرب في بريطانيا | جرائم الأجانب والأقليات في بريطانيا.. لماذا يبا...

البريطانيون يبالغون في تقدير جرائم الأجانب والأقليات.. ماذا تقول الأرقام؟

البريطانيون يبالغون في تقدير جرائم الأجانب والأقليات.. ماذا تقول الأرقام؟
محمد سعد أغسطس 17, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

يعتقد كثير من الناس في إنجلترا وويلز أن الأجانب والأقليات العرقية يرتكبون نسبة من الجرائم أكبر بكثير مما تظهره البيانات الفعلية، وفق دراسة جديدة تكشف فجوة واسعة بين تصورات الجمهور وواقع الجريمة.

فبحسب جريدة الغارديان، أظهر استطلاع أجرته YouGov لصالح باحثين في King’s College London وشمل نحو 1,800 شخص أن المشاركين بالغوا في تقدير نسبة مرتكبي جرائم القتل من الأقليات العرقية، وكذلك نسبة الأجانب داخل السجون وبين مرتكبي الجرائم الجنسية.

ولا تتوقف الفجوة عند هوية مرتكبي الجرائم؛ إذ تشير الدراسة إلى أن الجمهور يبالغ أيضًا في تقدير حجم الجريمة نفسها ومدى تعرض الناس لها، في وقت تظهر فيه أحدث بيانات الجريمة الرسمية تراجع عدد من الجرائم الخطيرة في إنجلترا وويلز.

جرائم القتل.. 55% في تصور الناس مقابل 35% فعليًا

قدّر المشاركون أن 55 في المئة من المدانين بجرائم قتل ينتمون إلى أقليات عرقية، بينما تبلغ النسبة الفعلية نحو 35 في المئة| الصورة توضيحية (AI)

من أكثر النتائج لفتًا للنظر سؤال المشاركين عن الخلفية العرقية للأشخاص المدانين بالقتل.

فقد قدّر المشاركون أن 55 في المئة من المدانين بجرائم قتل ينتمون إلى أقليات عرقية، بينما تبلغ النسبة الفعلية نحو 35 في المئة.

وفي الاتجاه المقابل، اعتقد المشاركون أن البيض يمثلون نحو 45 في المئة من المدانين بالقتل، بينما تبلغ النسبة الفعلية 64 في المئة.

وتكشف هذه الأرقام عن فجوة واضحة بين ما يتصوره الجمهور بشأن هوية مرتكبي الجرائم وبين البيانات الفعلية، وإن كانت لا تعني أن معدلات الجريمة متطابقة بين جميع المجموعات السكانية أو أن العوامل الديموغرافية والاجتماعية لا تؤثر في أنماط الجريمة.

الأجانب في السجون.. الجمهور يضاعف النسبة تقريبًا

ظهرت فجوة مشابهة عند سؤال الناس عن الأجانب داخل السجون.

فقد اعتقد المشاركون أن الأجانب يمثلون نحو 25 في المئة من نزلاء السجون، بينما تبلغ النسبة الفعلية نحو 12 في المئة.

وتؤكد بيانات وزارة العدل أن عدد السجناء من الجنسيات الأجنبية بلغ نحو 10,772 شخصًا في نهاية يونيو/حزيران 2025، أي نحو 12 في المئة من إجمالي نزلاء السجون في إنجلترا وويلز.

ماذا عن الجرائم الجنسية؟

كانت الفجوة واسعة أيضًا عند الحديث عن الجرائم الجنسية.

فقد قدّر المشاركون أن الأجانب مسؤولون عن نحو 30 في المئة من الجرائم الجنسية، في حين تشير البيانات المستخدمة في الدراسة إلى أن النسبة الفعلية تبلغ نحو 15 في المئة.

أي أن التصور العام يضع النسبة عند ضعف الرقم الفعلي تقريبًا.

ويكتسب هذا الجانب من الدراسة أهمية خاصة في ظل الجدل السياسي والإعلامي المتزايد خلال السنوات الأخيرة بشأن العلاقة بين الهجرة والجريمة، واستخدام بعض الحالات الفردية البارزة في النقاش العام حول سياسات الهجرة واللجوء.

ناخبو حزب ريفورم الأبعد عن الأرقام

ووجدت الدراسة اختلافات كبيرة بحسب الانتماء السياسي.

فقد كان ناخبو حزب الإصلاح البريطاني الأكثر ميلًا إلى المبالغة في تقدير نسبة الجرائم المرتكبة من جانب الأقليات والأجانب.

وقدّر ناخبو الحزب أن نحو 70 في المئة من المدانين بالقتل ينتمون إلى أقليات عرقية، مقابل النسبة الفعلية البالغة 35 في المئة.

كما اعتقدوا أن الأجانب مسؤولون عن نحو 50 في المئة من الجرائم الجنسية، مقارنة بنحو 15 في المئة وفق الأرقام المستخدمة في الدراسة.

وقال البروفيسور بوبي دافي (Bobby Duffy) من King’s College London إن هذه الفجوات لا تعكس فقط نقص المعلومات، وإنما ترتبط كذلك بالمخاوف التي يحملها الناس أصلًا وبنوعية الأخبار والمحتوى السياسي والإعلامي الذي يتعرضون له.

وأوضح أن الأشخاص الأكثر قلقًا بشأن الهجرة والتنوع قد يكونون أكثر انتباهًا إلى الأخبار التي تؤكد مخاوفهم، ما يجعل بعض الحالات الفردية تبدو أكثر انتشارًا مما هي عليه فعليًا.

هل ترتفع الجريمة فعلًا؟

لا تقتصر الدراسة على السؤال عن هوية مرتكبي الجرائم، بل تكشف أيضًا أن كثيرًا من المشاركين يعتقدون أن جرائم معينة ترتفع بينما تظهر البيانات الرسمية تراجعها.

وتشير أحدث أرقام مكتب الإحصاءات الوطني إلى أن عدد جرائم القتل في إنجلترا وويلز انخفض 7 في المئة خلال العام المنتهي في مارس/آذار 2026، ليصل إلى 499 جريمة، وهو أدنى مستوى منذ بدء العمل بنظام التسجيل الحالي عام 2003.

كما انخفضت الجرائم التي تستخدم فيها السكاكين أو الأدوات الحادة بنسبة 8 في المئة، والجرائم باستخدام الأسلحة النارية بنسبة مماثلة.

وانخفضت كذلك الجرائم المتعلقة بالمركبات بنسبة 11 في المئة، والسطو بنسبة 9 في المئة، بينما تراجعت سرقة الممتلكات من الأشخاص بنسبة 20 في المئة.

لكن الصورة ليست موحدة تمامًا؛ فبعض أنواع الجريمة شهدت ارتفاعات خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها الاحتيال في بعض الفترات، وهو ما يعني أن القول إن «الجريمة ترتفع» أو «الجريمة تنخفض» بصورة عامة يمكن أن يكون مضللًا من دون تحديد نوع الجريمة والفترة الزمنية المقصودة.

الناس يبالغون حتى في احتمال تعرضهم للجريمة

وتكشف الدراسة أن الشعور بالخطر أكبر من التجربة الفعلية للجريمة أيضًا.

فقد قدّر المشاركون أن نحو 27 في المئة من الناس تعرضوا شخصيًا لجريمة خلال الفترة التي تناولها الاستطلاع، بينما بلغت النسبة الفعلية نحو 9.7 في المئة فقط.

ويرى الباحثون أن هذه الفجوة مهمة؛ لأن الناس لا يبنون مواقفهم من الشرطة والهجرة والعقوبات والسياسات الجنائية على الإحصاءات وحدها، وإنما على الشعور الشخصي بالأمان وما يرونه ويسمعونه في محيطهم والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

«عدالة من مستويين».. تصور آخر لا تؤيده الأدلة

وسألت الدراسة المشاركين أيضًا عن فكرة وجود «نظام عدالة من مستويين» (two-tier justice)، أي أن الأشخاص يعاملون بصورة مختلفة أمام القضاء بسبب خلفيتهم العرقية أو الدينية.

وقال 52 في المئة من المشاركين إنهم يعتقدون بوجود اختلاف في الأحكام؛ إذ رأى 29 في المئة أن الأقليات تحصل على أحكام أكثر تساهلًا، بينما اعتقد 23 في المئة أنها تتلقى أحكامًا أشد.

لكن الباحثين قالوا إن الأدلة المتاحة لا تدعم فكرة أن الأقليات تحصل بصورة عامة على معاملة أكثر تساهلًا من النظام القضائي.

وتظهر بيانات رسمية، في المقابل، أن هناك بالفعل فروقًا بين المجموعات العرقية في مراحل مختلفة من نظام العدالة الجنائية، من بينها معدلات التوقيف والبحث والاعتقال، وهي فروق تتطلب تحليلًا منفصلًا ولا يمكن اختزالها في فكرة أن النظام «يفضل» مجموعة بعينها.

لماذا تهم الفجوة بين الشعور والواقع؟

تكمن أهمية الدراسة في أن تصورات الجريمة ليست مجرد خطأ في تقدير رقم.

فإذا اعتقد الناس أن الجريمة أكثر انتشارًا مما هي عليه، أو أن مجموعات معينة مسؤولة عنها بدرجة أكبر بكثير من الواقع، فقد يؤثر ذلك في مواقفهم تجاه الهجرة والشرطة والعقوبات وحتى اختيارهم السياسي.

ويرى الباحثون أن المشكلة تصبح أكثر حساسية عندما تتحول الحالات الفردية التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة إلى صورة ذهنية عن مجتمع كامل.

لا تقول الدراسة إن المخاوف من الجريمة غير حقيقية أو أن جميع أنواع الجرائم تتراجع، بل تشير إلى شيء أكثر تحديدًا: الشعور بالخطر لا يتحرك دائمًا في الاتجاه نفسه الذي تتحرك فيه الأرقام، كما أن تصور الناس لمن يرتكب الجريمة قد يبتعد كثيرًا عما تظهره البيانات الفعلية.

وفي لحظة أصبحت فيها الهجرة والجريمة من أكثر الملفات حضورًا في النقاش السياسي، قد تكون هذه الفجوة نفسها جزءًا من القصة؛ فالمعركة لا تدور فقط حول ما يحدث في الشوارع، وإنما أيضًا حول الصورة التي يعتقد الناس أنها تحدث فيها.

 

المصدر: الغارديان


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا