العرب في بريطانيا | دعم إسرائيل و«القيم المشتركة».. هل تتدخل واشنطن...

تحليل: من «القيم المشتركة» إلى دعم إسرائيل.. هل تتدخل واشنطن في السياسة البريطانية؟

دعم إسرائيل و«القيم المشتركة».. هل تتدخل واشنطن في السياسة البريطانية؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

تبدو القصة من الخارج مألوفة وربما بريئة: السفارة الأمريكية في لندن تعرض منحًا لتمويل برامج تعليمية ومدنية تتحدث عن سيادة القانون، وحرية التعبير، والحكومة المحدودة، والتقاليد الدستورية التي تجمع الولايات المتحدة وبريطانيا.

لكن إعلانًا أمريكيًا آخر يجعل الصورة أقل بساطة بكثير.

ففي برنامج منفصل للدبلوماسية العامة، لا تكتفي السفارة الأمريكية بالرغبة في تعريف البريطانيين بالسياسة الخارجية لواشنطن، وإنما تضع ضمن أهدافها صراحة زيادة الدعم البريطاني للمواقف الأمريكية، وبينها ضمان دعم «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها». والجمهور المستهدف لا يقتصر على الدبلوماسيين أو الباحثين، بل يشمل الصحفيين والمحررين، ومسؤولي الحكومة، وقادة المجتمع المدني، والأكاديميين والطلاب.

هنا تصبح القضية أكبر من منحة ثقافية، وأصغر في الوقت نفسه من اتهام مباشر بالتدخل في الانتخابات.

السؤال الحقيقي يقع في المنطقة الواقعة بين الاثنين: متى تكون محاولة دولة إقناع مجتمع أجنبي بسياستها «دبلوماسية عامة» مشروعة، ومتى تتحول إلى محاولة لإعادة تشكيل النقاش السياسي داخل ذلك المجتمع؟

نصف مليون دولار لـ«القيم المشتركة»

 

# تحليل: من «القيم المشتركة» إلى دعم إسرائيل.. هل تتدخل واشنطن في السياسة البريطانية؟
تمويل أمريكي يصل لنصف مليون دولار| الصورة: ويكميديا.

بدأ الجدل الأخير مع برنامج تمويل أمريكي يحمل اسمًا يبدو بعيدًا تمامًا عن الصراع الحزبي: «الحرية في ظل القانون: التقليد الأنغلو-أمريكي المشترك» (Liberty Under Law: The Shared Anglo-American Tradition).

وتعرض السفارة الأمريكية منحًا تصل إلى 500 ألف دولار لبرامج تعليمية ومشاركة مدنية تتناول مبادئ مثل حرية التعبير، والمحاكمة أمام هيئة محلفين، وحقوق الملكية، وسيادة القانون، والحكومة المحدودة، وتربطها بالحياة العامة المعاصرة. ولا يريد البرنامج مجرد تنظيم محاضرات؛ إذ يشترط أن تسعى المشروعات إلى إحداث أثر قابل للقياس في النقاش العام والتغطية الإعلامية والمشاركة المدنية.

في السياق الأمريكي الحالي، أصبحت قضايا مثل «الحكومة المحدودة» و«حرية التعبير» والاعتراض على «الرقابة» والتنظيم الرقمي جزءًا من قاموس سياسي تستخدمه إدارة دونالد ترامب وحلفاؤها في صراعهم مع حكومات ومؤسسات أوروبية، إلى جانب ضغوط أوسع في ملفات مثل الإنفاق الدفاعي والهجرة والتجارة.

وظهر القلق من انتقال هذا الخطاب إلى تدخل سياسي مباشر بوضوح في ألمانيا، حين حذر المستشار فريدريش ميرتس واشنطن، في يوليو، من التدخل في الانتخابات الألمانية، بعد إعلان الخارجية الأمريكية برنامج منح يصل إلى ثلاثة ملايين دولار لدعم مشروعات أوروبية تتناول قضايا مثل «السيادة الوطنية» والهجرة و«الرقابة»، مؤكدًا أن تمويل النشاط السياسي من الخارج غير مسموح به في بلاده.

ولهذا اتهمت النائبة عن الديمقراطيين الأحرار ليزا سمارت واشنطن باستخدام «أموال ماغا» للتدخل في الديمقراطية البريطانية، بينما قال مسؤول أمريكي سابق لصحيفة الغارديان إن الاتجاه الجديد يبدو كأنه يسعى إلى إنتاج روايات بريطانية المنشأ تدعم خطاب «ماغا».

في المقابل، تقول السفارة إن هدف البرنامج هو تعزيز العلاقات الأمريكية البريطانية والمبادئ الدستورية وسيادة القانون، فيما يستبعد إعلان التمويل النشاط الحزبي المباشر والضغط السياسي.

إسرائيل تكشف أن المسألة ليست «ثقافية» فقط

ربما يصبح هذا السؤال أوضح عندما ننتقل إلى إسرائيل.

فالبرنامج السنوي الآخر لقسم الدبلوماسية العامة في السفارة الأمريكية يستخدم لغة أكثر مباشرة بكثير. أحد مجالاته يحمل عنوانًا يمكن ترجمته إلى «تأمين دعم المملكة المتحدة للسياسة الأمريكية وتعزيز قدراتها الدفاعية».

وتحدد الوثيقة مجموعة من أولويات السياسة الخارجية التي يمكن أن تدعمها البرامج الممولة، تشمل مواجهة المنافسة مع الصين، وزيادة تحمّل أوروبا مسؤولية التعامل مع الحرب في أوكرانيا، والحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة، ودعم جهود بناء السلام، وكذلك «ضمان دعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها».

والنتيجة المستهدفة لا تتوقف عند زيادة فهم السياسة الأمريكية، بل تشمل أيضًا زيادة الدعم البريطاني لوجهات نظر السياسة الخارجية الأمريكية.

والفرق هنا دقيق لكنه مهم.

الدبلوماسية العامة التقليدية تريد من الجمهور الأجنبي أن يفهم لماذا تتخذ واشنطن موقفًا ما. أما الرغبة المعلنة في زيادة تأييد هذا الجمهور لذلك الموقف، فتنقل النشاط خطوة أخرى من الشرح إلى الإقناع.

وهذا يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل؛ فالموقف البريطاني من إسرائيل والفلسطينيين ليس قضية خارجية بعيدة عن السياسة الداخلية. إنه ملف يتحرك داخله البرلمان والأحزاب والدوائر الانتخابية والجامعات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والاحتجاجات العامة.

وبالتالي، عندما تعرض حكومة أجنبية تمويل برامج تعليمية وتوعوية تستهدف بعض هذه الدوائر، ويكون أحد أهدافها زيادة الدعم لموقفها تجاه إسرائيل، يصبح الفصل بين «السياسة الخارجية» و«النقاش السياسي البريطاني الداخلي» أقل وضوحًا.

ليست منحة منفردة

يصعب أيضًا النظر إلى البرنامج باعتباره حالة معزولة.

ففي يوليو كشفت الغارديان عن خطط لوزارة الخارجية الأمريكية لتخصيص 12 مليون دولار لمنظمتين بريطانيتين أسسهما أو يرتبط بهما سياسيون يمينيون بارزون: سبعة ملايين دولار لمركز «878» الذي شارك جاكوب ريس موغ في تأسيسه، وخمسة ملايين دولار لـFree Speech Union International المرتبطة بتوبي يونغ.

ووصفت الوثائق المنحتين بأنهما من نوع «sole source»، أي إنهما مخصصتان للجهتين من دون منافسة مفتوحة. كما تضمنت الخطط ثلاثة ملايين دولار إضافية لمؤسسة Jobs Foundation التي يرأسها ماثيو إليوت، الرئيس السابق لحملة Vote Leave المؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو الخيار الذي أيده ترامب علنًا.

وعند جمع هذه المسارات، تظهر صورة أوسع من برنامج ثقافي واحد.

إدارة ترامب تستخدم أدوات الدولة الأمريكية التقليدية المدعومة من دافع الضرائب الأمريكي — المنح، والدبلوماسية العامة، ومراكز الفكر، والمجتمع المدني — لنشر مجموعة من الأفكار والأولويات التي أصبحت مرتبطة برؤيتها السياسية. نحن هنا أمام تمويل سياسي لرؤية أيديولوجية للإدارة الأمريكية، وليس مجرد دعم عابر للقيم الديمقراطية بشكلها العام.

النفوذ لا يحتاج إلى صندوق اقتراع

وهنا تكمن المشكلة في الطريقة التي نفكر بها عادة في «التدخل الأجنبي».

الصورة التقليدية درامية: أموال سرية تدخل حزبًا سياسيًا، أو حسابات وهمية تتدخل في انتخابات، أو أجهزة استخبارات تجند سياسيين. لكن التأثير السياسي يمكن أن يعمل بطريقة أهدأ كثيرًا.

يمكن تمويل مؤتمر، أو مركز أبحاث، أو برنامج جامعي، أو حملة توعية. ويمكن اختيار قضية معينة وإغراق المجال العام بها، أو منح شرعية أكبر لمفاهيم بعينها، أو بناء شبكة من المؤسسات والخبراء والصحفيين تتحدث عنها.

في دراسات السياسة، هذا قريب من مفهوم «وضع الأجندة»: النفوذ لا يعني بالضرورة إجبار شخص على تبني رأيك، بل قد يبدأ من امتلاك القدرة على تحديد القضايا التي يناقشها الناس، والمفاهيم التي يستخدمونها في هذا النقاش.

بريطانيا وضعت المعيار.. وواشنطن تختبره

هذه المنطقة الرمادية هي بالضبط ما بدأت بريطانيا نفسها بمحاولة تنظيمه.

فمراجعة «رايكروفت» (Rycroft Review)، التي تناولت الأموال الأجنبية والتدخل في السياسة البريطانية، لم تحصر الخطر في التبرعات المباشرة للأحزاب.

بل أشارت إلى أن النشاط السياسي لم يعد مقصورًا على الفترات الانتخابية، وأن جماعات لا تنتمي إلى الأحزاب تمارس طوال العام نشاطًا يهدف إلى التأثير في سياسات الحكومة والأحزاب ودفع قضايا بعينها إلى صدارة الأجندة. كما خصصت المراجعة مساحة لمراكز الفكر واللوبيات وغيرها من «قنوات التأثير» التي يمكن أن تدخل عبرها الأموال الأجنبية إلى النظام السياسي الأوسع.

والأهم أن رايكروفت لم يعتبر كل نفوذ أجنبي خطرًا في ذاته. فقد أكد أن انتقال الأفكار عبر الحدود جزء طبيعي من الديمقراطية، وأن الحكومات تسعى بطبيعتها إلى التأثير في دول أخرى. المشكلة تبدأ حين تغيب الشفافية أو تصبح القواعد غير قادرة على التمييز بين تبادل الأفكار ومحاولات تشكيل العملية السياسية من الخارج.

ماذا لو كان المتدخل حليفًا؟

معهد الخدمات الملكية المتحدة (RUSI) كان قد حذر منذ فبراير من «تهديد نفوذ أمريكي ناشئ للديمقراطية البريطانية»، لكنه طرح القضية بحذر مهم: التمويل الأمريكي لمؤسسات بريطانية ليس جديدًا في ذاته، كما أن العلاقة السياسية والفكرية بين البلدين قديمة وعميقة.

الخطر، بحسب التحليل، يظهر عندما تتقاطع أموال الدولة الأمريكية مع مصالح أيديولوجية داخل السياسة البريطانية، بينما تظل قواعد الشفافية والتنظيم غير واضحة.

وهذا ربما يكون أكثر الأوصاف انضباطًا لما يحدث.فالخلاف الحقيقي إذن ليس حول وجود التأثير، بل حول متى يصبح حجم هذا التأثير وطبيعته السياسية مشكلة ديمقراطية.

إسرائيل هي الاختبار الأصعب

ولهذا ليست إسرائيل تفصيلًا جانبيًا في القصة.

على العكس، ربما تكون هي أكثر جزء يكشف حدود اللغة المريحة عن «العلاقة الخاصة» و«القيم المشتركة».

يمكن لواشنطن أن تقول إنها تدافع عن رؤيتها للعالم، وهذا حق تمارسه كل دولة. ويمكن لبريطانيا أن تقبل بأن حليفها يريد شرح سياساته لجمهورها.

وإسرائيل، وسط كل ذلك، هي النقطة التي تسقط عندها الزخارف اللغوية أسرع من غيرها. فحين يصبح أحد أهداف برنامج «تعليمي وتوعوي» هو زيادة الدعم البريطاني لموقف سياسي أمريكي محدد منها، لا يعود الحديث عن سعي واشنطن إلى التأثير في الرأي البريطاني استنتاجًا؛ فالوثائق نفسها تقول صراحة إنها تريد زيادة الدعم لسياستها.

محاولة تأثير أم دعم قيم مشتركة؟

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام بريطانيا ليس منع الولايات المتحدة من ممارسة الدبلوماسية العامة أو دعم التقارب بين البلدين؛ فذلك جزء طبيعي من علاقة سياسية وثقافية ممتدة بينهما. التحدي هو ضمان ألا تتجاوز برامج التمويل مساحة المبادئ العامة والقيم المشتركة والتعريف بالسياسات، لتتحول إلى أدوات لتشكيل البيئة الفكرية البريطانية في اتجاه أيديولوجي تفضله الإدارة الحالية في واشنطن.

فالفرق ليس بسيطًا بين تمويل برنامج يناقش حرية التعبير أو سيادة القانون بوصفهما قيمتين عامتين، وبين تمويل شبكات ومؤسسات وبرامج تدفع تعريفًا سياسيًا محددًا لهذه المفاهيم يتقاطع مع أجندة «ماغا»، أو تسعى صراحة إلى زيادة التأييد البريطاني لموقف أمريكي محل خلاف، كما تكشف حالة إسرائيل.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية القصة. فالنفوذ الخارجي لا يصبح تدخلًا فقط عندما يصل إلى صندوق الاقتراع أو خزائن الأحزاب؛ قد يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تسعى دولة أجنبية إلى تشكيل اللغة والأفكار والأولويات التي يدور حولها النقاش السياسي. وإذا انتقلت المنح الأمريكية من تعزيز «القيم المشتركة» إلى بناء بيئة فكرية أكثر توافقًا مع التفضيلات الأيديولوجية لإدارة واشنطن الحالية، فإن بريطانيا لا تعود أمام مجرد ممارسة مألوفة للقوة الناعمة، بل أمام منطقة أكثر حساسية: محاولة التأثير في الاتجاه الذي تتحرك نحوه سياستها من الداخل.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
بين التضييق على حرية التعبير الديني، والترحيل السري لزعيم عصابة دولية، والتحقيقات التي تهز إحدى أكبر الجمعيات الخيرية.. إلى جانب الوعود الحكومية بكبح الأسعار وتخفيف أزمة المعيشة.. أيٌّ من هذه الملفات الساخنة ترون أنها الأكثر تأثيرًا واهتمامًا بالشارع البريطاني اليوم؟…
𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
R to @AlARABINUK: اقرأوا التفاصيل والتطورات الكاملة عبر موقعنا: https://alarabinuk.com/?p=240152
𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
اعتقلت شرطة اسكتلندا شخصين بعد اقتحام منشأة تابعة لشركة Ultra Intelligence & Communications (Ultra I&C) في منطقة ويستهيل قرب مدينة أبردين، حيث استمر الاحتجاج لأكثر من سبع ساعات، قبل أن تنهي الشرطة العملية وتلقي القبض على الناشطين. وأعلنت مجموعة "أشخاص…
𝕏 @alarabinuk · 10 أغسطس 2026
أطول شراكة رعاية في "البريميرليغ" أعلن نادي أرسنال الإنجليزي وطيران الإمارات رسميًا تمديد شراكة الرعاية بينهما لتصل إلى 27 عامًا متواصلة، لتكون واحدة من أطول وأبرز رعايات القمصان والملاعب في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز. تقارير إعلامية تشير إلى أن قيمة…
عرض المزيد على X ←