تحليل: من ميشيغان إلى واشنطن.. ماذا رأت الصحافة البريطانية في فوز عبد الرحمن السيد؟
لم يكن فوز عبد الرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان مجرد مفاجأة انتخابية أخرى في موسم الانتخابات النصفية الأمريكية. فالرجل الذي بدأ السباق في مواجهة مؤسسة حزبية اختارت منافسته، وأموال خارجية تدفقت بعشرات الملايين من الدولارات لإيقافه، خرج منه مرشحًا ديمقراطيًا في واحدة من أهم الولايات المتأرجحة في الولايات المتحدة.
ولهذا تجاوز الاهتمام بالنتيجة حدود الصحافة الأمريكية. ففي بريطانيا، قرأت صحف من اتجاهات سياسية مختلفة فوز الطبيب الأمريكي من أصول مصرية باعتباره اختبارًا لشيء أكبر: من يملك الحزب الديمقراطي؟ وهل يستطيع اليسار التقدمي أن يخرج من معاقله التقليدية إلى الولايات التي تحسم الانتخابات الأمريكية؟ وهل بدأت المواقف من إسرائيل وفلسطين، التي كانت قبل سنوات كفيلة بإنهاء حياة مرشح سياسي، تتحول إلى عنصر يمكن أن يساعده على الفوز؟
الإجابات البريطانية لم تكن واحدة، وربما كان اختلافها أهم من النتيجة نفسها.
«حرب أهلية» أم تمرد على المؤسسة؟
اختارت صحيفة التايمز (The Times) أكثر القراءات درامية، فعنونت تغطيتها بالسؤال عن الكيفية التي قد يؤدي بها انتصار «شعبوي يساري» إلى إشعال «حرب أهلية ديمقراطية» داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي. ورأت أن السيد، الذي يدعو إلى إنهاء الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل وفرض ضرائب أكبر على الأثرياء وتوسيع الرعاية الصحية، يمثل اختبارًا لقدرة الجناح التقدمي على فرض نفسه داخل الحزب. وإذا فاز في نوفمبر، فقد يصبح أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ الأمريكي.
أما مجلة سبيكتاتور (The Spectator) المحافظة، فقد ذهبت أبعد حتى قبل ظهور النتيجة، واعتبرت أن فوز “السيد” يمكن أن يمثل لحظة مفصلية تؤكد أن «اليسار الراديكالي» أصبح قوة صاعدة داخل الديمقراطيين، مقارِنة ما يجري بما فعله دونالد ترمب بالحزب الجمهوري عندما جاء من خارجه تقريبًا ثم أعاد تشكيله من الداخل.
لكن فايننشال تايمز (Financial Times) التقطت زاوية أقل أيديولوجية وربما أكثر دلالة: “السيد” هزم مرشحة المؤسسة، النائبة هايلي ستيفنز، رغم أن إنفاقها وإنفاق الجهات الداعمة لها تجاوز ما أُنفق لمصلحته بنحو أربعة أضعاف. كانت ستيفنز تحظى بدعم شخصيات بارزة في قيادة الحزب، بينما حظي السيد بدعم بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وخاض حملته حول الرعاية الصحية والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة وانتقاد الدعم الأمريكي لإسرائيل.
هنا تتغير دلالة النتيجة. فالسؤال ليس فقط هل تحرك الديمقراطيون يسارًا، وإنما ما إذا كانت المؤسسة الحزبية والمال السياسي لا يزالان قادرين وحدهما على تحديد المرشح الذي يُسمح له بالوصول إلى الانتخابات العامة.
والسيد نفسه اختصر هذه الفكرة بعد فوزه بقوله إن حملته واجهت «آلة» انتخابية وأموالًا غير مسبوقة، قبل أن يضيف: «قوة كثرتنا أكبر من قوة أموالهم».
المشكلة بالنسبة للمؤسسة: هذه ليست نيويورك
شهدت السنوات الأخيرة انتصارات متتالية لمرشحين تقدميين في نيويورك ومدن ودوائر ديمقراطية آمنة، وكان من السهل دائمًا على جناح الوسط في الحزب أن يرد بأن الفوز في بروكلين أو مانهاتن لا يقدم نموذجًا يمكن نقله إلى بقية الولايات المتحدة.
ميشيغان تجعل هذه الحجة أكثر صعوبة.
فالولاية ليست مدينة زرقاء مغلقة على الديمقراطيين. فاز بها ترمب في 2016، واستعادها في 2024، بينما فاز بها جو بايدن في 2020. وهي الآن ساحة رئيسية في معركة السيطرة على مجلس الشيوخ، حيث سيواجه عبد الرحمن السيد الجمهوري مايك روجرز في نوفمبر.
ولهذا رأت الغارديان (The Guardian) أن أهمية النتيجة تكمن في أن اليسار استطاع، للمرة الأولى بهذه الصورة، بناء تحالف يفوز في انتخابات تمهيدية على مستوى ولاية متأرجحة كاملة، لا داخل دائرة حضرية تقدمية فقط.
لكن الصحيفة وضعت التحفظ الضروري أيضًا: الفوز بالترشيح شيء، وهزيمة الجمهوريين في نوفمبر شيء آخر تمامًا. فالسيد فاز بفارق ضئيل، بحصوله على 48.5 في المئة مقابل 47.5 في المئة لستيفنز، ولا تزال قطاعات واسعة من الناخبين الديمقراطيين معتدلة أو تصوت وفقًا للمرشح والظروف المحلية أكثر مما تصوت وفق انقسام أيديولوجي واضح.
ولهذا فإن ميشيغان لا تثبت بعد أن اليسار وجد وصفة للفوز بأمريكا، لكنها تثبت شيئًا أكثر تواضعًا وأهمية: أنه لم يعد ممكنًا القول إن موجة “زوهران ممداني” التي بدأت حول انتخابات عمودية نيويورك لا يمكن لها مغادرة نيويورك والمدن الجامعية.
فلسطين لم تعد قضية خارجية

لكن التحول الأكثر إثارة للاهتمام يتعلق بفلسطين.
لم يحاول السيد إخفاء موقفه من الحرب على غزة، بل وصفها صراحة بـ«الإبادة الجماعية»، وطالب بوقف الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل. والأهم أنه لم يقدم فلسطين باعتبارها قضية أخلاقية منفصلة عن حياة الناخب الأمريكي، بل ربطها مباشرة بالاقتصاد والرعاية الصحية والبنية الأساسية.
وفي مقابلة مع الغارديان، شرح منطقه بمقارنة بسيطة: عندما يطالب السياسي بإنفاق المال على أطفال يحتاجون إلى نظارات، يُسأل فورًا من أين سيأتي بالتمويل، بينما «لا أحد يسأل الجنرال كيف سيدفع ثمن الحرب التالية».
هذه النقطة ربما تكون أهم من مجرد وجود كتلة عربية ومسلمة كبيرة في ميشيغان.
فالبكائية التي تقول إن الحراك العالمي من أجل فلسطين لم يغير شيئًا لأنها لم توقف الحرب تتجاهل الطريقة التي تتغير بها السياسة أصلًا. الحركات الكبرى لا تنتقل من الاحتجاج إلى السلطة بضغطة زر؛ إنها تغير اللغة أولًا، ثم الرأي العام، ثم الكلفة السياسية للمواقف، قبل أن يظهر أثرها داخل صناديق الاقتراع.
وفي الحالة الأمريكية، توجد إشارات واضحة إلى أن هذه العملية بدأت بالفعل.
فبحسب استطلاع نقلته الغارديان في يوليو/تموز، قال نحو نصف الديمقراطيين إنهم يرون ما فعلته إسرائيل في غزة إبادة جماعية، فيما قال قرابة 60 في المئة من الديمقراطيين إن الولايات المتحدة تقدم دعمًا زائدًا لإسرائيل، مقارنة بـ45 في المئة في يناير/كانون الثاني 2024.
والأكثر دلالة ربما جاء من خصوم السيد أنفسهم.
فقد لاحظ موقع أنهيرد (UnHerd) البريطاني أن الإعلانات التي مولتها شبكة أيباك لدعم ستيفنز ومهاجمة السيد لم تكن تتحدث عن إسرائيل أصلًا، رغم أن الخلاف حول إسرائيل كان أحد الأسباب المركزية لدخول أيباك السباق. وبدلًا من ذلك، ركزت الإعلانات على قضايا أخرى يمكن استخدامها ضده.
وهذه مفارقة سياسية لافتة: أن تنفق جماعة مؤيدة لإسرائيل ملايين الدولارات لهزيمة مرشح بسبب موقفه من إسرائيل، لكنها تتجنب أن تقول للناخبين إن هذا هو سبب المعركة.
من عبء انتخابي إلى خطاب قادر على الفوز

هذا لا يعني أن أيباك فقدت نفوذها، أو أن الحزب الديمقراطي أصبح حزبًا مناهضًا لإسرائيل، أو أن كل مرشح يرفع شعار فلسطين سيفوز.
لكن شيئًا تغير.
لم يعد وصف ما يجري في غزة بالإبادة انتحارًا انتخابيًا تلقائيًا داخل الحزب الديمقراطي. ولم يعد رفض الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل موقفًا محصورًا في دوائر العرب والمسلمين. ومن نيويورك إلى ميشيغان، ظهرت تحالفات تضم شبابًا وتقدميين ونقابات وحركات اجتماعية ومنظمات يهودية ليبرالية ترى أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين لا يتعارض مع موقعها داخل السياسة الأمريكية.
وبعد فوز السيد، قالت حركة IfNotNow اليهودية إن انتصاره يمثل فوزًا لمن يؤيدون «المساواة والعدالة»، محذرة من الخلط بين أمن اليهود وبين دعم أيباك أو السياسات العسكرية الإسرائيلية. وفي المقابل، رفضت لجنة «الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل» اعتبار النتيجة تفويضًا لمواقف السيد، مشيرة بحق إلى أن انتصاره جاء بفارق ضئيل.
وهذه النقطة الأخيرة مهمة. فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم، ولا ينبغي استبدال وهم اليأس بوهم انتصار كامل لم يحدث.
لكن الاتجاه يستحق الملاحظة: فلسطين تتحول تدريجيًا من قضية هوية تخص جماعة بعينها إلى جزء من نقاش أمريكي أوسع عن المال السياسي، والحروب الخارجية، والإنفاق العام، والعدالة، ومن يحدد أولويات الدولة.
ماذا يريد الناخبون فعلًا؟
وهنا تقدم الغارديان قراءة أخرى ربما تكون أكثر تعقيدًا من سردية «اليسار ضد الوسط».
فالصحيفة تجولت قبل الانتخابات في مناطق مختلفة من ميشيغان ووجدت أن كثيرًا من الناخبين لا يتحدثون بلغة الصراع الأيديولوجي الذي يشغل واشنطن. كانوا يتحدثون عن الإيجارات وأسعار الطعام والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي وغزة، وعن شعور أوسع بأن المؤسسة السياسية لا تفعل شيئًا حيال أي منها.
ومن هذه الزاوية، كتب روبرت رايش في الغارديان أن تفسير فوز السيد باعتباره مجرد «استيلاء لليسار» على الحزب قد يكون مضللًا. فبرأيه، اختاره الناخبون لأنه قدم نفسه باعتباره مقاتلًا ضد مصالح الشركات والأموال الكبرى، في وقت تتزايد فيه أزمة القدرة على تحمل تكاليف الحياة والغضب من المؤسسة السياسية.
ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي تركته ميشيغان مفتوحًا: هل ينتصر المرشحون التقدميون لأن الناخبين أصبحوا أكثر يسارية، أم لأنهم نجحوا في إعطاء الغضب من النظام الاقتصادي والسياسي لغة أكثر إقناعًا؟
نوفمبر سيحسم معنى أغسطس
لا يزال من المبكر إعلان ولادة حزب ديمقراطي جديد.
الجمهوريون فهموا فورًا نقطة ضعف السيد المحتملة. ترمب وصفه بعد فوزه بـ«الشيوعي»، بينما بدأ مايك روجرز تقديم الانتخابات باعتبارها مواجهة بين «العقلانية» والتطرف الأيديولوجي. وسيحاول الجمهوريون خلال الأشهر المقبلة تحويل كل ما ساعد السيد في الانتخابات التمهيدية إلى عبء عليه أمام المستقلين والمحافظين والناخبين المترددين.
ولهذا فإن نوفمبر أهم من أغسطس.
إذا خسر السيد في الانتخابات العامة، فستجد المؤسسة الديمقراطية حجة جاهزة: ربما يستطيع التقدميون هزيمة مرشحينا، لكنهم لا يستطيعون هزيمة الجمهوريين في الولايات المتأرجحة.
أما إذا فاز، فسيسقط جزء مهم من الحجة التي استخدمتها قيادة الحزب طوال سنوات لتبرير اختيار المرشح الأكثر “وسطية” **-**أي المرشح الأقل ميلًا إلى تغييرات جذرية، والأقرب إلى الخط التقليدي لمؤسسة الحزب، بما في ذلك تجاه إسرائيل- باعتباره بالضرورة «الأكثر قابلية للانتخاب».
عندها لن يكون السؤال ماذا فعل عبد الرحمن السيد في ميشيغان فقط، بل ماذا تغير داخل الحزب الذي يريد العودة إلى حكم أمريكا.
فالعالم السياسي الذي كان فيه انتقاد إسرائيل مخاطرة، وأموال جماعات الضغط ضمانة شبه مؤكدة، واليسار محصورًا في دوائر آمنة، لم يختفِ تمامًا.
لكنه، بعد ميشيغان، لم يعد العالم نفسه.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇