الجفاف يضرب بريطانيا.. خسائر زراعية وأزمة مياه تقترب من مرحلة حرجة
تواجه بريطانيا واحدة من أشد فترات الجفاف في السنوات الأخيرة، مع انتقال مناطق واسعة من إنجلترا وويلز إلى حالة جفاف رسمية، وسط تراجع حاد في معدلات هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة واستمرار الطلب المرتفع على المياه.
وتتجاوز تداعيات الأزمة إمدادات المياه المنزلية، لتطال القطاع الزراعي بشكل مباشر، مع تراجع إنتاج المحاصيل، وارتفاع مخاطر حرائق الحقول، ونقص الأعلاف، وتزايد القيود على سحب المياه لأغراض الري.
وحذرت وكالة البيئة من أن الظروف الحالية تشكل وضعًا «خطيرًا بشكل استثنائي»، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الطقس الجاف إلى تفاقم أزمة المياه خلال الأشهر المقبلة.
يوليو الأكثر جفافًا منذ بدء تسجيل البيانات

تلقت إنجلترا خلال يوليو 2026 نحو 7% فقط من متوسط هطول الأمطار على المدى الطويل، ما جعل الشهر في طريقه ليكون الأكثر جفافًا منذ بدء تسجيل البيانات عام 1836.
وشهدت مناطق واسعة من وسط وشرق وجنوب شرق إنجلترا أقل من 1 ملم من الأمطار خلال أسبوع واحد، بينما لم تتجاوز كميات الأمطار المسجلة خلال الشهر 5% من متوسطها المعتاد في أجزاء من الجنوب والشرق والوسط.
وأدى استمرار درجات الحرارة المرتفعة إلى تسارع استنزاف موارد المياه، مع انخفاض تدفقات الأنهار وتراجع مستويات المياه الجوفية ومخزونات الخزانات.
وبلغت نسبة المياه المخزنة في الخزانات على مستوى إنجلترا 72% بنهاية الأسبوع المنتهي في 28 يوليو، أي أقل بنحو 9.5% من متوسط المدى الطويل لهذا الوقت من العام.
وصُنّفت عدة خزانات على أنها منخفضة بشكل استثنائي، بينها Blagdon وWimbleball وHanningfield.
قيود على المياه تطال ملايين السكان
دفعت أزمة الجفاف شركات المياه إلى تشديد إجراءاتها، مع فرض حظر مؤقت على استخدام المياه، بما في ذلك خراطيم الحدائق.
ويخضع نحو 40% من سكان إنجلترا لحظر استخدام خراطيم المياه، فيما فُرضت قيود في مناطق واسعة تابعة لشركات مياه مثل Thames Water وSouth East Water وAnglian Water وCambridge Water وSouthern Water.
ويمنع الحظر استخدام الخراطيم لري الحدائق أو غسل السيارات أو تنظيف النوافذ أو ملء أحواض السباحة.
وقد يؤدي خرق الحظر إلى غرامة تصل إلى 1,000 باوند.
وتصاعدت مستويات الاستجابة لدى عدد من شركات المياه إلى المستوى الثاني من الجفاف، بينما تدرس شركات أخرى الحصول على تصاريح أو أوامر خاصة بالجفاف واتخاذ إجراءات إضافية لتقليل الطلب.
وحذرت South East Water من أن الإمدادات في منطقتها أصبحت «منخفضة بشكل حرج»، وأن استمرار ارتفاع الطلب قد يؤدي إلى فقدان بعض العملاء لإمدادات المياه.
المزارعون يواجهون موسمًا صعبًا

يُعد القطاع الزراعي من أكثر القطاعات تضررًا من الجفاف، إذ بدأ بعض المزارعين حصاد محاصيلهم مبكرًا نتيجة الحرارة والجفاف.
وتشير التوقعات إلى انخفاض إنتاج بعض المحاصيل، خصوصًا الحبوب، بينما ارتفعت مخاطر اندلاع الحرائق في الحقول خلال عمليات الحصاد بسبب جفاف النباتات.
وفي وارويكشاير، قال المزارع ريتشارد بار، الذي يعمل في الزراعة منذ 30 عامًا، إن محصول البطاطا لديه قد ينخفض إلى أقل من نصف مستواه المعتاد.
وقال بار إن الحرارة المستمرة «تقتل البطاطا»، مضيفًا أن محاصيله الرئيسية «في وضع كارثي» وأنها ذبلت بشكل كبير.
وأضاف أن المشهد الزراعي أصبح مختلفًا تمامًا، قائلًا: «أراضينا الخضراء والجميلة أصبحت قاحلة في الوقت الحالي.»
ولا تقتصر المخاوف على البطاطا، إذ انتهى موسم قطاع السلطات في بريطانيا في وقت أبكر من المعتاد، وأصبح يعتمد بدرجة أكبر على الواردات.
كما بدأ مزارعو الثروة الحيوانية في استخدام مخزونات الأعلاف المخصصة لفصل الشتاء في وقت أبكر من المعتاد، ما يثير مخاوف من نقص الأعلاف خلال الأشهر المقبلة.
وقد يؤدي الحصاد المبكر للحبوب أيضًا إلى نقص في القش، خصوصًا أن المحاصيل أصبحت أقصر من المعتاد.
تراجع إنتاج الحليب بسبب الحرارة
تأثرت تربية الماشية أيضًا بالطقس شديد الحرارة.
وفي مزرعة تشارلز غودبي في وارويكشاير، تراجع إنتاج الحليب بنحو 20%، بعدما واجهت الأبقار صعوبة في التعامل مع الحرارة المستمرة.
وقال غودبي إن الأبقار، مثل البشر، تقل رغبتها في الأكل والعمل عندما ترتفع درجات الحرارة، ما يؤدي إلى انخفاض إنتاجها.
كما حذر من تأثيرات طويلة الأمد على خصوبة الأبقار، موضحًا أن الإجهاد الحراري قد يؤثر في قدرتها على الحمل خلال الأشهر المقبلة.
أزمة المياه لا تقتصر على الجفاف

ورغم أن بريطانيا معروفة تاريخيًا بطقسها الماطر، فإن تغير المناخ يجعل فصول الصيف أكثر حرارة وجفافًا، فيما أصبحت معدلات هطول الأمطار أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ.
ويأتي ذلك بعد شتاء شهد أمطارًا غزيرة ساعدت في إعادة تغذية بعض مصادر المياه، لكن ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف أدى إلى استهلاك المياه بوتيرة أسرع من قدرة الطبيعة على تعويضها.
كما تعاني بريطانيا من مشكلة مزمنة في البنية التحتية للمياه.
فلم يُبنَ أي خزان مياه جديد في البلاد منذ عام 1992، بينما تهدر شركات المياه نحو 2.87 مليار لتر يوميًا بسبب تسربات الأنابيب في إنجلترا وويلز، وفق أبحاث حديثة.
وتعادل هذه الكمية نحو 1,150 مسبحًا أولمبيًا يوميًا، وتشكل قرابة خُمس المياه التي تضخ عبر الشبكة.
الطلب على المياه يتزايد
تقدر وكالة البيئة أن إمدادات المياه العامة في إنجلترا قد تواجه نقصًا يصل إلى 5 مليارات لتر يوميًا بحلول عام 2055 إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة.
ويزداد الطلب مع نمو السكان، إلى جانب احتياجات جديدة من قطاعات مثل مراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة.
وفي الوقت نفسه، تتراجع الموارد المتاحة نتيجة تغير المناخ، فيما يزداد الطلب على المياه خلال فصول الصيف الأكثر حرارة وجفافًا.
ويبلغ متوسط استهلاك الفرد في إنجلترا وويلز نحو 139 لترًا من المياه يوميًا، مقارنة بنحو 120 لترًا في ألمانيا و310 لترات في الولايات المتحدة.
هل يمكن أن تنفد المياه من الصنابير؟

لا تزال السلطات لا تتوقع نفاد مياه الشرب بسبب الجفاف الحالي، لكن المخاطر طويلة الأمد تثير مخاوف متزايدة.
وشهدت مناطق مثل ساسكس وكامبريدجشير وسافولك ونورفولك بالفعل تأخيرًا في بعض مشروعات الإسكان وتطوير الأعمال بسبب محدودية إمدادات المياه وتقادم البنية التحتية أو عدم كفايتها.
وفي أعقاب جفاف عام 2025، حذر أعضاء البرلمان من أن صنابير إنجلترا قد تجف إذا لم تُتخذ إجراءات لتقليل استهلاك المياه وزيادة الإمدادات.
وتعيد هذه المخاوف إلى الأذهان جفاف عام 1976، عندما اضطرت شركات مياه إلى قطع الإمدادات، ولجأ السكان إلى أنابيب المياه العامة في الشوارع للحصول على احتياجاتهم.
وقالت الدكتورة آنا مورغاترويد، المحاضرة في علم المياه بجامعة نيوكاسل، إن الظروف الحالية تعادل، وربما تتجاوز في بعض جوانبها، ظروف عام 1976، ما يعني احتمال مواجهة حالات نقص مماثلة.
لكنها أشارت إلى صعوبة تحديد مدى احتمال حدوث ذلك في الوقت الحالي، بسبب عدم اليقين بشأن الطقس، مضيفة أن أنظمة شركات المياه أصبحت أكثر كفاءة مما كانت عليه قبل 50 عامًا.
الجفاف يهدد البيئة أيضًا
وتتزايد الآثار البيئية للجفاف مع انخفاض تدفقات الأنهار ومستويات المياه.
وسجلت وكالة البيئة 95 حادثة مؤكدة مرتبطة بالجفاف والطقس الجاف منذ بداية عام 2026، بينها 18 حادثة لازدهار الطحالب و9 حوادث نفوق أسماك.
كما تم تسجيل 67 حادثة مؤكدة مرتبطة بسحب المياه أو انخفاض التدفقات.
وأدى انخفاض مستويات المياه في بعض الأنهار إلى تدهور جودة المياه، بينما تتواصل عمليات إنقاذ الأسماك في عدد من المناطق.
كما ظهرت قيود محلية على الملاحة في بعض القنوات، مع تحذيرات من احتمال فرض عمليات إغلاق إضافية إذا استمر الطقس الجاف.
تغير المناخ يزيد الضغط

ترى عالمة المناخ في جامعة أكسفورد كلوي بريمبيكومب أن الظروف الحالية في بريطانيا مرتبطة بتغير المناخ.
وحذرت من أن تكرار الظواهر الجوية المتطرفة، بما فيها موجات الحر والحرائق والجفاف، قد يؤدي لاحقًا إلى مخاطر أخرى مثل الفيضانات المفاجئة.
وشهدت بريطانيا ثلاث حالات جفاف خلال السنوات الخمس الماضية، ما يعزز المخاوف من أن الظروف التي كانت تُعد استثنائية في السابق قد تصبح أكثر تكرارًا.
وفي الوقت نفسه، تشير التوقعات إلى احتمال عودة طقس أكثر برودة واضطرابًا خلال الفترة المقبلة، مع فرص لهطول الأمطار، لكن كميات الأمطار المتوقعة قد لا تكون كافية لتعويض النقص المتراكم في موارد المياه.
الحاجة إلى تحرك طويل الأمد
تعمل شركات المياه على زيادة الاستثمار في إصلاح التسربات، فيما توجد عدة مشروعات لبناء خزانات جديدة في مراحل التخطيط.
وتتوقع وكالة البيئة أن يأتي نحو 60% من معالجة العجز المتوقع في المياه بحلول 2050 من خلال إدارة الطلب وتقليل التسربات، بينما يعتمد الـ40% المتبقية على زيادة الإمدادات عبر مشروعات مثل الخزانات الجديدة ونقل المياه بين المناطق.
لكن استمرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب على المياه يجعل التحرك أكثر إلحاحًا.
وبينما يواجه المزارعون خسائر متزايدة في المحاصيل والثروة الحيوانية، وتتراجع مستويات الأنهار والخزانات، تبرز أزمة المياه كأحد أبرز التحديات التي تواجه بريطانيا في ظل تغير المناخ.
ولا تكمن المخاوف فقط في الجفاف الحالي، بل في احتمال أن تصبح مثل هذه الظروف أكثر تكرارًا، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية للمياه بحاجة إلى استثمارات كبيرة لضمان قدرة البلاد على تأمين احتياجات السكان والزراعة والاقتصاد في السنوات المقبلة.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇