اسرقْ أيّامك من العُمر
ثمّة أناسٌ يعيشون أعمارًا طويلة، لكنهم لم يعيشوا يومًا واحدًا بحق. وثمّة آخرون يرحلون مبكرًا، غير أنّهم يتركون في الدنيا من الحياة ما يكفي ليُقال عنهم: لقد مرّوا من هنا. فالعمر ليس ذلك الرقم الذي يتزايد في شهادة الميلاد، وإنما هو ما امتلأت به الروح من معنى، وما اختزنته الذاكرة من دهشة، وما تعلّمه القلب من حبّ، وما وهبته اليد من أثر.
ولذلك، لا تنتظر أن يمنحك الزمن حياةً تستحقها؛ اسرقها منه.
اسرق أيامك من العمر قبل أن يسرقها منك الاعتياد. فالعادة لصٌّ بارع، لا يدخل بيتك ليأخذ أثاثه، يدخل قلبك ليأخذ دهشته. يجعل الصباح نسخةً عن الأمس، والمساء ظلًّا للغد، حتى تستيقظ يومًا فتكتشف أنك لم تكن تعيش، كنت تكرّر الحياة فقط.
كم من إنسانٍ أمضى سنواته وهو يؤجّل الفرح إلى حين؟ حين ينجح، حين يتزوّج، حين يملك بيتًا، حين يسافر، حين يطمئن، حتى جاءه “حين” الأخير، ولم يجد في جعبته إلا الأمنيات المؤجّلة. لقد كان يظنّ أن الحياة محطة وصول، بينما هي في حقيقتها طريقٌ لا يكافئ إلا الذين يمشون فيه بقلوبهم.
اسرق يومًا من رتابتك، واخرج بلا وجهة. اجلس تحت شجرة لا تعرف اسمها، وتأمّل كيف تعيش الأوراق دون أن تقلق من الخريف. انظر إلى الغيم، فهو لا يسأل الريح إلى أين تمضي به، ومع ذلك يصل دائمًا إلى مكانٍ يليق بالمطر. تعلّم من الأشياء البسيطة؛ فالحكمة كثيرًا ما تختبئ في التفاصيل التي نعبرها مسرعين.
اسرق ساعةً من انشغالك، واجلس مع نفسك. ليس كل من يجلس وحيدًا يكون وحيدًا، فبعض الناس لا يلتقون بأنفسهم إلا عندما يغيب الجميع. هناك، بعيدًا عن ضجيج العالم، ستسمع صوتك الحقيقي، ذلك الصوت الذي أخفته المجاملات، وأرهقته التوقعات، وأسكته الخوف طويلًا. اسأله: ماذا تريد؟ لا ما الذي يريده الناس منك، ما الذي تريده أنت من هذه الرحلة القصيرة؟
اسرق ضحكةً من وجعك. ليس لأن الحياة سهلة، ولكن لأن الحزن إذا احتلّ القلب كلّه، ضاق عن استقبال النور. القوة ليست أن تتجاهل الألم، القوّة أن تمنعه من أن يتحوّل إلى هويتك. فالإنسان طريقته في حمل الجراح.
اسرق لحظةً من هاتفك، وأعدها إلى عينيك. لقد أصبحنا نرى العالم عبر الشاشات أكثر مما نراه بأعيننا، ونحفظ صور الأماكن أكثر مما نحفظ شعورنا فيها. نصوّر الغروب، لكننا ننسى أن نتأمله. نوثّق اللقاءات، لكننا نغفل عن عيشها. كأننا نستبدل الحياة بأرشيفٍ عنها.
اسرق قلبك من الذين أقنعوك أن قيمتك فيما تملك، لا فيما تكون. فكم من غنيٍّ يعيش فقر الروح، وكم من فقيرٍ يملك من الطمأنينة ما تعجز البنوك عن ادخاره. الأشياء تُزيّن الحياة، لكنها لا تصنعها. والذي يشتري السعادة بالمال، يكتشف متأخرًا أن الفرح لا يُباع في الأسواق.
اسرق حلمًا من خوفك. فإن أكثر السجون قسوةً ليست تلك التي تُبنى بالحجارة، وإنّما التي تُبنى بالاحتمالات. كم من موهبةٍ ماتت لأن صاحبها خشي الفشل، وكم من قصةٍ لم تُكتب لأن الكاتب انتظر الكمال، وكم من حياةٍ تأخرت لأن صاحبها كان ينتظر الشجاعة، بينما الشجاعة لا تأتي قبل الخطوة، فهي تولد معها.
اسرق وقتًا لوالديك، قبل أن يصبح الوقت كله ندمًا. فالأيام التي نظنّها كثيرة، تتبخّر بسرعةٍ لا تليق بقلوبنا. سيأتي يومٌ تفتّش فيه عن صوتٍ اعتدت سماعه، فلا تجده إلا في الذكريات. عندها ستفهم أن أغلى ما تملكه لم يكن المال، ولا النجاح، ولا الشهرة، ولكن تلك اللحظات البسيطة التي لم تظنّ يومًا أنها ستصبح أمنيات.
واسرق من الدنيا معروفًا تتركه خلفك. ازرع كلمةً طيبة، امسح دمعة، خفّف عن قلبٍ أثقله الطريق، ساعد إنسانًا دون أن ينتظر منك مقابلًا. فالحياة لا تقاس بما أخذت منها، تُقاس بما تركته فيها. وبعض البشر يغادرون، لكن آثارهم تبقى تمشي بين الناس على هيئة دعواتٍ صادقة، وابتساماتٍ أعادوها إلى الوجوه.
إن الزمن لا يرحم المترددين. يمضي كما تمضي الأنهار، ولا يعود ليعتذر لمن ضيّع ضفافه. وكل يومٍ تعيشه بلا معنى هو صفحةٌ بيضاء لن تستطيع الكتابة عليها مرةً أخرى. لذلك لا تنتظر اللحظة المثالية، فربما كانت اللحظة التي بين يديك هي الأكمل، لكنك مشغول بالبحث عنها في مكانٍ آخر.
وحين تصل إلى آخر الطريق ستسألك روحك: كم مرةً شعرت أنك حي؟ كم مرةً أحببت دون خوف؟ كم مرةً غفرت؟ كم مرةً بدأت من جديد؟ كم حلمًا أنقذته من الموت؟ وكم إنسانًا صار العالم أخفّ على قلبه لأنك مررت فيه؟
اسرق أيامك من العمر، قبل أن يسرقها الانتظار، ولا تسمح للسنين أن تأكلك ببطء، وأنت تؤجل نفسك إلى موعدٍ لن يأتي. عش يومك بكل ما فيه من نقص، فالحياة لا تهب الكمال لأحد، لكنها تمنح المعنى لمن يعرف كيف يلتقطه.
فالذين يعرفون سرّ الحياة، لا يزيدون أعمارهم عددًا، ولكن يزيدون أيامهم حياة.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇


