سابقة قضائية في بريطانيا.. المحكمة تأمر بإعادة طالب لجوء رُحّل إلى فرنسا
أصدرت المحكمة العليا في بريطانيا حكماً يُلزم وزارة الداخلية بإعادة طالب لجوء يُشتبه في أنه ضحية اتجار بالبشر، بعدما رُحّل قسرًا إلى فرنسا ضمن آلية «واحد مقابل واحد»، في سابقة قضائية قد تفتح الباب أمام مراجعة عشرات الحالات المشابهة.
ويُعدّ القرار أول حكم من نوعه منذ بدء تطبيق الاتفاق البريطاني الفرنسي، إذ لا يقتصر أثره على إعادة شخص واحد، بل يطعن في جانب أساسي من السياسة التي اعتمدتها وزارة الداخلية لتسريع عمليات الترحيل.
المحكمة تلغي تعديلاً في سياسة وزارة الداخلية

وصدر الحكم عن القاضي مستر جاستس شيلدون، الذي قرر إلغاء تعديل أجرته وزارة الداخلية على سياسة التعامل مع قضايا الاتجار بالبشر، كان يمنع طالبي اللجوء من طلب إعادة النظر في القرارات الأولية التي ترفض اعتبارهم ضحايا للاتجار.
وقال القاضي إن هذا التعديل يُلغى بالكامل «وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا»، في إشارة إلى عدم قانونيته.
ما هي آلية «واحد مقابل واحد»؟
تعتمد الآلية على ترحيل بعض الأشخاص الذين يصلون إلى بريطانيا عبر قوارب صغيرة في بحر المانش إلى فرنسا، مقابل استقبال بريطانيا عددًا مماثلًا من طالبي اللجوء الموجودين في شمال فرنسا عبر مسارات قانونية.
وتراهن الحكومة البريطانية على هذه السياسة للحد من عبور القوارب الصغيرة، رغم استمرار وصول المهاجرين عبر القوارب، حيث وصل أكثر من ألف شخص خلال الأسبوع الماضي، بينما لقي أربعة أشخاص مصرعهم أثناء محاولة العبور يوم الخميس.
ولكن رأت المحكمة أن وزارة الداخلية تصرفت بصورة غير قانونية عندما ألغت حق إعادة النظر في قرارات رفض الاعتراف بضحايا الاتجار بالبشر، معتبرة أن هذا الإجراء يتعارض مع التزامات بريطانيا بموجب اتفاقية مجلس أوروبا لمكافحة الاتجار بالبشر.
وأكدت المحكمة أن قرارات تحديد ضحايا الاتجار غالبًا ما تُتخذ في مراحل مبكرة وبناءً على معلومات محدودة، بينما قد تظهر أدلة جديدة لاحقًا أو يتمكن الضحايا من الإفصاح عن تجاربهم تدريجيًا بعد تجاوز آثار الصدمة.
وأضافت أن هذا الأمر ينطبق بصورة خاصة على الأشخاص الذين يصلون عبر القوارب الصغيرة، والذين يكون كثير منهم قد مرّ بتجارب قاسية خلال رحلة اللجوء، ما يجعل إعادة النظر في القرارات ضمانة قانونية أساسية.
كما رفضت المحكمة دفاع وزارة الداخلية بأن الموظفين ما زالوا يمتلكون سلطة تقديرية لإعادة النظر في بعض الحالات، معتبرة أن السياسة الرسمية لم تنص على ذلك بوضوح، وأن تطبيق هذه السلطة كان محدودًا للغاية.
تعديل أُدخل خصيصًا لتسهيل الترحيل

وتعود القضية إلى سبتمبر 2025، عندما عدّلت وزارة الداخلية الإرشادات الخاصة بقضايا الاتجار بالبشر والاستعباد، وألغت حق إعادة النظر في طلبات الأشخاص المعرّضين للترحيل إلى دول موقعة على اتفاقية مكافحة الاتجار والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ومن بينها فرنسا.
ورغم أن التعديل صيغ بصورة عامة، خلصت المحكمة إلى أنه استُخدم عمليًا لتسهيل تنفيذ عمليات الترحيل بموجب اتفاق «واحد مقابل واحد» مع فرنسا.
ويشمل الحكم رجلًا سودانيًا نجا من التعذيب، وكانت السلطات قد رأت سابقًا وجود «أسباب معقولة» للاعتقاد بأنه ضحية اتجار بالبشر، قبل أن يُرحّل إلى فرنسا في نوفمبر 2025.
وأمرت المحكمة بإعادته إلى بريطانيا، فيما سيُعاد النظر أيضًا في قضية طالب لجوء آخر لا يزال في فرنسا، وقد يُعاد هو الآخر إذا انتهت مراجعة قضيته إلى النتيجة نفسها.
كما يمنح الحكم طالبي اللجوء الذين رُحّلوا سابقًا إلى فرنسا حق طلب إعادة النظر في قرارات الاتجار التي رُفضت في السابق، رغم أن آلية تنفيذ ذلك لا تزال غير واضحة، خصوصًا أن عددًا من المرحّلين غادروا أماكن إقامتهم أو اختفوا بعد تعرضهم لتهديدات من شبكات التهريب أو خشية إعادتهم إلى دول أخرى.
ورحبت المحامية إميلي سوثِل، من مكتب ديتون بيرس غلين، بالحكم، مؤكدة أن موكلها تعرّض لضرر كبير نتيجة قرارات وصفتها بغير القانونية، وأن المحكمة أقرت أخيرًا بأن ترحيله إلى فرنسا كان مخالفًا للقانون ويجب تصحيحه.
كما اعتبرت إليزابيث كول، من مكتب دنكان لويس، أن القرار يثير تساؤلات جدية بشأن قانونية عمليات الترحيل السابقة بموجب الاتفاق البريطاني الفرنسي، وقد يتيح لمزيد من الأشخاص الذين رُحّلوا بصورة غير قانونية فرصة استعادة حقوقهم وربما العودة إلى بريطانيا.
الحكم لا يشمل جميع المرحّلين
ورغم أهمية القرار، شددت المحكمة على أنه لا يعني تلقائيًا إعادة جميع طالبي اللجوء الذين رُحّلوا إلى فرنسا، ولا يمنع ترحيل ضحايا الاتجار مستقبلًا إذا استوفيت الشروط القانونية.
وأوضحت أن السياسة غير القانونية أثرت بصورة مباشرة في حالتين فقط من أصل خمس قضايا نُظرت أمام المحكمة، كما رأت أن طالبي اللجوء في فرنسا لا يُحرمون بالكامل من الحماية، إذ يحق لهم الحصول على الإقامة والرعاية الصحية والدعم، رغم أن نظام التعرف على ضحايا الاتجار هناك أضيق نطاقًا من نظيره البريطاني.
وفي المقابل، منحت المحكمة كلاً من وزارة الداخلية وطالبي اللجوء حق الطعن في أجزاء مختلفة من الحكم، بينما أكدت وزارة الداخلية أنها تدرس القرار وخياراتها القانونية، بما في ذلك الاستئناف، ما يعني أن الملف القضائي لم يُحسم بصورة نهائية بعد.
المصدر: الغارديان
—————————————————————-
اقرأ أيضًا
الرابط المختصر هنا ⬇