العرب في بريطانيا | أرشيف يصنع العالم: جولة في عقل البرلمان البريطاني

أرشيف يصنع العالم: جولة في عقل البرلمان البريطاني

asset (6)
كرم نعمة يوليو 29, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

كان التجوال في رواق مكتبة البرلمان البريطاني (House of Commons Library) تجربة تهزّ القلب بين الحماس والحسرة. الحماس لأنك تمشي في ممرّات صُنعت فيها قرارات غيّرت وجه العالم، وتلمس رفوفاً تحمل تاريخاً سياسياً لا يُقاس بعدد صفحاته، بل بعمق أثره. والحسرة لأن كل معلومة جديدة تصفعك بما يمكن أن أسميه المذلّة المعرفية؛ ذلك الشعور بأن العالم yواصل إنتاج المعرفة بينما نحن نواصل استهلاك الفتات.

وما إن تتوغّل خطوة إضافية داخل المكتبة، حتى تدرك أن ما تراه ليس مجرد أرشيف، بل عقل الدولة البريطانية نفسه، موضوعاً على الرفوف، عقلٌ لا ينام ولا يُهمل ولا يُمحى، عقلٌ يعرف أن السلطة بلا ذاكرة تتحول إلى فوضى، وأن الحكم بلا وثيقة يتحول إلى نزوة.

جدار الوعي السياسي

مكتبة البرلمان البريطاني (House of Commons Library). المصدر: (AUK)

في القاعة الرئيسية تمتد رفوف الكتب كأنها جدارٌ من الوعي السياسي. هنا تُحفظ سجلات النقاشات البرلمانية منذ القرن التاسع عشر، مجلّدات ضخمة تشبه الطوب الذي بُنيت به الديمقراطية البريطانية. تقف أمامها فتشعر أن كل صفحة هي معركة، وكل سطر هو محاولة لتقييد السلطة أو تحريرها.

تفتح أحد المجلدات فتجد محاضر جلسة تعود إلى عام 1911، حين كان البرلمان يناقش قانون الحدّ من صلاحيات مجلس اللوردات. تقرأ السطور فتكتشف أن اللغة السياسية لم تكن يوماً باردة، بل كانت مشتعلة، وأن البريطانيين كانوا يكتبون قوانينهم كما لو أنهم يكتبون مستقبل أبنائهم. وهنا يتسلل إليك إدراكٌ قاسٍ: أن الدول التي تحترم نفسها لا تكتب قوانينها لتبرير اللحظة، بل لتأسيس المستقبل، وأن الوثيقة ليست مجرد نص، بل عقدٌ بين الدولة وضميرها، بين السلطة وذاكرتها، بين الحاضر وما سيآتي بعده.

 أسرار الملفات السرية: العراق نموذجًا

الكاتب كرم نعمة خلال تجوله بمكتبة البرلمان البريطاني. المصدر: (AUK)

ترافقك أمينة المكتبة إلى غرفة صغيرة محاطة بزجاج مضاد للحرائق. تقول لك: “هنا تُحفظ الوثائق التي لا يراها إلا الباحثون المتخصصون والنواب.” تتأمل ملفات صفراء تحمل علامات الزمن، بعضها مختوم بعبارة Restricted Access. تقرأ على أحدها: “Iraq – Cabinet Papers 1958–1963”، فتشعر أن التاريخ يفتح لك باباً لم تكن تتوقعه. تتصفح الوثيقة فتجد مراسلات بين وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء بشأن انقلاب 1958 الذي أسقط الحكم الملكي في العراق وقتل أفراد العائلة المالكة بطريقة لا تقل بشاعة عن أيام القتل على الهوية التي اجتوت العراق بعد احتلاله عام 2003، وتحليلات عن مستقبل المنطقة، وتوقعات عن احتمالات انهيار الملكية. كل ذلك مكتوب بلغة باردة، لكنها تكشف أن العالم يُدار أحياناً بجملة واحدة تُكتب في مكتب صغير. وفي تلك اللحظة تدرك أن الوثائق ليست مجرد سردٍ للأحداث، بل هي سجلٌّ لنوايا الدول، وأن ما يُكتب في الهامش قد يكون أخطر مما يُعلن في البيان، وأن التاريخ الحقيقي يعيش غالبًا في الملفات التي لا تُفتح إلا بعد عقود.

في زاوية أخرى تجد أرشيفاً كاملاً عن حرب الفوكلاند، وآخر عن حرب احتلال العراق 2003. ملفات تتضمن تقارير استخباراتية، ومذكرات داخلية، وتقييمات للمخاطر، وحتى رسائل إلكترونية بين الوزراء. تقرأ بعضها فتشعر أن السياسة ليست ما يُعلن للناس، بل ما يُخفى عنهم. وثيقة تحمل عنوان: “Legal Basis for Military Action – Confidential Draft” تكشف لك كيف كانت الحكومة تبحث عن صياغة قانونية تبرّر الحرب، وكيف كانت الكلمات تُستخدم كقنابل، واللغة كذريعة. وهنا تجلى حقيقة أخرى: أن السياسة الحديثة لم تعد تُمارس فقط في البرلمان أو في الإعلام، بل في صياغة النصوص، في اختيار المفردات، في ترتيب الجمل، في تلك المنطقة الرمادية التي تتحول فيها اللغة إلى سلاح، والوثيقة إلى أداة قتال ناعم لا يسمع الناس صوتها إلا بعد أن يقع الضرر.

الاقتصاد كمرآة لسردية الدول

تتجه نحو قسم الاقتصاد فتجد تقارير بنك إنجلترا منذ السبعينيات، وتحليلات عن التضخم، وأرشيفاً كاملاً للأزمات المالية. تقرأ تقريراً يعود لعام 1976 عن انهيار الجنيه الإسترليني، فتشعر أن التاريخ يعيد نفسه دائماً، وأن الأزمات لا تموت، بل تتنكر. وتدرك أن الاقتصاد ليس مجرد أرقام، بل سردية دولة كاملة: كيف تخاف، كيف تتوقع، وكيف تكتب خططها قبل أن تواجه الواقع. هنا يصبح الأرشيف الاقتصادي مرآة تكشف أن الدول القوية لا تنتظر الأزمة كي تفهمها، بل تكتب تاريخها المالي لحظة بلحظة، كأنها تكتب سيرة ذاتية لعملةٍ تعرف أنها جزء من هيبتها.

تجلس أمام شاشة كبيرة تعرض قاعدة بيانات تضم ملايين الوثائق الرقمية. تقول لك إحدى الموظفات في المكتبة: “هذه هي الذاكرة التي لا يمكن أن تحترق”. هنا تجد سجلات التصويت، وتقارير اللجان، ودراسات مقارنة بين الأنظمة السياسية، وأرشيف الصحافة البريطانية منذ قرن، وخرائط انتخابية، وتحليلات اجتماعية عن الفقر والهجرة والهوية. وتشعر أنك أمام دولة لا تترك شيئاً للصدفة، دولة تعرف أن الحكم يبدأ من المعرفة، وأن الجهل هو أول طريق الفوضى. وفي تلك اللحظة يتضح لك أن الفرق بين الدول ليس في ثرواتها، بل في طريقة حفظها للمعرفة: هناك دول تخزن النفط، ودول تخزن الوثائق؛ هناك دول تبني أبراجاً، ودول تبني أرشيفاً؛ هناك دول تخاف من الذاكرة، ودول تعرف أن الذاكرة هي أقوى أدوات الحكم.

وأنت تتجوّل بين الرفوف، تدرك أن الأمم التي تحترم نفسها تبدأ من هنا: من مكتبة، من ورقة، من فكرة. وتدرك أيضاً لماذا نشعر نحن -كلما عرفنا أكثر- بأن المسافة بيننا وبين العالم تتسع، لا تضيق. فالمعرفة ليست مجرد قوة، بل نظام حياة، نظامٌ يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الدولة القدرة على أن تتعلم من أخطائها بدلاً من أن تكررها. وتدرك أن الدول التي تكتب تاريخها بدقة، هي الدول التي تستطيع أن تصنع مستقبلها بثقة.

تخرج من المكتبة فتشعر أن العالم أكبر مما نتصور، وأن الدول التي تصنع مستقبلها تبدأ من أرشيفها، من قدرتها على حفظ الذاكرة، من احترامها للوثيقة، من إيمانها بأن المعرفة ليست ترفاً، بل شرطاً من شروط البقاء. تغادر المكان وفي يدك دفتر صغير، وفي رأسك سؤال كبير: كيف يمكن لأمة أن تنهض إذا كانت لا تعرف أين تحفظ ذاكرتها؟


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا