العرب في بريطانيا | أوروبا القلقة تتابع الاحتفالية الأمريكية بمرور ...

أوروبا القلقة تتابع الاحتفالية الأمريكية بمرور 250 عامًا على الاستقلال

أوروبا القلقة تتابع الاحتفالية الأمريكية بمرور 250 عامًا على الاستقلال
جلال الورغي يوليو 8, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

تتابع أوروبا بحيرة وقلق، وحتى بشيءٍ من الحسد، احتفالات الولايات المتحدة الأمريكية بمرور 250 عامًا على إعلان استقلالها في 4 يوليو 1776. وتأتي هذه الاحتفالية الأمريكية بمرور نصف ألفية على إعلان الاستقلال في سياقات استثنائية للغاية بالنسبة للأوروبيين خاصة.

أولًا: تعني هذه الاحتفالية الأمريكية الأوروبيين بشكل خاص، لا سيما وأن الآباء المؤسسين على غرار، جون آدمز وألكساندر هاميلتون وبنجامين فرانكلين، هم أصلًا من أصول أوروبية لا سيما بريطانية، وأن المكونات الاجتماعية للبلاد، فضلًا عن السكان الأصليين، تشكّلت إلى حدّ كبير من اللاجئين والفلاحين الأوروبيين الذي وصلوا مبكرًا إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية. وبالتالي يمكن اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية الابن الأصغر لأوروبا.

ثانيًا: تأتي الاحتفالية الأمريكية في وقت يتعمّق فيه القلق الأوروبي بشأن سياسات “ابنها المدلل” أو “ابنها المتمرد” أو “ابنها الباذخ”. سياسات تعصف بالعلاقات الاستثنائية المتميزة التي استمرت لعقود طويلة بين أوروبا وأمريكا، وحملت اسم “العالم الحر” سياسيًا، و”الحلف الأطلسي” عسكريًا. فالولايات المتحدة الأمريكية التي تحتفل باستقلالها اليوم، تشهد مع إدارة ترامب انزلاقًا وجموحًا لافتًا ومثيرًا للقلق بعيدًا عن قيمها ومبادئها المؤسسة، في الديمقراطية، وعلوية القانون، وحقوق الإنسان والتعددية، وتتجه نحو تقويض أسس الحكم الديمقراطي القائم على الانتخابات الحرة، والفصل بين السلطات، وسيادة القانون، ومحاربة الفساد. وتوجَّه أصابع الاتهام إلى ترامب بتفكيك أمريكا التقليدية المحتفية بالتعددية الثقافية والتسامح وقيم القانون، من خلال تبني سياسات عنصرية وشعبوية معادية للمهاجرين ومحرضة عليهم، في الداخل الأمريكي وفي أوروبا.

ثالثًا: تحتفل الولايات المتحدة الأمريكية بذكرى استقلالها، والذي تأسس على مكونات اجتماعية جلها، إن لم يكن كلها، من أصول مهاجرة، وخاصة من المستوطنين الأوروبيين، بينما تشن -منذ وصول دونالد ترامب إلى الحكم- حملة تحريض واسعة النطاق، وبلا هوادة ضد السياسات الأوروبية المتساهلة مع الهجرة والمهاجرين بحسب تقديرها. ولا يفوّت ترامب وفريق إدارته فرصة إلا ووجّهوا انتقادات حادة للأوروبيين، متهمين إيّاهم بتسليم بلدان القارة للمهاجرين. بل وتعتبر إدارة ترامب أن أوروبا بصدد فقدان هويتها المسيحية وقيمها الغربية بسبب إغراق بلدان القارة بالمهاجرين خاصة المسلمين منهم. ومضت إدارة ترامب لإدراج هذا الموقف المعادي للمهاجرين وسياسات الهجرة في تقرير الأمن القومي الاستراتيجي الصادر في نوفمبر 2025، وتقرير الدفاع الاستراتيجي الصادر في يناير 2026، وتقرير استراتيجية محاربة الإرهاب الصادر في مايو 2026.
وتبدي الإدارة الأمريكية الحالية جموحًا واضحًا للتدخل في محاولة هندسة المشهد الحكومي في البلدان الأوروبية، من خلال الدعم السياسي والدبلوماسي وحتى المالي غير الرسمي، للتيارات اليمينية الشعبوية المعادية للهجرة والمهاجرين. وترى إدارة ترامب في هذه التيارات القوى القادرة -إن هي فازت في الانتخابات- على وقف وصول المهاجرين إلى أوروبا وترحيل عشرات الآلاف منهم من البلدان الأوروبية.

رابعًا: تجد أوروبا نفسها عارية الظهر عسكريًا واستراتيجيًا، وحليفها التقليدي الولايات المتحدة الأمريكية، يخلط الأوراق ويستخفّ بالحلف الأطلسي، الذي مثّل لعقود المظلة العسكرية التي تستظل بها أوروبا وتوفّر لها الأمن القومي، بينما تنشغل هي في الاهتمام برفاهية شعوبها وضمان أمنهم الغذائي والصحي. فلا يكاد ترامب يفوّت فرصة إلا وهاجم حلف الناتو، واعتبره عديم جدوى، راهنًا البقاء فيه برفع الأوربيين لميزانيات التسلح إلى حدود 5 بالمائة من الميزانية العامة. ويمارس ترامب هذا الضغط على الأوروبيين لرفع ميزانيات التسلّح في وقت تعاني فيه بلدانهم من صعوبات اقتصادية، واستحقاقات أخرى ذات أولوية على موضوع التسلح، كالصحة والتعليم والخدمات.

خامسًا: تبدي الولايات المتحدة الأمريكية وهي تحتفل بعيد استقلالها في ظل إدارة ترامب، برودًا غير مسبوق تجاه حلفائها الأوروبيين، بل وتتبنى سياسات اقتصادية وتجارية وعسكرية تجاههم، تثير استياءً واسعًا في أوروبا. وتضع هذه السياسات الأمريكية الأوروبيين أمام معادلة متأرجحة وحالة من الاضطراب والحيرة بين تحمّل الضغط الأمريكي والرهان على احتوائه، لا سيما في مرحلة ما بعد ترامب، وبين اجتراح شراكة استراتيجية مع الصين وتحمّل تبعات ذلك، بما فيها التعاطي مع شريك جديد يمثّل قطبًا سياسيًا وثقافيًا يتناقض مع القيم التي ترى أوروبا أنها من جوهر مقوماتها الأساسية سياسيًا وثقافيًا.

في الذكرى 250 لاستقلالها تبدو الولايات المتحدة الأمريكية، أظهر استطلاعات رأي نشر في 10 يونيو من الشهر الماضي أن 11 بالمائة فقط من الأوروبيين يعتبرون الولايات المتحدة الأمريكية حليفًا، ما يمثل أدنى نسبة في تاريخي العلاقات بين الطرفين. بينما كانت النسبة في حدود 16 بالمائة قبل نصف عام وحوالي 22 بالمائة في نوفمبر من العام 2024. وتظهر هذه النسب حجم التراجع في الثقة بين الولايات المتحدة والأوروبيين، ولا سيما في عهد ترامب. وهو تحوّل وإن يعوّل البعض على أن يكون مؤقتًا، فإن بعض معالمه قد تتجه إلى مستوى غير قابل للإصلاح أو التدارك.


 

اترك تعليقا