حسام أبو صفية… حين يدق رهينةٌ ناقوس الخطر باسم آلاف الأسرى
في بعض اللحظات، يتجاوز الإنسان ذاته، ويصبح صوته صوتًا لجماعة كاملة. وهذا ما يحدث اليوم مع الطبيب الدكتور حسام أبو صفية. فالرجل الذي كرّس حياته لإنقاذ المرضى، يقف اليوم -وهو في قبضة سجانيه- شاهدًا حيًا على ما يتعرض له آلاف الرهائن الفلسطينيين داخل مراكز الاعتقال الإسرائيلية. إن صرخته الأخيرة، التي نقلها محاميه بعد زيارته، ليست مجرد استغاثة شخصية، بل ناقوس خطر يدق باسم كل من غُيِّبوا خلف الجدران، وباسم كل من تُنتزع إنسانيتهم يومًا بعد يوم بعيدًا عن أعين العالم.
بوصفي منسقًا لحملة الأشرطة الحمراء، أجد أن قضية الدكتور حسام أبو صفية تفرض علينا مسؤولية مضاعفة. فهي ليست قضية طبيب معروف فحسب، وإنما قضية تلخص واقعًا كاملًا باتت تعيشه فئات واسعة من الفلسطينيين الذين تحولوا إلى رهائن بكل ما تحمله الكلمة من معنى. نعم، رهائن، لأنهم لا يُحتجزون فقط على خلفية اتهامات فردية أو أحكام قضائية عادلة، وإنما يُستخدم كثير منهم أدواتٍ للضغط على المجتمع الفلسطيني بأسره، ورسائلَ تخويف جماعية، ووسائلَ لبث الرعب في كل بيت فلسطيني.
ولا يقتصر الأمر على الدكتور حسام أبو صفية. فهناك أطباء ومسعفون، ونساء، وأطفال، ومعتقلون إداريون محتجزون دون تهمة أو محاكمة، تُمدد فترات احتجازهم مرارًا بقرارات إدارية تفتقر إلى أبسط ضمانات العدالة. هؤلاء جميعًا رهائن في منظومة تجعل الحرية حقًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم، وتجعل مصير الإنسان معلقًا بإرادة سلطة الاحتجاز لا بحكم القضاء.
لقد شهدت أوضاع الرهائن الفلسطينيين تدهورًا غير مسبوق منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. ولم تعد الانتهاكات مجرد حالات فردية أو استثناءات يمكن تجاوزها، بل أصبحت نمطًا متكررًا توثّق جوانبَ منه المؤسساتُ الحقوقية والطبية، ويتحدث عنه المفرج عنهم، ويحمله المحامون في شهاداتهم، أما الكثير مما يجري خلف أبواب السجون فيبقى مجهولًا، أو لا يصل إلى العالم إلا بعد فوات الأوان.
إن ما يصلنا من روايات عن التعذيب، والضرب المبرح، والتجويع، والإهمال الطبي، والحرمان من العلاج، والعزل المطول، والانتهاكات النفسية والجسدية، وصولًا إلى الاعتداءات الجنسية التي وثقتها منظمات حقوقية، ليس سوى جزء من الصورة. أما الجزء الآخر، وهو الأشد قسوة، فما يزال حبيس الزنازين، لا يملكه إلا أولئك الذين يعيشونه كل يوم، ولا يستطيعون أن يرووه.
ولعل أخطر ما في هذه السياسة أنها لا تستهدف الرهائن وحدهم، بل تستهدف المجتمع الفلسطيني كله. فكل قصة تعذيب تتسرب إلى الخارج، وكل صورة لجسد أنهكه الضرب، وكل شهادة عن الإذلال والإهانة، ليست رسالة موجهة إلى الضحية وحدها، وإنما إلى شعب كامل، لإخباره أن أحدًا ليس بمنأى عن هذا المصير. إنها سياسة تقوم على صناعة الخوف الجماعي، وعلى تحويل الإنسان الفلسطيني إلى رهينة حتى وهو خارج أسوار السجن.
وفي خضم هذا المشهد، يقف الزمن شاهدًا آخر على حجم المأساة. فبين الرهائن الفلسطينيين من بدأوا اليوم يعدّون الأيام الأولى من الألفية الثانية لاحتجازهم. أكثر من ألف يوم خلف القضبان، وفي ظروف أصبحت بعد أكتوبر 2023 أكثر قسوة ووحشية من أي وقت مضى. ألف يوم لا تعني مجرد رقم في سجل الاعتقال، بل تعني ألف صباح من الحرمان، وألف ليلة من القلق، وألف فرصة ضائعة للحياة، وللعائلة، وللأبناء الذين يكبرون بعيدًا عن آبائهم وأمهاتهم.
إن ما يجري مع الدكتور حسام أبو صفية يجب ألا يُقرأ بوصفه قضية فردية، بل باعتباره مؤشرًا على الخطر الداهم الذي يهدد حياة آلاف الرهائن الفلسطينيين. فإذا كان طبيب معروف، تحظى قضيته باهتمام إعلامي وحقوقي واسع النطاق، يبعث برسالة مفادها أنه لا يرى نفسه سيخرج حيًا، فكيف يكون حال أولئك الذين لا يعرف العالم أسماءهم، ولا تصل أخبارهم إلا نادرًا؟
إن القانون الدولي واضح في تحميل سلطة الاحتلال الغاشم المسؤولية الكاملة عن حياة كل رهينة وسلامته الجسدية والنفسية، ويحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة حظرًا مطلقًا. لكن النصوص القانونية تفقد معناها عندما يعجز المجتمع الدولي عن فرض احترامها، أو يكتفي ببيانات القلق فيما تتواصل الانتهاكات بلا مساءلة.
إن حملة الأشرطة الحمراء -وهي ترفع صوتها اليوم من أجل إنقاذ حياة الدكتور حسام أبو صفية- لا تدافع عن فرد واحد، بل تدافع عن مبدأ إنساني لا يجوز التهاون فيه: أن الإنسان لا يجوز أن يتحول إلى رهينة، ولا أن تُتّخَذ حياته وسلامته وسيلة للضغط السياسي أو للانتقام الجماعي. إن إنقاذ الدكتور حسام واجب عاجل، لكنه ليس نهاية المطاف، بل بداية لتحرك دولي حقيقي يضمن حماية جميع الرهائن والأسرى الفلسطينيين، ووضع حد للتعذيب، والإخفاء، والاحتجاز التعسفي، والإفلات من العقاب.
لقد آن الأوان لأن يدرك العالم أن كل ساعة تمر دون تحرك قد تعني روحًا أخرى تُزهق في صمت. وما يرويه حسام أبو صفية اليوم ليس حكايته وحده، بل حكاية آلاف الرهائن الفلسطينيين الذين ينتظرون أن يسمع العالم جرس الإنذار قبل أن يتحول الصمت مرة أخرى إلى شريك في المأساة.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇