العرب في بريطانيا | لماذا يخشى الظالم الصوت المعتدل أكثر من المتهور؟

لماذا يخشى الظالم الصوت المعتدل أكثر من المتهور؟

لماذا يخشى الظالم الصوت المعتدل أكثر من المتهور؟
عدنان حميدان يوليو 3, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليس أكثر إرباكًا للظالم من إنسانٍ يجمع بين شجاعة الموقف وحكمة التعبير وثبات المبدأ. فالمستبد لا يخشى ارتفاع الأصوات بقدر ما يخشى وضوح الرؤية؛ لأن الضجيج، مهما علا، يبقى حدثًا عابرًا، أما الفكرة الراسخة فتتحول مع الزمن إلى وعيٍ جمعي يصعب اقتلاعه. ولهذا تثبت التجارب، قديمًا وحديثًا، أن القوى الغاشمة، على الرغم من ترسانتها العسكرية والإعلامية، تخشى العقل المعتدل أكثر بكثير من خشيتها التهور الصاخب.

فالصوت المتهور، الذي يندفع خلف الانفعال المجرد، ويستبدل الحجة بالشتيمة، والمنطق بالصخب، كثيرًا ما يقدم خدمة مجانية للاستبداد. إذ يسهل تصويره على أنه رمز للفوضى، ويُستغل وجوده لإقناع العامة بأن كل دعوة إلى التغيير ليست سوى مشروع اضطراب وخراب. وحينها ينجح الظالم في تحويل الأنظار عن أصل المشكلة إلى ردود الأفعال عليها؛ فتضيع القضية بين صخب الخطاب وضجيج المواجهة، ويبدو الصراع وكأنه مواجهة بين نظام يحفظ الاستقرار وجموع لا تعرف سوى الانفعال.

أما الصوت العاقل، المتمسك بحكمته بقدر تمسكه بحقه، فهو الكابوس الحقيقي لكل سلطة تخشى انكشافها. فالنقد الهادئ، المؤسس على الدليل والمنطق، والمجرد من الشخصنة والانتقام، لا يهاجم الأشخاص بقدر ما يكشف الأفكار، ولا يثير الغرائز بقدر ما يخاطب العقول. إنه يتسلل إلى الوعي كما يتسلل نور الفجر إلى العتمة، فيفكك روايات الباطل خيطًا خيطًا، دون أن يترك للخصم منفذًا للطعن في اتزان صاحبه أو نزاهة قصده. ولذلك يرتعد الظالم أمام الحجة الباردة؛ لأنها لا تسعى إلى هزيمته بالصراخ، بل إلى تعريته أمام الناس، ولا توجد مرآة يخشاها المستبد أكثر من مرآة الحقيقة.

ومن هنا فإن المجاهرة بالحق في عصرنا لم تعد مجرد صرخة احتجاج، بل أصبحت فنًا في بناء المواقف، وصناعة الوعي، وإدارة الصراع بأخلاقٍ لا تتنازل عن المبادئ. فكم من كلمة موزونة هزّت عروشًا لم تستطع المدافع زعزعتها، وكم من خطاب رصين هدم جدرانًا من الأكاذيب تراكمت عبر سنوات طويلة. وقد لخّص شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الفلسفة في كلمته الخالدة التي أصبحت درسًا خالدًا لكل صاحب مبدأ: “ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني؛ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة”. إنها ليست مجرد عبارة بليغة، بل إعلانٌ بأن الحرية الحقيقية لا تُقاس بمساحة الحركة، وإنما بقدرة الإنسان على صيانة قناعاته من الانكسار. فمن جعل من سجنه خلوةً للمراجعة والتأمل، ومن منفاه سياحةً لنشر الوعي، ومن التضييق عليه فرصةً لترسيخ رسالته؛ فقد انتصر معنويًا قبل أن تبدأ المعركة.

لقد أثبت التاريخ أن الاستبداد، مهما امتلك من سجون وأجهزة وإعلام، يظل عاجزًا عن الانتصار على فكرةٍ استقرت في العقول، أو كلمةٍ سكنت الضمائر. فهو يستطيع إسكات الأصوات، لكنه لا يستطيع إلغاء الحقيقة، ويقدر على حبس الأجساد، لكنه يعجز عن أسر الأفكار. لذلك يظل أكثر ما يخشاه المستبد هو الإنسان الذي يرفض أن يبادله الكراهية بالكراهية، ولا يسمح للظلم أن ينتزع منه اتزانه؛ لأن هذا الإنسان يفضح هشاشة القوة حين تواجه يقينًا لا يتزعزع.

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى ذلك النموذج الذي يجمع بين شجاعة الموقف وأناقة الطرح، بين صلابة المبدأ ورحابة العقل. فالكلمة الحكيمة ليست أضعف من الرصاصة، بل هي أبقى أثرًا وأوسع نفوذًا؛ لأنها تصيب الضمير قبل الجسد، وتحرر الإنسان من الخوف قبل أن تحرره من القيود. والظلم، مهما طال أمده، يظل هشًّا أمام إنسانٍ أدرك يقينًا أن بستانه الحقيقي في صدره، وأن أحدًا، مهما أوتي من قوة، لا يملك مفاتيح ذلك البستان سواه. فحين ينتصر العقل على الانفعال، والحجة على الضجيج، والثبات على الخوف، يبدأ العد التنازلي لسقوط كل ظلم؛ لأن الحق لا يحتاج إلى صخبٍ ليبقى، وإنما يحتاج إلى رجالٍ يحملونه بعقولٍ راجحة، وقلوبٍ ثابتة، وألسنةٍ لا تقول إلا ما يمليه الضمير المنبثق من إيمان راسخ وعقيدة صلبة.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا