كيف توفر 28 لترًا من الماء يوميًا؟ تفاصيل أكبر حملة بريطانية لترشيد الاستهلاك
في ظل موجات الحر القياسية التي تضرب بريطانيا، وتزايد الضغوط المرتبطة بتغيّر المناخ، تستعد البلاد لإطلاق واحدة من أضخم حملات التوعية المائية على الإطلاق، بهدف تقليل استهلاك المياه على مستوى الأفراد وتحويله إلى سلوك يومي أكثر كفاءة واستدامة، في وقت تتسع فيه الفجوة بين العرض والطلب على الموارد المائية.
حملة وطنية بـ75 مليون باوند وشراكة مؤسساتية واسعة

تطلق الجهات المعنية حملة توعوية وطنية تحت عنوان “لنحافظ على المياه” (Let’s Save Water)، بميزانية تبلغ 75 مليون باوند، بهدف تشجيع السكان على التعامل مع المياه باعتبارها موردًا ثمينًا ومحدودًا.
وتهدف الحملة إلى خفض متوسط استهلاك الفرد بمقدار 28 لترًا يوميًا، أي ما يعادل نحو دلويْن كبيريْن من الماء، مقارنة بالمعدل الحالي البالغ نحو 140 لترًا يوميًا.
وتقود الحملة شراكة تضم شركات المياه، وهيئة تنظيم المياه (Ofwat)، ووكالة البيئة، وهيئة الأرصاد الجوية البريطانية (Met Office)، إضافة إلى الموارد الطبيعية في ويلز (Natural Resources Wales)، على أن يتم تمويلها من شركات المياه على مدى أربع سنوات ضمن خطة طويلة الأمد لتغيير السلوك الاستهلاكي.
استهلاك مرتفع وفجوة في إدراك الواقع

تشير البيانات إلى أن استهلاك المياه في إنجلترا وويلز يُعد من بين الأعلى في أوروبا، إذ يبلغ نحو 140 لترًا للفرد يوميًا، مقارنة بنحو 120 لترًا في دول مثل ألمانيا وهولندا.
وفي السياق نفسه، تكشف الأبحاث المرتبطة بالحملة عن فجوة كبيرة بين التصور والاستهلاك الفعلي، إذ يعتقد الناس أنهم يستهلكون نحو 30 لترًا يوميًا فقط، بينما يبلغ المعدل الحقيقي نحو 140 لترًا، أي بفارق يقارب خمسة أضعاف.
أزمة مائية ممتدة حتى 2055

تتوقع الدراسات أن تواجه إنجلترا وويلز عجزًا مائيًا قد يصل إلى 5 مليارات لتر يوميًا بحلول عام 2055، وهو ما يعادل نحو 2000 مسبح أولمبي، نتيجة تغيّر المناخ، والنمو السكاني، وتوسع الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه مثل مراكز البيانات.
تغيّر مناخي وضغوط على الموارد

قالت البروفيسورة ليزي كيندون، رئيسة قسم العمليات المناخية والتوقعات الاستراتيجية في هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، إن تغيّر المناخ يؤدي إلى أنماط طقس أكثر تطرفًا، تشمل شتاءً أكثر رطوبة وصيفًا أكثر جفافًا وهطول أمطار أكثر كثافة.
وأضافت أن سقوط الأمطار على تربة جافة وصلبة يمنع تسرب جزء كبير منها إلى الأرض، ما يؤدي إلى فقدان المياه بدل الاستفادة منها، وهو ما يزيد من الحاجة إلى تدخل عاجل.
وفي هذا السياق، بدأت قيود استخدام خراطيم المياه في مقاطعة كِنت، بعد ارتفاع الطلب خلال موجات الحر، عقب دعوات من شركة ساوث إيست ووتر لتقليل الاستهلاك.
تغييرات يومية وسلوك استهلاكي مستهدف

تدعو الحملة إلى إدخال تغييرات بسيطة في الحياة اليومية، مثل تقليل مدة الاستحمام، واستخدام خزانات مياه في الحدائق، وإصلاح التسربات المنزلية.
وتوضح البيانات أن الاستحمام يستهلك نحو 10 لترات في الدقيقة، وأن استبدال رأس الدش بنموذج موفّر يمكن أن يخفض الاستهلاك بنسبة تصل إلى 50%، مع تقليل فواتير الطاقة أيضًا.
سلوكيات معقدة وحلول تقنية مقترحة

قال البروفيسور إيان ووكر، رئيس قسم علم النفس في جامعة سوانزي وأحد مستشاري الحملة، إن تمكين الأسر من تقليل استهلاكها يتطلب توفير معلومات فورية وواضحة وقابلة للتطبيق.
وأوضح أن الحل الأمثل يتمثل في ربط بيانات العدادات الذكية بالمنازل بشكل مباشر، وتقديم نصائح فورية حول كيفية تقليل الاستهلاك.
وأشار إلى أن بعض الإجراءات مثل شراء أجهزة موفرة للمياه سهلة التنفيذ، بينما تبقى العادات اليومية الأكثر استهلاكًا للمياه أصعب تغييرًا.
أزمة ثقة ومسؤولية شركات المياه

تعترف الجهات المنظمة بأن ضعف الثقة بشركات المياه يشكل تحديًا كبيرًا أمام نجاح الحملة، في ظل انتقادات تتعلق بتلوث مياه الصرف، وانقطاعات الإمدادات، وديون بعض الشركات مثل تيمز ووتر، وعدم التزامها بالمعايير القانونية.
وتشير البيانات إلى أن تسربات المياه تمثل نحو 19% من الطلب، في حين لم تُبنَ أي خزانات جديدة في إنجلترا خلال 30 عامًا.
وتتعهد شركات المياه ببناء 10 خزانات جديدة ضمن استثمار يبلغ 104 مليارات باوند خلال السنوات الخمس المقبلة.
لكن في المقابل، يؤكد نشطاء البيئة أن فقدان أكثر من 3 مليارات لتر يوميًا بسبب التسربات، إلى جانب تحويل 78 مليار باوند إلى المساهمين منذ الخصخصة، يضع المسؤولية الأساسية على القطاع نفسه، مع المطالبة بخطة طوارئ وطنية شاملة لمحاسبة الشركات.
كما شددت شاش شيهان، رئيسة لجنة البيئة وتغير المناخ في مجلس اللوردات، على ضرورة أن تكون هناك استراتيجية تواصل شفافة وطويلة الأمد، مؤكدة أن ضعف الثقة العامة قد يعرقل تجاوب المواطنين، وأن الشركات مطالبة بإظهار إصلاحات حقيقية قبل مطالبة الجمهور بتغيير سلوكه.
المصدر: الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇