العرب في بريطانيا | درونز بدل المدمرات.. كيف تتعلم بريطانيا من حروب...

تحليل: درونز بدل المدمرات.. هل تغير بريطانيا عقيدتها العسكرية؟

تحليل: درونز بدل المدمرات.. هل تغير بريطانيا عقيدتها العسكرية؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لم يكن قرار كير ستارمر إلغاء خطط استبدال مدمرات وفرقاطات في البحرية الملكية مجرد بند جديد في موازنة الدفاع.

كان إعلانًا صامتًا عن تغير أعمق في طريقة تفكير بريطانيا في الحرب.

فالدولة التي بنت جزءًا كبيرًا من صورتها العالمية وسمعتها التاريخية على قوة البحر، وانتشار الأسطول، وقدرة البحرية الملكية على الوصول إلى مناطق بعيدة، تبدو الآن كأنها تسأل سؤالًا مختلفًا: هل تحتاج بريطانيا في حروب المستقبل إلى مزيد من المدمرات، أم إلى مزيد من الدرونز؟

British naval drone goes drug hunting
طائرة بدون طيار من طراز Peregrine ذات أجنحة دوارة (مبني على أساس Schiebel Camcopter S-100) يخضع لتجارب على سطح الطيران لفرقاطة تابعة للبحرية الملكية. (جورنال الدفاع البريطاني).

بحسَب صنداي تايمز، فإن خطة الاستثمار الدفاعي الجديدة ألغت تمويل استبدال ما يصل إلى ثماني مدمرات من طراز (Type 83) وخمس فرقاطات من طراز (Type 32)، مع تحويل جزء من الموارد إلى الدرونز والأنظمة غير المأهولة. كما تشمل الخطة إنشاء قوة مهمات جديدة للأنظمة غير المأهولة، ومركز تدريب للدرونز في سويندون.

هذه ليست مقارنة بين سفينة وطائرة مسيّرة فقط، بل بين نموذجين للحرب.

النموذج الأول يقوم على المنصات الكبيرة عالية التكلفة: مدمرات، وفرقاطات، وحاملات، وطائرات مأهولة، وسلاح يحتاج إلى سنوات من التصميم والتصنيع والتدريب.

والنموذج الثاني يقوم على الكثرة، والسرعة، والتجريب، والتأثير التراكمي: درونز أرخص، وأنظمة ذاتية، وذخائر تجوب السماء أو البحر، وقدرة على تعويض الخسائر بسرعة أكبر.

درس أوكرانيا

TOPSHOT-UKRAINE-RUSSIA-CONFLICT-WAR
الصراع الروسي الأوكراني.

أهم ما تعلمته الجيوش الغربية من الحرب في أوكرانيا أن التكنولوجيا لم تعد مجرد إضافة إلى الحرب، بل أصبحت جزءًا من طريقة خوضها.

مراجعة الدفاع الاستراتيجية البريطانية قالتها بوضوح: “الدرونز تقتل الآن عددًا أكبر من الناس مقارنة بالمدفعية التقليدية في حرب أوكرانيا”، وأضافت أن من ينجح في إيصال التكنولوجيا الجديدة إلى أيدي قواته بسرعة أكبر ستكون له الأفضلية.

هذه الجملة تفسر جزءًا كبيرًا من التحول البريطاني.

الحرب لم تعد تُحسم فقط بمن يملك المنصة الأضخم، بل بمن يستطيع أن يربط البيانات بالقرار، والمصنع بساحة القتال، في وقت أقصر. ومن يملك القدرة على استنزاف خصمه لفترة أطول في حروب يتراكم فيها الأثر البطيء بأسلحة أرخص، لكنها فعالة.

ولهذا لا تبدو الدرونز مجرد بديل رخيص للمدمرات. إنها جزء من فلسفة عسكرية جديدة: لا تنتظر عشرين عامًا حتى تدخل منصة ضخمة الخدمة، بل جرّب، وعدّل، وأنتج، وادفع بالتكنولوجيا إلى الجبهة خلال أسابيع لا سنوات.

وهذا ما تقوله مراجعة الدفاع البريطانية حين تتحدث عن جيش يجمع بين المقاتلين التقليديين والرقميين، وعن قوة الدرونز والذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية التي لا تلغي “المعدن الثقيل” للدبابات والمدفعية، لكنها تكمله وتغير طريقة استخدامه.

الحرب الأرخص ليست رخيصة دائمًا

Crítica de “Rescate imposible”: Liam Hemsworth y Russell Crowe entre “Rambo” y “Duro de matar” | EscribiendoCine

لكن وصف هذا التحول بأنه انتقال إلى “حرب رخيصة” قد يكون مضللًا.

صحيح أن الدرون الواحد أرخص بكثير من سفينة حربية أو طائرة مقاتلة. وصحيح أن استخدامه يقلل الخسائر البشرية في الجانب المهاجم؛ لأنه يضع الآلة في مكان الجندي أو الطيار أو البحار.

لكن الحرب الرخيصة على مستوى القطعة قد تصبح باهظة على مستوى النظام كله.

فالمسألة لا تتعلق بشراء درونز فقط، بل ببناء شبكة كاملة: ذكاء اصطناعي، واتصالات آمنة، وحرب إلكترونية، ودفاع مضاد للدرونز، وتدريب سريع، ومصانع قادرة على الإنتاج الكثيف، وسلاسل إمداد لا تنهار في أول أزمة.

الدرونز تجعل الهجوم أرخص، لكنها تجعل الدفاع أكثر تعقيدًا.

فالخصم لا يحتاج دائمًا إلى تدمير سفينة كبرى كي يربكها. يكفي أن يغرقها بسرب من القطع الصغيرة، أو يجبرها على استهلاك صواريخ باهظة ضد أهداف رخيصة، أو يدفعها إلى العمل في بيئة مشبعة بالمراقبة والتهديد المستمر.

هذه هي معادلة الإغراق: أرسل عددًا كبيرًا من الأهداف الرخيصة، واجعل الخصم يدافع بأدوات أعلى تكلفة، أو يترك فجوات في دفاعه.

في حرب أوكرانيا، أصبح الإنتاج السريع للدرونز جزءًا من اقتصاد الحرب نفسه. وبريطانيا تعرف ذلك جيدًا. فقد أعلنت هذا الشهر حزمة بقيمة 750 مليون باوند لتزويد أوكرانيا بـ150 ألف درون أوكراني الصنع بحلول نهاية العام، إلى جانب أكثر من 350 صاروخًا ورادارًا للدفاع الجوي.

هذه الأرقام لا تقول إن الدرونز أداة هامشية، بل إنها أصبحت أداة تؤثر في الحرب، وتغير مفهوم الدفاع والهجوم على حد سواء.

ماذا تخسر البحرية؟

للمساهمة بتعزيز الأمن... بريطانيا ترسل سفينة حربية إلى الخليج

مع ذلك، لا يمكن تحويل الدرونز إلى إجابة سحرية.

فالسفن الكبرى لا تؤدي وظيفة قتالية فقط. إنها أيضًا أدوات حضور، وردع، وسيادة. فالمدمرة لا تحمل سلاحًا فحسب، بل تحمل علمًا، ورادارات، وصواريخ، وطاقمًا، وقدرة على البقاء في البحر، ومرافقة حاملات الطائرات، وحماية طرق التجارة، وإظهار أن الدولة قادرة على الوصول.

لهذا يثير إلغاء خطط استبدال المدمرات والفرقاطات سؤالًا حقيقيًا: هل تتعلم بريطانيا من المستقبل، أم تغطي عجز الموازنة بلغة المستقبل؟

فالتحول إلى الدرونز قد يكون تحديثًا ذكيًا إذا جاء فوق قوة بحرية متماسكة.

لكنه قد يصبح تراجعًا مقنعًا إذا استُخدم لتعويض نقص في السفن، والبحارة، والقدرة على الانتشار.

وهذا هو الخطر: أن تتحول التكنولوجيا الجديدة من إضافة إلى القوة، إلى بديل عن القوة.

معنى القوة يتغير

خطة الدفاع الجديدة تأتي وسط ضغط مالي واضح. وزير الدفاع دان جارفيس تعهد بنشر خطة الاستثمار الدفاعي قبل قمة الناتو، بعد مفاوضات طويلة حول التمويل، وفي ظل حديث عن مليارات إضافية لا تزال أقل مما يراه بعض العسكريين كافيًا لتحديث كامل.

لكن الأهم من الرقم هو الاتجاه.

بريطانيا لا تقول فقط إنها ستنفق أكثر. إنها تقول إنها تريد أن تنفق بطريقة مختلفة.

أن تتعلم من حرب أوكرانيا.

أن تتعامل مع الدرونز، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، بوصفها قلب الحرب الحديثة، لا مجرد ملحق تقني.

وأن تختبر ما إذا كانت القوة في القرن الجديد تعني امتلاك عدد أكبر من السفن، أم قدرة أسرع على الإنتاج، والتكيف، والإغراق.

من هنا تبدو عبارة “درونز بدل المدمرات” أكبر من عنوان صحفي.

إنها تلخص انتقالًا في الخيال والعقيدة العسكرية البريطانية.

من بحرية كبرى تقيس نفسها بعدد السفن، إلى قوة تبحث عن البقاء داخل حرب أسرع، وأرخص، وأكثر ازدحامًا بالتكنولوجيا.

لكن السؤال سيظل قائمًا: هل تكفي الدرونز لحماية دولة اعتادت أن ترى نفسها قوة بحرية عالمية؟

أم أن بريطانيا، وهي تتعلم دروس الحروب الجديدة، تخاطر بأن تتعلمها على حساب أدوات القوة القديمة، قبل أن تضمن أن البديل جاهز فعلًا؟


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 28 يونيو 2026
R to @AlARABINUK: برأيكم هل ينجح المنتخب الإنجليزي تحت قيادة توماس توخيل في الذهاب بعيدًا وتحقيق لقب مونديال 2026؟ التفاصيل في الرابط: https://alarabinuk.com/?p=233443
𝕏 @alarabinuk · 28 يونيو 2026
بريطانيا في 24 ساعة.. تقلبات مناخية حادة وعواصف تشل الطيران، ونشوة إنجليزية في كأس العالم 2026. #SeeingIfTheAlgorithmPrefers #IAmHome #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 28 يونيو 2026
أشادت وسائل إعلام محلية وسكان مدينة ليدز بالشابين البريطانيين المسلمين محسن قيوم (22 عامًا) ومحمد يوسف إقبال (20 عامًا) بعد أن خاطرا بحياتهما لإنقاذ زوجين مسنين وحفيدهما من منزل اشتعلت فيه النيران في منطقة كيركستال بمدينة ليدز، مساء الجمعة 26…
𝕏 @alarabinuk · 28 يونيو 2026
حلقة جديدة من برنامج “بريطانيا في أسبوع” مع حاتم الملاح، نبيل الصوفي، وصلاح عبدالله، نفتح فيها أبرز الملفات الساخنة في المشهد البريطاني هذا الأسبوع: تغييرات الهجرة، موجة الحر، مستقبل الحكومة وملفات أخرى مهمة. أسئلة كثيرة تُطرح اليوم: إلى أين تتجه…
عرض المزيد على X ←