العرب في بريطانيا | تحليل: لماذا لا تستطيع بريطانيا الحزن على ضحايا...

تحليل: لماذا لا تستطيع بريطانيا الحزن على ضحاياها بهدوء؟

تحليل: لماذا لا تستطيع بريطانيا الحزن على ضحاياها بهدوء؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لم تطلب عائلة ستيفن أوغيلفي كثيرًا.

لم تطالب بالانتقام. ولم تدعُ إلى مواجهة مع المهاجرين. ولم تطلب من السياسيين أن يتبنوا قضيتها بوصفها دليلًا على صحة مواقفهم.

كل ما طلبته، بعد أن فقد قريبها إحدى عينيه وتعرض لإصابات خطِرة كادت تودي بحياته، هو شيء أكثر بساطة: ألا تتحول المأساة التي أصابت أسرتها إلى وقود لمزيد من الكراهية والعنف.

An individual, dressed in a checkered shirt, is standing indoors and appears to be posing for a photograph. The setting features
ستيفن أوغيلفي-ضحية حادث الطعن في بلفاست.

لكن المشكلة أن الحوادث الكبرى لا تبقى ملكًا لضحاياها طويلًا.

فخلال ساعات من الهجوم الذي تعرض له أوغيلفي، خرج مئات المحتجين إلى شوارع أيرلندا الشمالية. اشتعلت الحرائق، وتطايرت الحجارة، واستخدمت الشرطة خراطيم المياه لتفريق الحشود. وسرعان ما تجاوز الجدل تفاصيل الجريمة نفسها، ليتحول إلى مواجهة أكبر بشأن الهجرة والحدود والهُوية والثقة في قدرة الدولة على فرض النظام.

وهنا تكمن أهمية ما جرى.

فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بمن ارتكب الجريمة، أو كيف ينبغي معاقبته، بل بمن يملك حق تفسير ما حدث أصلًا.

حين تغادر القصة أصحابها

في المجتمعات المنقسمة، لا تبقى المآسي الفردية فردية طويلًا.

وهذا ليس غريبًا في أيرلندا الشمالية تحديدًا، حيث ما تزال ذاكرة “الترابلز” حاضرة في الوعي الجمعي، رغم مرور عقود على اتفاق الجمعة العظيمة. فالبنية الاجتماعية هناك أكثر هشاشة من أن تتعامل مع كل حادث صادم بوصفه حادثًا معزولًا بالكامل.

The Troubles: Ireland’s and Britain's 30-Year War
ما تزال ذاكرة “الترابلز” حاضرة في الوعي الجمعي في أيرلندا الشمالية.

ولهذا تصبح كل حادثة كبيرة مرشحة لأن تتحول إلى رمز لمعركة أكبر منها. لا تعود القضية قضية شخص بعينه، بل دليلًا على شيء آخر: إخفاق الدولة، أو أزمة الهجرة، أو صعود الكراهية، أو انهيار التماسك الاجتماعي.

وبمجرد أن يحدث ذلك، تبدأ القصة بمغادرة أصحابها الأصليين.

وتتسارع هذه العملية مع وسائل التواصل الاجتماعي. فقبل أن تستقر الرواية الرسمية، تكون روايات أخرى قد بدأت بالانتشار، تربط الحادثة مباشرة بقضايا الهجرة والهُوية والغضب من الدولة. وفي بيئة مشحونة، يكفي مقطع مبتور أو تعليق غاضب ليصبح “حقيقة” تتداولها آلاف الحسابات خلال دقائق.

فاليمين يرى فيها دليلًا على حدود مفتوحة ودولة فقدت السيطرة على من يدخل إليها. واليسار يرى فيها تحذيرًا من مخاطر خطابات الكراهية.

وفي الحالتين، تصبح حياة إنسان حقيقي جزءًا من معركة سياسية وثقافية أكبر منه.

من يملك حق الغضب؟

Clashes erupt as police use water cannon near Belfast
اشتباكات بين المحتجين والشرطة. (يورو نيوز).

ربما تبدو الإجابة بديهية: الضحايا.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

فالغضب الناتج عن الجرائم العنيفة لا يبقى دائمًا داخل حدود العائلة أو المجتمع المحلي. بل يتحول أحيانًا إلى وسيلة يعبر من خلالها المجتمع عن مخاوف أوسع تراكمت عبر سنوات: مخاوف تتعلق بالهجرة، وبالأمن، وبالإحساس بأن الدولة لم تعد قادرة على حماية مواطنيها أو إدارة التغيرات الاجتماعية المتسارعة.

ولهذا لا يرى كثيرون أن ما يحدث مجرد “استغلال” لمأساة فردية، بل تعبيرًا عن مشكلات حقيقية لم تجد طريقها إلى النقاش العام إلا عبر هذه الحوادث الصادمة.

لكن الاعتراف بأن المجتمعات تحمل مخاوف حقيقية لا يعني قبول الطريقة التي تُترجم بها هذه المخاوف سياسيًا أو اجتماعيًا.

فالمجتمعات الكبيرة لا تقاس بغياب الجريمة عنها، بل بقدرتها على مواجهتها بحزم دون التخلي عن أحد أهم مبادئها: أن المسؤولية تظل فردية لا جماعية.

فالقاتل يُحاسب لأنه ارتكب جريمة، لا لأنه ينتمي إلى جماعة بعينها. وتحميل أبرياء آخرين وزر ما لم يفعلوه لا يعزز العدالة، بل ينقل الغضب من معاقبة الفاعل إلى معاقبة من يشبهه في الأصل أو الهُوية أو الخلفية الثقافية.

والمفارقة أن كثيرين من أبناء هذه الجماعات يكونون، في أحيان كثيرة، أكثر خوفًا من هذه الجرائم وأكثر رفضًا لها؛ لأنهم يدركون أن كل حادثة جديدة قد تتحول سريعًا إلى عبء جماعي يُحمّلون تبعاته، رغم أنهم لم يشاركوا فيها إلا بوصفهم مواطنين يريدون الأمن والعدالة مثل غيرهم.

وهنا تأتي التكلفة الأخلاقية والسياسية الأعمق.

فكلما اتسعت القضية لتصبح رمزًا لشيء أكبر، تراجعت المساحة المتاحة للاستماع إلى أصحابها الأصليين، وأصبحت المأساة الفردية أقل أهمية من المعاني التي يسقطها الآخرون عليها.

ليست مجرد اضطرابات في الشوارع

أعمال عنف وحرائق في بلفاست. (سكاي نيوز).

لا تكشف أحداث أيرلندا الشمالية فقط انقسامًا بشأن الهجرة أو الأمن أو أداء الشرطة.

بل تكشف شيئًا أكثر إيلامًا.

ففي بريطانيا المعاصرة، لا يكفي أن تكون ضحية حتى تحتفظ بحق رواية ما حدث لك.

فما إن تتحول المأساة إلى قضية عامة، حتى يبدأ الآخرون الحديث باسمك، وإعادة تعريف غضبك، واستخدام قصتك لإثبات ما كانوا يؤمنون به أصلًا.

وربما كانت أكثر العبارات إثارة للتأمل في الأيام الماضية هي تلك التي صدرت عن عائلة ستيفن أوغيلفي نفسها: “الكراهية لن تحقق العدالة”.

لكن السؤال الذي يبقى معلقًا هو: هل ما تزال المجتمعات المنقسمة قادرة على الإصغاء إلى الضحايا، أم أنها لم تعد تسمع إلا صدى معاركها الخاصة؟


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا