الأطباء وهيئة الصحة البريطانية NHS مهددون بالملاحقة القضائية لهذا السبب
يواجه الأطباء والكوادر الطبية وهيئة الصحة الوطنية البريطانية (NHS) خطر الملاحقة القضائية ورفع دعاوى “الإهمال الطبي” ضدهم؛ بسبب أخطاء وهفوات قد ترتكبها أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة حالياً في تشخيص المرضى واقتراح خطط لعلاجهم.
وجاء هذا التحذير الصارم في تقرير رفعه قطاع الرعاية الصحية إلى الوزراء في الحكومة البريطانية، منبهاً إلى أنه بموجب القوانين الحالية المعمول بها في البلاد، يمكن تحميل الأطباء والمنظومة الصحية المسؤولية القانونية الكاملة عن تعرض المرضى للأذى الجسدي أو الوفاة، حتى لو كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي هي المتسبب المباشر في تلك الأخطاء الكارثية التي أدت إلى معاناتهم.
المسؤولية القانونية وتأثيرها على الأطباء في بريطانيا
أوضحت “جمعية الحماية الطبية” (Medical Protection Society – MPS)، وهي الجهة الرسمية التي تدافع عن الأطباء المتهمين بارتكاب أخطاء مهنية، في تقريرها الجديد، أن الكوادر الطبية قد تتحول إلى ما يشبه “مصدر المسؤولية القانونية” (Liability Sink) -أي هدفاً رئيساً ومباشراً لدعاوى الإهمال الإكلينيكي- بسبب أخطاء برمجية وتقنية لم يرتكبوها بأنفسهم، ما لم تسارع الحكومة إلى إجراء تعديل وإصلاح جذري شامل للقوانين الحالية.
ويأتي هذا التحذير في وقت تتوسع فيه هيئة الصحة البريطانية (NHS) في استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض متعددة ومتزايدة يومياً، من أبرزها:
- تحليل صور الأشعة السينية (X-rays) والموجات فوق الصوتية والمسح الضوئي.
- توليد وتلخيص المحادثات والنقاشات الطبية التي تدور بين الأطباء والمرضى.
- صياغة مسودات الخطابات الرسمية الموجهة إلى المرضى بطريقة مؤتمتة.
وفي هذا السياق، صرحت الدكتورة سارة تاونلي، نائبة المدير الطبي في جمعية (MPS)، قائلة: “لقد كافح القانون دائماً ومشى ببطء لمواكبة التغيرات التكنولوجية. ولكن مع الذكاء الاصطناعي، أصبحت وتيرة التغيير سريعة للغاية، حتى إن الفجوة الحالية لم تعد مجرد خطوة متأخرة، بل تحولت إلى هوة سحيقة تزداد اتساعاً يوماً بعد آخر”.
كيف تقتل أخطاء الذكاء الاصطناعي المرضى في بريطانيا؟

ولتقريب الصورة وبيان حجم الخطر، ضربت جمعية الحماية الطبية أمثلة واقعية ومخيفة لما يمكن أن تسفر عنه أخطاء برمجيات الذكاء الاصطناعي:
- إغفال الأورام السرطانية: قد تخفق أداة الذكاء الاصطناعي في رصد ورم سرطاني في رئة المريض أثناء قراءة وتحليل صورة الأشعة السينية لمنطقة الصدر. هذا الخطأ يعطي طمأنة زائفة وخاطئة للمريض والطبيب على حد سواء، ما يؤدي إلى عدم تقديم أي علاج، ومن ثَمّ تفشي السرطان وانتشاره في الجسد حتى يودي بحياة المريض.
- الجرعات القاتلة لمميّعات الدم: قد يوصي النظام الذكي على سبيل الخطأ بزيادة جرعة عقار “وارفارين” (Warfarin) -وهو مميع دم يُستخدم لعلاج الرجفان الأذيني وأمراض القلب- ما قد يتسبب للمريض بنزيف حاد وقاتل، يستدعي نقله فوراً لإجراء جراحة عاجلة ودخول غرف العناية المركزة.
وأكدت الجمعية (MPS) أنه في مثل هذه السيناريوهات، هناك خطر حقيقي وكبير جداً من أن تُرفع الدعاوى القضائية ضد الطبيب البشري المعالج بسبب استخدامه لتلك الأدوات، محذرة: “بموجب إطار المسؤولية الحالي عن المنتجات في المملكة المتحدة، هناك خطر من توجيه دعاوى الإهمال السريري ضد الأطباء في هذه الحالات، وتحميلهم المسؤولية الكاملة والقانونية عن الخطأ”.
مطالب بتغيير القوانين لحماية الأطباء في بريطانيا

تطالب الهيئة الطبية الحكومة البريطانية بالمسارعة إلى إعادة تصنيف أدوات وأنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها “منتجات”، بحيث تخضع لنطاق وقوانين “قانون حماية المستهلك لعام 1987”.
وترى الجمعية أن هذه الخطوة التشريعية هي الحل الوحيد لحماية الأطباء وهيئة الصحة الوطنية، وتجنيبهم تحمل مسؤولية الأخطاء التي ترتكبها التكنولوجيا التي تصنعها شركات خارجية.
ويتزايد القلق بين الأطباء في بريطانيا من أن يصبحوا “شماعة” يُلقى عليها اللوم في الإخفاقات التكنولوجية، وسط مخاوف حقيقية من تراجع ثقة الجمهور بالطب والمنظومة الصحية ما لم تُتّخَذ إجراءات فورية تفرض المسؤولية القانونية والمالية على مصنعي هذه البرمجيات الذكية ومطوريها.
من جانبه صرح الدكتور راجيت فاريا، الرئيس المنتخب لـ”جمعية الطب الحاد” (Society for Acute Medicine)، بعبارات حاسمة قائلاً: “يجب أن يسير الابتكار التكنولوجي وسلامة المرضى معاً جنباً إلى جنب. إذا كان الذكاء الاصطناعي يتقدم بسرعة سيارات (فورمولا 1)، فلا يمكن ترك التشريعات واللوائح وأنظمة الحوكمة تقف عاجزة ومتأخرة في حارة الصيانة والمشاهدة”.
وأضاف الدكتور فاريا: “لا ينبغي للأطباء الممارسين أن يجدوا أنفسهم فجأة وهم يحملون جمرة المسؤولية الساخنة (Liability Hot Potato) عندما تكون القرارات الطبية قد تأثرت بأنظمة ذكاء اصطناعي طوّرتها وطبّقتها جهات أخرى دون وجود هيكل تنظيمي مناسب يحميهم. يجب علينا بكل قوة تجنب خلق فراغ في المساءلة تكون فيه المسؤولية عن الأذى غير واضحة وضائعة”.
تحرك حكومي مرتقب لحماية المنظومة الصحية في بريطانيا

تفاعلاً مع هذه الأزمة، أعلنت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية البريطانية (DHSC) أن هيئة “NHS Resolution” -وهي الجهة الرسمية المعنية بالتعامل مع دعاوى الإهمال والتعويضات ضد المستشفيات في إنجلترا- تعكف حالياً على صياغة وإعداد مبادئ توجيهية وإرشادية جديدة ومحددة تتعلق بالمسؤولية القانونية عن استخدام الذكاء الاصطناعي.
وقال متحدث رسمي باسم وزارة الصحة: “نحن نرحب بشدة بتقرير جمعية الحماية الطبية (MPS)، وسنراجع توصياته بدقة؛ لضمان استمرار المرضى في تلقي فوائد ومزايا الذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية بطريقة آمنة وسريعة دون الإخلال بالحقوق”.
وفي ختام التقرير، علق أحمد بن إسماعيل، كبير محللي السياسات في مؤسسة أبحاث الـ “Health Foundation”، مبيناً أبعاد الموقف: “تظهر أبحاثنا باستمرار أن ثقة الجمهور في تقنيات الذكاء الاصطناعي لا تعتمد فقط على التكنولوجيا نفسها ومدى تطورها، بل تعتمد بشكل أساسي على الضمانات والرقابة الصارمة التي ترافقها. ومع نمو وتوسع اعتماد الذكاء الاصطناعي في جميع مفاصل هيئة الـ (NHS)، فإن ضمان وجود مساءلة واضحة وحوكمة قوية سيكون أمراً جوهرياً وحيوياً للغاية للحفاظ على ثقة ويقين الجمهور بالمنظومة الطبية البريطانية”.
المصدر:الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇