من الإسكان الاجتماعي إلى سوق العمل.. مشروع بريطاني يبتكر طريقة ذكية للتوظيف
مشروع جديد لربط قطاع الإسكان بالتوظيف في بريطانيا، تبدأ الحكومة في اعتماده كبرنامج رائد لتقديم دعم “فوق محلي” (Hyperlocal) في 10 أحياء سكنية رئيسية بمختلف أنحاء إنجلترا، مبرزاً مؤشرات مبكرة واعدة على الفعالية والنجاح في دعم الشباب، وسط آمال رسمية بإمكانية تعميمه على نطاق وطني شامل.
وأظهر تقييم حديث لبرنامج “جوبز بلس” (JobsPlus) — المدعوم من وزارة العمل والمعاشات البريطانية (DWP) ومؤسسة “مستقبل الشباب” (Youth Futures Foundation) المستقلة غير الربحية — تركيزاً مكثفاً للمساعدات داخل مناطق جغرافية صغيرة تتكون في غالبية مواضعها من مجمعات الإسكان الاجتماعي (Social Housing)، مستلهماً تجربة أمريكية عريقة تقوم على تعيين “سفراء مجتمعيين” (Community Champions) في كل موقع للوصول إلى الأفراد الذين يصعب على مراكز العمل التقليدية التواصل معهم.
كسر حلقة البطالة داخل مجمعات الإسكان في بريطانيا

يستهدف برنامج “جوبز بلس” معالجة فجوة توظيف حادة في بريطانيا؛ حيث تُشير الإحصائيات الرسمية إلى أن قاطني الإسكان الاجتماعي أكثر عرضة للبطالة بنحو ضعف النسبة المسجلة بين بقية السكان ككل.
ويواجه العديد من المشاركين عوائق حقيقية تحول دون دخولهم سوق العمل، مثل الالتزامات والرعاية الأسرية أو المعاناة من أزمات صحية مختلفة.
ولمواجهة هذه التحديات، يقدم موظفو البرنامج حزمة متكاملة من الدعم تشمل:
- توفير توجيه وإرشاد فردي مباشر (One-to-one support) لكل حالة.
- تقديم مساعدات مالية لتغطية الاحتياجات الأساسية مثل شراء ملابس المقابلات الشخصية أو تكاليف النقل والمواصلات لتسهيل العثور على عمل.
- ربط الباحثين عن عمل مباشرة بأصحاب العمل المحليين، وبمكاتب التوظيف الحكومية (Jobcentre Plus)، أو بخدمات هيئة الصحة الوطنية (NHS).
وأكد التقييم المستقل أن المبادرة نجحت بالفعل في استقطاب وإشراك المقيمين الذين يعيشون عادةً في عزلة تامة عن سوق العمل، والذين قد يتطلب دمجهم فترات أطول ودعماً أكثر كفاءة وكثافة قبل تحقيق نتائج وظيفية ملموسة.
لغة الأرقام تحسم تجربة معالجة أزمة الإسكان في بريطانيا
كشفت الأرقام المحققة خلال الفترة الممتدة بين يوليو 2024 وديسمبر من العام الماضي 2025، عن نجاح 27 من مئة من بين أكثر من 1,000 مشارك في البرنامج في تحقيق نتيجة توظيف إيجابية؛ حيث تمكنت الغالبية العظمى منهم من الانتقال من حالة البطالة إلى وظيفة ثابتة، بينما نجح آخرون في الانتقال إلى وظائف أفضل وأعلى دخلاً.
ولم تقتصر نتائج المشروع الذكي على الجانب المادي فقط، بل امتدت لتشمل تحسين جودة الحياة، حيث رصد التقييم مكاسب إضافية للمشاركين تمثلت في: “تحسن ملحوظ في الصحة النفسية، بما في ذلك انخفاض مستويات القلق الشديد، وتراجع المزاج المنخفض والعزلة الاجتماعية، إلى جانب تعزيز القدرة على الصمود الإنساني”.
وأفاد العديد من المستفيدين بأن هذه التحسينات النفسية شكلت “مقدمات أساسية وضرورية للغاية” مكنتهم من التقدم لشغل الوظائف أو الحفاظ على استمراريتهم في العمل بمجرد تأمينه.
استهداف الشباب لإنقاذ جيل “النيت”(NEET) في بريطانيا

يأتي هذا التحرك الحكومي في وقت حساس للغاية؛ حيث يمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً نحو ثلث المسجلين في البرنامج حتى الآن بنسبة (31 من مئة)، مقارنة بنحو (12 من المئة) فقط من السكان المحليين في المناطق المؤهلة للاستفادة.
وتسعى حكومة حزب العمال البريطانية جاهدة لتجريب طرق مبتكرة لدعم الشباب وتوجيههم نحو الوظائف أو التدريب المهني، خاصة بعد أن تجاوز عدد الشباب (من سن 16 إلى 24 عاماً) غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التدريب — والمعروفين اصطلاحاً في بريطانيا باسم فئة “النيت” (NEET) — حاجز المليون شاب لأبرز مرة منذ عقد من الزمان.
ويقود الوزير السابق ألان ميلبورن حالياً مراجعة شاملة لهذه الأزمة لصالح الحكومة، حيث شدد في تقريره المرحلي الشهر الماضي على الحجم المقلق والمخيف لهذه المشكلة الوطنية.
وفي هذا الصدد، قال ستيفن إيفانز، الرئيس التنفيذي لـ “معهد التعلم والعمل” (Learning and Work Institute)، وهي المنظمة المستقلة للسياسات والأبحاث التي تتولى إدارة وتطبيق هذه المشاريع التجريبية: “مع وجود أكثر من مليون شاب حالياً خارج منظومات التعليم أو التوظيف أو التدريب في بريطانيا، فقد حان الوقت للانتقال فوراً من مرحلة التحليل والنقاش إلى مرحلة العمل الفعلي والميداني. نحن نرحب بشدة بالنتائج التي تثبت أن نهج (JobsPlus) فوق المحلي يمنحنا هذه الفرصة الحقيقية للتحرك؛ من خلال البحث الاستباقي عن الشباب ودعمهم في تجمعاتهم المحلية، وتقديم دعم شامل ينظر إليهم ويتفهم احتياجاتهم كبشر”.
خطط التوسع والربط مع قطاع الإسكان في بريطانيا

يتوزع المشروع التجريبي حالياً على 10 مواقع جغرافية بريطانية بارزة، تشمل مناطق: “ستوكتون-أون-تيز” (Stockton-on-Tees)، و”توكستث” (Toxteth)، و”ويرال” (Wirral) في منطقة ميرسيسايد، بالإضافة إلى منطقة “بينجي” (Penge) في جنوب العاصمة لندن، وتحظى هذه المواقع بتمويل مستمر ومؤمن من وزارة العمل والمعاشات (DWP) حتى مارس من العام المقبل 2027.
من جانبها، صرحت وزيرة التوظيف البريطانية، ديانا جونسون، قائلة: “هناك الكثير من الشباب في الوقت الحالي لا يستفيدون أو يصلون إلى الدعم المتاح لمساعدتهم، وهذا الوضع يجب أن يتغير حتماً. لهذا السبب نحن ندعم بقوة هذه الأساليب والحلول المبتكرة مثل (JobsPlus)، والتي تعمل بشكل مباشر مع المجتمعات المحلية لتقصي الشباب ومساندتهم”.
وأضافت الوزيرة جونسون مبيّنة تكامل الأدوار: “إن برنامج جوبز بلس يكمل تماماً التزامنا الحكومي بـ “ضمان الشباب” (Youth Guarantee) — والذي نلتزم من خلاله بمنح كل شاب وفتاة في بريطانيا فرصة حقيقية لكسب العيش أو التعلم — وذلك عبر الوصول الفعلي إلى أولئك الشباب الذين سقطوا أو باتوا الأكثر بعداً عن المنظومة والنظام العام”.
وفي ختام التقرير، أكد “معهد دراسات التوظيف” المستقل، الذي تولى إجراء التقييم الشامل للمشروع، أن البرنامج قابل تماماً للتوسع والتعميم ليصبح نموذجاً وطنياً يطبق في كافة أرجاء بريطانيا، لافتاً إلى أن إحدى الأفكار التجريبية التي تضمنها البرنامج كانت منح “مكافأة دخول العمل” بقيمة 400 باوند للأفراد الذين ينجحون في العثور على وظيفة ويستمرون فيها لمدة شهرين متتاليين، حيث تبين أنها كانت خطوة مفيدة ومحفزة للغاية.
المصدر:الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇