كيف استطاع أن يوجّه البندقية نحو الأطفال؟
ليست كل الجرائم سواء؛ فهناك جرائم تُرتكب في لحظة غضب، وأخرى تُولد من الطمع أو الخوف أو الجهل، لكن ثمة جرائم يعجز العقل عن تصنيفها، لأنها تتجاوز حدود الشر المألوف، وتدخل منطقةً معتمةً من الوحشية لا تكاد اللغة تجد لها اسماً، وحين يُذكر أطفال الدكتورة رانيا العباسي، لا يعود السؤال: كيف قُتلوا؟ يصبح السؤال الأشد قسوة: كيف استطاع القاتل أن ينظر إلى وجوههم أولاً؟
كيف استطاع أن يرى طفلاً لم يكتمل قاموسه اللغوي بعد، وطفلةً لم تحفظ من الدنيا سوى أسماء ألعابها، ثم يرفع سلاحه كأن الذي أمامه عدوٌّ مدججٌ بالحرب لا قلبٌ صغيرٌ يخفق خوفاً؟
ما الذي يحدث للإنسان حين يموت ضميره قبل أن يموت جسده؟
لقد قيل إن الانتقام يعمي البصيرة، لكن حتى الانتقام يحتاج إلى حدٍّ أدنى من الإنسانية كي يبقى فعلاً بشرياً. أما أن يتحول الأطفال إلى أهداف، فذلك ليس انتقاماً، فذلك انهيارٌ كامل لمعنى الإنسان نفسه.
كان أولئك الصغار يحملون أسماءً وأحلاماً ومستقبلاً لم يُكتب له أن يأتي. كانوا مشاريع حياة، لا مشاريع موت، وكانت لهم ضحكات تنتظر أيامها المقبلة، وحقائب مدرسية كان يفترض أن تثقلها الكتب لا أن تطويها المقابر المجهولة.
وحين نتخيل المشهد، تتكسر الكلمات، نتخيل طفلةً تبحث بعينيها عن أمها في اللحظة الأخيرة، وطفلاً يظن أن ما يجري كابوس عابر سينتهي بعد دقائق، وصغاراً لا يفهمون لماذا يقف الموت أمامهم بهذا القرب.
أيُّ قوة شيطانية تلك التي تجعل إصبعاً يضغط الزناد بينما تقف البراءة في الجهة الأخرى؟
وأيُّ قلب يستطيع أن يعود بعد ذلك إلى بيته، ويأكل ويشرب وينام، بعدما أطفأ عالماً كاملاً من الأحلام الصغيرة؟
إن أكثر ما يوجع في هذه الحكاية ليس الموت وحده، ولكن الظلم الذي سبق الموت؛ فالأطفال لم يُمنحوا فرصة الدفاع عن أنفسهم، ولم يُمنحوا فرصة الفهم، ولم يُمنحوا حتى فرصة الوداع.
لقد كانوا أبرياء إلى الحد الذي يجعل جريمتهم الوحيدة أنهم وُلدوا في عائلة أراد المجرمون الانتقام منها، وهكذا تحولت الطفولة إلى تهمة، وتحولت البراءة إلى ذنب، وتحولت الأجساد الصغيرة إلى ضحايا لكراهيةٍ أكبر من أعمارهم جميعاً.
وربما تمضي السنوات، وتتبدل الوجوه، وتسقط الأنظمة، ويختبئ القتلة خلف ألف رواية ورواية، لكن ثمة حقيقة لا تسقط بالتقادم:
أن الطفل الشهيد يظل شاهداً على قاتله إلى الأبد.
وأن دمعة أمٍ واحدةٍ تكفي لفضح ألف مجرم.
وأن أسماء أولئك الصغار ستبقى أنقى من كل البنادق التي وُجهت إليهم، وأبقى من كل الأيدي التي ضغطت الزناد.
أما القاتل، فلن يطارده فقط ما فعله، وإنّما ستطارده تلك الوجوه الصغيرة التي ظن أنها غابت؛ فالضحايا يموتون مرّةً واحدة، أما المجرمون فيحاكمهم التاريخ كل يوم.
الرابط المختصر هنا ⬇