لماذا تنصب الأعين على موقع رئاسة مجلس بلدية بيرمنغهام؟ ولماذا هو أهم من العمدة؟
في الوقت الذي احتفت فيه مدينة بيرمنغهام (Birmingham) بتنصيب السياسي البريطاني من أصل كشميري، زاكر شودري، بوصفه أول “لورد مايور” (Lord Mayor) مسلم في تاريخها، بقي السؤال السياسي الأهم داخل أروقة السلطة المحلية: من سيسيطر على رئاسة مجلس البلدية؟
ومع أن منصب “العمدة” أو “Lord Mayor” يحظى باهتمام إعلامي واسع النطاق؛ بسبب رمزيته التاريخية ومكانته البروتوكولية، فإن النفوذ الحقيقي في المدينة يتركز في منصب “رئيس المجلس البلدي” (Leader of the Council)؛ وهو المنصب التنفيذي الذي يدير فعلياً شؤون ثاني أكبر مدينة في بريطانيا.
وتزداد أهمية هذا المنصب في ظل الأزمة السياسية والمالية المعقدة التي تمر بها بيرمنغهام بعد إعلانها الإفلاس المالي عام 2023، إضافة إلى الانقسام الحاد الذي أفرزته انتخابات مايو 2026، التي انتهت من دون حصول أي حزب على أغلبية حاكمة.
وبحسَب النتائج الرسمية، حصل حزب (Reform UK) على 23 مقعداً، في حين توزعت بقية المقاعد بين الخضر والعمال والمحافظين والديمقراطيين الأحرار ومستقلين، ما أدى إلى برلمان محلي “معلّق” بلا أغلبية واضحة.
هذا الواقع جعل منصب رئيس المجلس محور مفاوضات وتحالفات مكثفة، في حين بقي منصب العمدة خارج الصراع التنفيذي المباشر، باعتباره منصباً غير سياسي من الناحية الرسمية.
الـ “لورد مايور”.. رمزية تاريخية بلا مخالب تنفيذية

يكشف النظام الإداري البريطاني المحلي عن اختلاف جذري بين المنصبين، مع أن كثيرين يخلطون بينهما بسبب استخدام كلمة “Mayor”.
فمنصب “Lord Mayor” في بيرمنغهام يعد منصباً مدنياً وتشريفياً بالدرجة الأولى؛ ووفقاً للموقع الرسمي لمجلس المدينة، فإن العمدة هو “المواطن الأول” للمدينة، ويتولى تمثيل بيرمنغهام وسكانها في المناسبات الرسمية داخل بريطانيا وخارجها.
كما يرأس جلسات المجلس البلدي من الناحية الإجرائية، ويشارك في الفعاليات الوطنية والخيرية واستقبال الوفود والدبلوماسيين وأفراد العائلة المالكة.
ويؤكد القانون المحلي البريطاني أن العمدة يجب أن يكون “غير تنفيذي وغير حزبي” أثناء فترة توليه المنصب، أي أنه لا يشارك في إدارة الملفات اليومية للمدينة ولا يتخذ القرارات السياسية أو المالية الكبرى.
ومن أبرز مهام العمدة البرتوكولية:
- رئاسة جلسات المجلس البلدي رسمياً من الناحية الإجرائية.
- تمثيل المدينة في المناسبات الوطنية والدبلوماسية.
- رعاية الأعمال الخيرية والمجتمعية ودعم التنوع الاجتماعي والثقافي.
- استقبال الشخصيات الرسمية، والوفود الأجنبية، وأعضاء العائلة المالكة.
ولكن يظل العمدة مجرداً من أي صلاحيات تنفيذية مباشرة تتعلق بالخدمات العامة، أو الموازنات، أو الضرائب، أو إدارة موظفي البلدية.
رئيس المجلس.. رئيس الحكومة المحلية والسلطة الحقيقية
في المقابل، يمثل رئيس المجلس البلدي السلطة التنفيذية الحقيقية والفعالة داخل المدينة؛ إذ يشرف على إدارة موازنات بمليارات الباوندات، ويتحكم مباشرة في ملفات الإسكان، والنقل، والنظافة، والتعليم المحلي، والرعاية الاجتماعية، والتخطيط العمراني، والاستثمارات.
كما يقود “الكابينت” (الأمانة التنفيذية) الذي يتخذ القرارات السياسية والإدارية اليومية.
ويُختار رئيس المجلس عادة من الحزب الأكبر، أو من التحالف السياسي القادر على تأمين أغلبية تشريعية داخل المجلس البلدي، ما يجعله أشبه برئيس حكومة محلية للمدينة.
ومن أبرز صلاحيات رئيس المجلس:
- تشكيل الإدارة التنفيذية للمجلس واختيار أعضاء “الكابينت”.
- تحديد أولويات الإنفاق العام وإدارة خطط التقشف والضرائب المحلية.
- الإشراف المباشر على الخدمات الأساسية والتفاوض مع الحكومة المركزية في لندن.
- قيادة السياسات الاقتصادية والتنموية، والتعامل مع الأزمات العمالية والمالية.
وتظهر أهمية هذا المنصب بوضوح في الأزمة المالية التي ضربت المدينة؛ إذ كان رئيس المجلس هو المسؤول السياسي المباشر عن إدارة تداعيات الإفلاس المالي التاريخي، وملفات تسويات المساواة الوظيفية، وأزمة إضرابات عمال النظافة التي تحولت إلى واحدة من أكبر الأزمات الخدمية في بريطانيا، في حين لم يكن العمدة -رغم حضوره الإعلامي- صاحباً للقرار في تلك الملفات.
مجلس معلق ومفاوضات الكواليس المستمرة

لهذا السبب، يرى مراقبون أن التركيز السياسي الحقيقي في بيرمنغهام ينصب على هُوية رئيس المجلس المقبل أكثر من العمدة الجديد؛ لأن هذا المنصب هو من سيحدد شكل التحالف الحاكم وسياسات المدينة المالية والخدمية.
وكان المجلس البلدي قد عقد جلسته السنوية في الـ19 من مايو 2026، إذ جرى رسمياً تنصيب زاكر شودري عمدة للمدينة وتعيين نائب له، إلا أن الجلسة انتهت من دون التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن قيادة المجلس؛ بسبب استمرار مفاوضات التحالفات المعقدة بين الأحزاب المختلفة.
وبحسب تقارير سياسية بريطانية، فإن المفاوضات الأبرز تركزت بين حزب الخضر، والديمقراطيين الأحرار، وبعض المستقلين، في محاولة لتشكيل إدارة تمنع حزب ريفورم (Reform UK) من السيطرة على المجلس رغم تصدره نتائج الانتخابات.
ويعكس ما يحدث في بيرمنغهام تحولاً أوسع في السياسة البريطانية المحلية، حيث تتراجع هيمنة الحزبين التقليديين (العمال والمحافظين) مقابل صعود قوى جديدة وتحالفات أكثر تعقيداً.
وفي خضم هذا المشهد، يبقى منصب العمدة رمزاً تاريخياً يعكس هُوية المدينة المدنية، أما السلطة الحقيقية فتظل في يد من ينجح في اقتناص رئاسة مجلس البلدية.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇