موجة سرقة المتاجر في بريطانيا تضرب المناطق الريفية النائية
لم تعد ظاهرة سرقة المتاجر في بريطانيا تقتصر على مراكز المدن الكبرى الصاخبة، بل امتدت إلى أكثر المناطق ريفية وعزلة في البلاد.
وفي إطار المتابعة المستمرة لملف الأمن المعيشي والاقتصادي، تكشف أحدث البيانات الصادرة عن قطاع التأمين في بريطانيا عن واقع مقلق يواجه أصحاب الأعمال والمتاجر الريفية، الذين باتوا فريسة لموجة غير مسبوقة من السرقات والاعتداءات المنظمة، ما يضع المجتمعات المحلية النائية أمام عقبات أمنية ومالية غير مسبوقة وضغوط تفوق طاقتها الاستيعابية.
الريف البريطاني في مرمى جريمة السرقة

أظهر بحث حديث أجرته شركة التأمين التجاري “إي إن إف يو ميوتشوال” (NFU Mutual) أن 9 من كل 10 تجار تجزئة في المناطق الريفية (بنسبة 91 في المئة) كانوا ضحايا لجرائم سرقة خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، ما يؤكد التأثير الواسع والعميق لارتفاع معدلات سرقة المتاجر حتى في أكثر أجزاء بريطانيا عزلة.
وتشمل هذه المتاجر الريفية محلات المزارع، بالإضافة إلى المتاجر التي تبيع الآلات والمعدات الأخرى.
ووفقًا للاستطلاع، بلغ المتوسط المالي للخسائر الناجمة عن الجريمة لكل تاجر متضرر نحو 83 ألف باوند خلال العام الماضي، في حين أفاد واحد من بين كل 20 ضحية بأن الجريمة كلفتهم أكثر من نصف مليون باوند.
ومع أن تجار التجزئة في مراكز المدن سجلوا أعلى مستوى للجريمة بنسبة 94 في المئة، فإن المتاجر في المناطق الحضرية الأخرى جاءت بنسبة (91 في المئة)، وتساوت معها المتاجر الريفية بالكامل إذ حققت نسبة (91 في المئة)، ما يوضح تقارب النِّسَب وضراوة الهجمة على الأرياف.
وتشير البيانات إلى أن نحو ربع تجار التجزئة في الريف الذين شملهم الاستطلاع عانوا من السرقة في أكثر من ست مناسبات، ما يعادل وقوع حادثة كل شهرين؛ وفي المقابل، فإن 5 في المئة فقط من تجار التجزئة الريفيين الذين وقعوا ضحايا للجريمة خلال العام الماضي تعرضوا لحادث واحد فقط.
سرقة متجر مزارع في “كنت”

يعد “جون هاريس”، وهو مزارع ومالك متجر مزرعة “بروديتش” (Broadditch) بالقرب من منطقة “غريفزيند” في مقاطعة “كنت”، واحدًا من هذه الأقلية الصغيرة (الـ5 في المئة) التي تعرضت لحادث واحد فقط، ورغم ذلك، تركت عملية الاقتحام والسرقة التي تعرض لها متجره في عيد الفصح الماضي أثرًا نفسيًا واقتصاديًا عميقًا.
ويستذكر هاريس، الذي يدير المتجر مع شقيقه “مارك” منذ عام 1990 -عندما بدآ في بيع الفواكه والخضراوات المحلية وغيرها من المنتجات في مبنى كان يُستخدم سابقًا لتنظيف التفاح وفرزه وتعبئته- تلك اللحظات قائلًا: “لقد شعرت وكأن الأمر شخصي، وكأنه ضربة قوية في الأحشاء. كان شعورًا غريبًا ومروعًا”.
وقد اقتُحِم متجر المزرعة في وقت متأخر من الليل خلال عطلة نهاية الأسبوع في عيد الفصح، وعمد الجاني إلى كسر نافذة السقف (المنور)، ثم حطم الأبواب الزجاجية الداخلية، قبل أن يدفع خزنة المتجر لتهوي من فوق درج السلالم وينقلها على عجلات إلى خارج المبنى.
وأضاف هاريس: “في العادة لا نترك أموالًا في المتجر، ولكن بسبب توقيت عطلة نهاية الأسبوع وتزامنها مع العيد، كانت هناك أموال في الخزنة أكثر من المعتاد”.
وتحتوي الخزنة المسروقة على 5000 باوند من الإيرادات، كما استولى الجاني أيضًا على صندوقين للتبرعات مخصصين لدار رعاية المرضى المحلية.
وعلى الرغم من وجود كاميرات مراقبة (CCTV) داخل المتجر، فإن الأخوين هاريس لم يكتشفا ما حدث إلا في اليوم التالي.
لاحقًا اتُّهِم رجل بارتكاب الجريمة، لكن القضية لم يُنظر فيها بعد أمام المحكمة.
عصابات سرقة منظمة وخسائر بالملايين
يأتي هذا البحث وسط تحذيرات متزايدة من تجار التجزئة بأن الارتفاع في معدلات سرقة المتاجر في السنوات الأخيرة كان مدفوعًا بعصابات إجرامية تستهدف المحلات التجارية بشكل منهجي ومنظم.
وفي سياق متصل، أفادت دراسة منفصلة صادرة عن “اتحاد التجزئة البريطاني” (British Retail Consortium) بتسجيل 5.5 مليون حادثة سرقة متاجر في عام 2025، ما كلف القطاع خسائر قُدرت بنحو 400 مليون باوند.
العنف ضد الموظفين
لم تتوقف الجرائم عند حد الخسائر المادية، بل امتدت لتطول سلامة العاملين؛ حيث أفاد نحو نصف تجار التجزئة الريفيين المستطلعة آراؤهم (46 في المئة) بأن موظفيهم تعرضوا لإساءات لفظية خلال الأشهر الـ12 الماضية، وأشار الربع إلى تعرض موظفيهم لاعتداءات جسدية.
كما أعرب أكثر من ثلاثة أرباع المستطلعة آراؤهم (77 في المئة) عن اعتقادهم بأن معدلات الجريمة قد ارتفعت بصفة عامة في بريطانيا خلال العام الأخير.
ولمواجهة هذه الأزمة مع تفاقم الوضع، جاء مشروع قانون الجريمة والشرطة الحكومي، الذي دخل حيز التنفيذ القانوني في نهاية شهر إبريل، ليعتمد عقوبة مستقلة وقائمة بذاتها بتهمة الاعتداء على موظفي التجزئة، كما ألغى الحد الأدنى البالغ 200 باوند لتصنيف السرقة بأنها “منخفضة المستوى”، وبات ينص على عقوبة قصوى تصل إلى السجن ستة أشهر.
دعوات للحذر وتشديد التدابير الأمنية

قالت “زوي نايت”، رئيسة القسم التجاري في مؤسسة “إي إن إف يو ميوتشوال” في تعليقها على هذه الظاهرة: “نحن ندرك تمامًا وعن قرب حجم الألم والاضطراب الذي يسببه المجرمون لمجتمعاتنا الريفية وتجار التجزئة من خلال هذه الأفعال القاسية. إن محلات المزارع غالبًا ما تكون مشاريع تديرها عائلات وتكون متجذرة في المجتمعات المحلية. وللأسف، فقد تم استهدافها في الماضي -ولا تزال مستهدفة- بسبب مواقعها النائية، لذا فمن الأهمية بمكان أن يتخذ المالكون الخطوات الوقائية اللازمة والمناسبة كافة لمحاولة ردع اللصوص”.
ومنذ اقتحام العام الماضي، قام الأخوان هاريس بتعزيز الإجراءات الأمنية في متجر المزرعة الخاص بهما، حيث قال جون هاريس: “لقد قمنا بتدعيم الأمن بالأقفال وأجهزة الإنذار. لقد كانت هناك دائمًا سرقات صغيرة في المزارع لأشياء مثل الديزل والدراجات الرباعية (Quad bikes)، ولكن الآن يبدو أن الأشياء يتم استهدافها وسرقتها بناءً على طلبات محددة مسبقًا (سرقة بالطلب)”.
المصدر:الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇