العرب في بريطانيا | هل يولد يسار بريطاني جديد؟ صعود «ريفورم» وتراجع...

هل يولد يسار بريطاني جديد؟ صعود «ريفورم» وتراجع العمال يعيدان رسم الخريطة السياسية في بريطانيا

هل يولد يسار بريطاني جديد؟ صعود «ريفورم» وتراجع العمال يعيدان رسم الخريطة السياسية في بريطانيا
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في اللحظة التي يواصل فيها اليمين الشعبوي تقدمه داخل بريطانيا، يبدو اليسار البريطاني نفسه وكأنه يدخل مرحلة إعادة تشكل عميقة، قد تغيّر ملامحه التي استقرت لعقود طويلة.

فالانتخابات المحلية الأخيرة لم تكشف فقط عن صعود قوي لحزب «ريفورم يو كيه» بقيادة نايجل فاراج، أو عن التراجع المؤلم لحزب العمال، بل أظهرت أيضًا أن المساحة الواقعة يسار العمال بدأت تتحرك من جديد: حزب الخضر يحقق اختراقات غير مسبوقة، ومشروع «يور بارتي» (Your Party) يحاول استعادة إرث جيريمي كوربين خارج حزب العمال، في حين تبدو القاعدة التقليدية لليسار البريطاني أكثر تشتتًا وغضبًا من أي وقت مضى.

British European Politics

لكن المفارقة أن هذا الحراك يحدث في لحظة صعود اليمين لا تراجعه. فبينما ينجح اليمين الشعبوي في توحيد جزء كبير من الغضب الشعبي بشأن الهجرة والهُوية وأزمة المعيشة، يبدو اليسار موزعًا بين مشاريع متعددة: يسار بيئي، ويسار احتجاجي، ويسار عمالي تقليدي يحاول العودة إلى “الوسط الآمن”.

الناخب البريطاني لم يعد يصوت انطلاقًا من الولاء

لفترة طويلة، قامت السياسة البريطانية على انقسام شبه ثابت بين المحافظين بوصفهم ممثلي يمين السوق والدولة التقليدية، والعمال باعتبارهم حزب الطبقة العاملة واليسار الاجتماعي. لكن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجيًا بعد البريكست، ثم تسارع مع التضخم وأزمة المعيشة وتراجع الخدمات العامة.

الناخب البريطاني اليوم لم يعد يتحرك وفق انتماء حزبي مستقر بقدر ما يتحرك بدافع الغضب والعقاب. ولهذا أصبح من الممكن أن يخسر حزب العمال ناخبين لمصلحة اليمين الشعبوي في مدينة صناعية، أو يخسر أصواتًا لمصلحة الخضر أو اليسار الراديكالي في المدن الجامعية والمناطق الحضرية.

المفارقة هنا أن هذه القوى المختلفة أيديولوجيًا تستفيد من الشعور نفسه: فقدان الثقة بالمؤسسة السياسية التقليدية.

ولهذا لا يمكن فهم صعود «ريفورم يو كيه» باعتباره مجرد نجاح انتخابي لنايجل فاراج، بل باعتباره تعبيرًا عن تحوّل أعمق داخل قطاعات واسعة تشعر بأن الأحزاب الكبرى لم تعد قادرة على تمثيلها أو حتى فهم غضبها.

لماذا يتقدم اليمين الشعبوي؟

BRITAIN-POLITICS-VOTE-PARTY-REFORM UK
نايجل فاراج زعيم حزب ريفورم يو كيه.

نجح «ريفورم يو كيه» في اختراق مناطق كانت تاريخيًا محسوبة على العمال، مستفيدًا من تراكم طويل من الأزمات: أزمة المعيشة، والغضب من الهجرة، والشعور بتراجع الهُوية الوطنية، وفقدان الثقة بالنخب السياسية، والإحساس بأن الطبقة السياسية الحاكمة في لندن منفصلة عن المدن المتضررة اقتصاديًا.

حتى في لندن نفسها، التي ظلت لسنوات معقلًا آمنًا لليسار الليبرالي، خسر العمال عددًا من المقاعد، في حين حقق كل من الخضر وريفورم تقدمًا واضحًا.

وفي دائرة باركينج وداجنهام (Barking and Dagenham)، وهي واحدة من أكثر المناطق ارتباطًا تاريخيًا بحزب العمال، تمكن «ريفورم» من دخول المجالس المحلية للمرة الأولى، في لحظة كثفت الأزمة التي يعاني منها حزب العمال بفقدانه أصواتًا لمصلحة اليمين حتى من داخل قواعده الآمنة.

اللافت هنا أن الحزب لا ينجح فقط بسبب خطابه عن الهجرة، بل لأنه يقدم نفسه كأداة احتجاج مباشرة ضد “النظام كله”. وهي النقطة التي تمنحه قدرة على جذب ناخبين كانوا يصوتون سابقًا للعمال، لا للمحافظين.

وهنا تظهر إحدى أهم أزمات حزب العمال الحالية. فالحزب الذي اعتاد لعقود أن يكون المعبّر الأساسي عن الغضب الاجتماعي داخل الطبقة العاملة، بدأ يفقد تدريجيًا احتكاره لهذه المساحة. جزء من هذا الغضب يذهب اليوم نحو اليمين الشعبوي، لا لأنه أصبح يمينًا بالضرورة، بل لأنه يبحث عن لغة أكثر رفضًا للسياسات القائمة وقدرة على التعبير عن خيبة الأمل اليومية.

أزمة حزب العمال… والعودة إلى الوسط

حين وصل كير ستارمر إلى قيادة حزب العمال، حاول إعادة الحزب إلى التيار التقليدي الأقرب إلى إرث “العمال الجديد” المرتبط بتوني بلير: حزب أكثر براغماتية، وأقل راديكالية، وأكثر قبولًا لدى المؤسسات الاقتصادية والإعلامية.

لكن هذه العودة إلى “الوسط الآمن” جاءت بثمن سياسي واضح.

فقطاعات من القاعدة اليسارية والشبابية بدأت ترى أن الحزب فقد شيئًا من هُويته الاحتجاجية، وتحول تدريجيًا إلى آلة إدارية باردة، تتحدث بلغة الانضباط المالي والحسابات الانتخابية أكثر مما تتحدث بلغة الغضب الاجتماعي.

BRITAIN-POLITICS-LABOUR
صعود جيرمي كوربين لزعامة حزب العمال لفترة لم تستمر طويلاً.

وهنا تعود أهمية ما يسميه بعض المراقبين “اللحظة الكوربينية”، أي مرحلة صعود جيريمي كوربين إلى قيادة حزب العمال بعد سنوات من هيمنة البليرية (نهج رئيس الوزراء الأسبق توني بلير) داخل الحزب. كانت تلك اللحظة محاولة لإعادة تعريف العمال بوصفه حزبًا أكثر عداءً للتقشف والحروب والسياسات النيوليبرالية، وأكثر قربًا من الحركات الاحتجاجية والنقابية.

لكن هذه التجربة انتهت سريعًا بعد الهزيمة الانتخابية الثقيلة عام 2019، ليعود الحزب مرة أخرى نحو خط أكثر قربًا من إرث توني بلير السياسي، وإن بصيغة أكثر حذرًا وأقل حماسًا أيديولوجيًا.

المشكلة أن جزءًا من القاعدة التي انجذبت إلى كوربين لم يختفِ، بل بقي يبحث عن تمثيل سياسي جديد خارج الحزب.

كيف تحول حزب الخضر إلى قوة يسارية؟

من الناحية التقليدية كان يُنظر إلى حزب الخضر في إنجلترا وويلز باعتباره حزبًا بيئيًا يركز على المناخ والطاقة والسياسات الخضراء. لكن الحزب تغيّر تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة، وبخاصة مع صعود قيادات أكثر راديكالية مثل زاك بولانسكي.

BRITAIN-POLITICS-ENVIRONMENT-GREENS
زاك بولانسكي زعيم حزب الخضر يتوسط أعضاء حزبه.

فالخضر اليوم يتبنون مواقف أقرب إلى اليسار الاجتماعي: توسيع الإنفاق العام، والإسكان الاجتماعي، وفرض قيود على الإيجارات، ومعارضة التقشف، إلى جانب مواقف مؤيدة بقوة لفلسطين.

وهذا ما جعل الحزب يتحول تدريجيًا من “حزب قضية واحدة” إلى ملاذ سياسي لقطاعات من اليسار الحضري والشبابي الساخط على العمال.

وجاء الفوز في دائرة غورتون ودينتون (Gorton and Denton) ليعزز هذا التحول، بعدما تمكن الخضر من الفوز بالمقعد متقدمين على العمال وريفورم معًا.

هذا الفوز لم يكن مجرد نتيجة انتخابية، بل رسالة سياسية واضحة: الخضر لم يعودوا مجرد حزب احتجاج صغير، بل أصبحوا منافسًا فعليًا على مساحة من يسار العمال نفسه.

وربما لهذا السبب بدأ بعض المحللين يتحدثون عن ما يشبه “التحالف الأحمر والأخضر”، أي المساحة السياسية الجديدة التي تجمع بين اليسار الاجتماعي التقليدي والقضايا البيئية والحقوقية، بوصفها التهديد الحقيقي لحزب العمال من يساره.

ما حقيقة «يور بارتي»؟

Your Party announce conference - but the battle for its soul continues | Politics News | Sky News
جيرمي كوربين وزارا سلطانة.

في المقابل، ظهر مشروع «يور بارتي» (Your Party) كمحاولة لإحياء التيار اليساري الذي التف سابقًا حول جيريمي كوربين، عبر نموذج “قيادة جماعية” يضم كوربين، وزارا سلطانة، وشخصيات من النقابات والحركات الاجتماعية.

لكن المشروع يواجه مشكلات حقيقية منذ البداية: ضعف البنية التنظيمية، وغياب ماكينة انتخابية قوية، والتداخل الكبير مع جمهور الخضر، وصعوبة بناء حزب وطني جديد داخل نظام انتخابي يعاقب الأحزاب الصغيرة.

بل إن جزءًا كبيرًا من المهتمين بـ«يور بارتي» هم أنفسهم منفتحون على التصويت للخضر أيضًا، وهو ما يكشف أن المعركة الحقيقية تدور على القاعدة نفسها تقريبًا.

والمفارقة أن المشروع الذي وُلد أساسًا احتجاجًا على ابتعاد العمال عن يساره التقليدي، يجد نفسه الآن ينافس حزب الخضر أكثر مما ينافس العمال أنفسهم.

لماذا يبدو توحيد اليسار صعبًا؟

من الناحية النظرية، توجد تقاطعات واضحة بين الخضر، وأنصار كوربين، وبعض المستقلين، والنقابات المناهضة للتقشف والحروب. لكن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير.

فالخضر لا يريدون التحول إلى مجرد جناح داخل مشروع يقوده كوربين، ولا سيما بعدما بدأ الحزب يحقق اختراقات انتخابية مستقلة. وفي المقابل، لا يزال كوربين شخصية شديدة الاستقطاب داخل الإعلام والسياسة البريطانية.

أما جورج غالاوي، فرغم حضوره الإعلامي، فإنه يثير انقسامات حتى داخل قطاعات من اليسار نفسه، ما يجعل فكرة بناء تحالف واسع ومستقر حوله شديدة الصعوبة.

ولهذا يبدو السيناريو الأقرب حاليًا ليس “حزبًا يساريًا موحدًا”، بل شبكة من التنسيقات الانتخابية والتحالفات الموضعية لمنع تشتت الصوت اليساري في مواجهة صعود اليمين الشعبوي.

ولا سيما أن صعود «ريفورم يو كيه» بات يقلق حتى قطاعات من الخضر واليسار المستقل، بعدما بدأ الحزب ينجح في الوصول إلى جمهور كان تاريخيًا قريبًا من العمال: الطبقة العاملة البيضاء، والمدن الصناعية المتضررة، والناخبين الغاضبين من النخب السياسية.

هل انتهى نظام الحزبين في بريطانيا؟

Prime Minister Faces Backlash After Raucous Commons Debate

ربما لا تزال الإجابة المباشرة مبكرة، لكن ما يحدث يشير بوضوح إلى أن النظام التقليدي الذي حكم بريطانيا لعقود يفقد تدريجيًا قدرته على احتواء الغضب الاجتماعي داخل ثنائية مستقرة بين العمال والمحافظين.

فالعمال يفقدون احتكارهم لليسار، والمحافظون يفقدون جزءًا من اليمين لمصلحة «ريفورم»، بينما يتحول الخضر من حزب احتجاج إلى لاعب وطني حقيقي.

وربما تكون المفارقة الكبرى أن البريكست، الذي قُدم باعتباره لحظة “استعادة السيطرة”، كان في الواقع بداية مرحلة فقدت فيها السياسة البريطانية كثيرًا من توازنها القديم.

فمنذ ذلك الاستفتاء، لم تهدأ البلاد فعليًا، بل انتقلت من أزمة إلى أخرى: انقسام بشأن الهُوية، وغضب اقتصادي، وحروب ثقافية، وتراجع ثقة بالمؤسسات، وناخب يتحرك بسرعة بين الأحزاب دون ولاء ثابت.

وفي قلب هذا المشهد، تبدو بريطانيا وكأنها تدخل عصرًا سياسيًا جديدًا: أكثر تشظيًا، وأكثر غضبًا، وأقل قابلية للعودة إلى قواعد اللعبة القديمة.


 

اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 24 مايو 2026
"أقيموا الدولة الفلسطينية وسنعيش كالإخوة كما كنا في العهد العثماني"... الحاخام اليهودي حاييم سوفر يفكك أكاذيب الدولة الصهيونية المزعومة وكل من يدعي أحقيتها في الوجود، في لقاء مع المؤثرة الرومانية نيكول جينز والممثل الكوميدي الإيرلندي تادج هيكي. @NicoleJenes1 @TadhgHickey #العرب_في_بريطانيا…
𝕏 @alarabinuk · 24 مايو 2026
R to @AlARABINUK: تقارير صادمة ونقاشات حاسمة: https://alarabinuk.com/?p=227288
𝕏 @alarabinuk · 24 مايو 2026
عطلة نهاية أسبوع استثنائية فوق صفيح ساخن.. بريطانيا تعيش 24 ساعة حافلة بقرارات تقنية مصيرية، وأزمات مجتمعية مفاجئة، وأجواء مناخية غير معتادة، ولكن ما قصة جيل غرف النوم؟ #شاهد #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 24 مايو 2026
هذا ما يفعلونه أمام الكاميرات، فكيف خلفها؟ بسؤال جريء هز أروقة البرلمان، النائب البريطاني كيت مالتهاوس يهاجم كذب الحكومة وتضليلها بشأن ما يحدث في غزة ولبنان، ليؤكد أن المجازر مستمرة وأن بن غفير يواصل إجرامه أمام الكاميرات وخلفها دون حسيب…
عرض المزيد على X ←