انتخابات محلية بأصداء عالمية
بظهور النتائج النهائية للانتخابات التي أقيمت يوم الخميس السابع من مايو، بدا واضحًا أنها وإن كانت انتخابات محلية (بلدية وبرلمانية)، فإن تداعياتها تتعدى المحلية من أوجه عدة.
فمع أن مثل هذه الانتخابات تأتي على غير هوى الحزب الحاكم فيُمنى بخسائر يكون بعضها مفاجئًا، فإن هذه الانتخابات سددت ضربات قد تثبت الأيام القادمة أنها قاضية على حزب العمال، الذي اكتسح الانتخابات البرلمانية قبل عامين بالتمام. بل ذهبت عدة تقارير إلى أن نتائج حزب العمال في إنجلترا وفي ويلز تعد الأسوأ على الإطلاق في سجل الحزب.
ومما يزيد من فداحة الخسارة، أن حزب ريفورم (الإصلاح) اليميني المتطرف قد حقق فوزًا كبيرًا على صعيد الانتخابات البلدية في إنجلترا، ما يمنع حزب العمال من رفع العذر المعتاد في مثل هذه الظروف، بأن أصوات الناخبين انقسمت بين الأحزاب اليسارية، أو أن الحزب الذي أخذ أصوات ناخبينا “سرق” سياساتنا وأفكارنا وزعم أنها له، أو ما شابه ذلك من أعذار اعتادها الناخب البريطاني منذ الثورة الإعلامية، التي جعلت المنصات الإعلامية بمختلف صورها ساحات لإصدار الأحكام وتنفيذها.
ومع أن جل التوقعات واستطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات أكدت هذه النتيجة، فإن حجم خسارة العمال مقابل حجم فوز ريفورم، يجعل من النتيجة تأتي بطعم أشد مرارة للخاسر، كما يجعل العناوين الإعلامية أكثر فجاجة وصراحة وإيلامًا.
ورغم هذا الفوز الكبير لريفورم فقد جاء دون الأرقام الفلكية التي كان الحزب يأمل الحصول عليها، ولا سيما في انتخابات اسكتلندا وويلز البرلمانية المحلية، وكان من اللافت أن كثيرًا من الأصوات التي كان الحزب يتوقع الحصول عليها، ذهبت لحزب المحافظين، الذي كان هو الآخر يتوقع أن يُمنى بخسارة فادحة، ما دفع بعض المحللين للتيار اليميني البريطاني أن يفسروا الأمر على أنه انقسام بين أولئك الذين وجدوا في “بركزت” أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام ٢٠١٦، سببًا في الأزمات الاقتصادية المتتالية التي يعاني منها البلد فبقي هؤلاء على ولائهم لحزب المحافظين، وبين أولئك الذين يعدون “بركزت” من الخطوات العبقرية مهما تمخض عنها من كوارث وويلات، فصوّتوا لحزب ريفورم اليميني المتطرف.
الأحزاب الصغيرة والمتوسطة
غير أنه لا يمكن المرور على نتائج الانتخابات دون التعرض لأمرين مهمين، الأول هو حجم الأحزاب المتوسطة والصغيرة، ودور الأقليات في التأثير على النتائج النهائية.
فبالنسبة للأحزاب الصغيرة، فلا شك أن حزب الديمقراطيين الأحرار يعد من أكبر الفائزين، حيث حقق أرقامًا لا تتناسب مع حجم تمثيله المتواضع في البرلمان البريطاني، يفسر المحللون ذلك بأنه اقتنص أصوات الحانقين على حزب العمال الحاكم والذين لم يستسيغوا الذهاب بعيدًا إلى ريفورم فبقوا في ساحة الوسط، في حين يشير آخرون إلى سجل الديمقراطيين الأحرار الناصع على مستوى الحكومات المحلية والبلديات على مدار الثلاثين عامًا المنصرمة، وخطابهم المتوازن ورئيس حزبهم ذي الشخصية الجاذبة.
صعود حزب الخضر
من جانب آخر، فقد بات حزب الخضر هو حديث الجميع، حيث اقتحم هذا الحزب الصغير تقليديًا، الذي لم يكن يسبب ضوضاء في الساحة السياسية وكان يعتني بالقضايا الهادئة عمومًا من بيئة وحريات شخصية، فكان دومًا كالضيف الهادئ الذي يأتي مرحبًا به من قبل الجميع، فلا ينطق بكلمة ثم يغادر وسط احتفاء الجميع، فلا هو أعطى ولا هو أخذ، اقتحم المشهد السياسي بعنفوان غير مسبوق ومنذ عام ٢٠٢٥ حيث تولى زعامته شاب يهودي ذو شخصية كاريزمية آسرة وطرح سياسي شجاع، لا سيما في القضايا الإشكالية الكبرى كالمجزرة الإسرائيلية في غزة وقضية المهاجرين وملف الأقليات، فأخذ الجميع على حين غرة، وجذب إلى الحزب، على غير المعهود، جيل الشباب البريطاني الرافض للنهج السياسي التقليدي، بالإضافة إلى شريحة واسعة من المجتمع البريطاني المسلم والذي لم يفكر يومًا بالتصويت لحزب الخضر قبل أن يتولى رئاسته زاك بولانسكي.
فبعد الزلزال السياسي الذي أحدثته الانتخابات الثانوية في دائرة غورتن أند دنتن في ضواحي مانشستر في شهر فبراير المنصرم، الذي شهد اصطفافًا للمسلمين مع مرشحة الخضر اليهودية الشابة ما أدى لفوزها الكبير، بات بولانسكي وحزبه “الصغير” محط أنظار بل وهدفًا لهجمات الإعلام البريطاني التقليدي المملوك من قبل أثرياء صهاينة، ما زاد من شعبيته وسط أنصاره الجدد والذين وجدوا خطابًا سياسيًا جديدًا خارجًا عن الحدود والقواعد النمطية وبعنفوان لم يعهدوه في حال السياسيين التقليديين من شتى الأحزاب. ومع أنه لم يحقق الأرقام التي كان الكثيرون يأملون، فإنه زاد من عدد مقاعده في الدوائر البلدية بنسبة تصل إلى ١٥٠ في المئة وفاز بدوائر بلدية لم تعرف من قبل سوى مجالس عمالية واخترق مدينة لندن العصية عليه من قبل من خلال فوز مرشحتين بمنصب عمدة لضاحيتي هاكني ولويشام.
الأقليات وتأثيرها في الانتخابات
أما بالنسبة للأقليات، وبالأخص الأقلية المسلمة والعربية، فمما لا شك فيه أن مستوى الوعي بأهمية الممارسة الديمقراطية وبأثرها على القضايا المختلفة المحلية والوطنية والخارجية، في ازدياد، وإن كان لا يزال دون المأمول. غير أن منصات كالصوت المسلم والصوت العربي أصبحتا محط اهتمام شرائح واسعة من المسلمين والعرب، ومن سواهم ممن يهتم بالشأن الانتخابي والمشاركات السياسية ويغطيها إما احتفاء أو نقدًا وتهجمًا.
كما أن زيادة أعداد المرشحين من المسلمين ومن ذوي الأصول العربية بات مشهدًا لافتًا، ما ينبئ بزيادة الثقة لدى أفراد الأقليات في البروز لتحديات الترشح وخوض غمار منافسات الانتخابات بمختلف أصنافها، وكذلك مستوى الثقة بالمنظومة السياسية وبإمكانية التأثير عليها من خلال دخول مساراتها المختلفة. وما فوز كامل حواش ذي الأصول الفلسطينية وحسام الحراحشة ذي الأصول الأردنية ومصطفى أحمد ذي الأصول اليمنية في مجالسهم البلدية في برمنغهام وغرب لندن وشفيلد على التوالي إلا تعبيرًا عن تلك الظاهرة، إضافة إلى آخرين كثر ترشحوا ولم يحظوا بالفوز.
انتخابات ٢٠٢٦ وتداعياتها القادمة
اعتاد المواطن البريطاني ومنذ عقود أن تمر الانتخابات المحلية دونما ضجيج أو صخب، بل ودون أن يعرف الكثيرون بحصولها أو يتعرفوا إلى المرشحين أو مواقفهم إزاء القضايا الساخنة، غير أن انتخابات عام ٢٠٢٦، ستبقى تحمل أصداء مدوية لفترة قادمة غير وجيزة، لا سيما إذا دفعت رئيس الوزراء للاستقالة إبان النتيجة الكارثية التي مُني بها حزبه، أو أدت بشكل من الأشكال إلى تقديم موعد الانتخابات البرلمانية العامة عن موعدها في عام ٢٠٢٩.
ومن سمات هذه الانتخابات التي يتوقع أن يبقى أثرها، هو حضور قضايا دولية كبرى رغم صفتها المحلية. فغزة كانت حاضرة وبقوة لا يمكن نكرانها، بل كانت محل تساؤل واستهجان الإعلام النمطي الذي يبدو أنه يخسر المزيد يومًا بعد يوم؛ نتيجة لمواقفه التي بات يرفضها جل الشعب البريطاني على مختلف مشاربه، وقضية المهاجرين ومنسوب الكراهية للإسلام والمسلمين (الإسلامافوبيا) والعنصرية الفجة، سوى القضايا المحلية البارزة وعلى رأسها أزمة تكاليف المعيشة، التي تعد نتيجة من نتائج الفوضى التي تتسم بها السياسات والمواقف الدولية كحرب أوكرانيا وحرب إيران، كل ذلك يجعل انتخابات عام ٢٠٢٦ المحلية محطة مهمة يكون لها ما بعدها محليًا ووطنيًا ودوليًا.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇