تواجه الشرطة في بريطانيا تحولاً مهماً في طريقة التعامل مع الآثار النفسية التي يتعرض لها الضباط والموظفون أثناء الخدمة، حيث تستعد الحكومة لفرض نظام جديد يُعرف باسم “متتبع الصدمات النفسية”، يهدف إلى تسجيل ورصد الأثر النفسي الناتج عن التعرض لحوادث الوفاة وسوء المعاملة والإهمال.
وكانت وزارة الداخلية البريطانية قد نشرت في يناير ورقة بيضاء أوضحت فيها خطة تشريعية لجعل أنظمة تتبع الصدمات إلزامية في جميع قوات الشرطة البالغ عددها 43 قوة في إنجلترا وويلز.
نظام رقمي لتوثيق التعرض للحوادث الصادمة
شرطة
يقود تطوير هذا النظام المفتش ستيوارت كينغ، وهو ضابط شرطة يتمتع بخبرة تمتد لـ23 عاماً، وقد ساهم في تطوير نموذج أولي يتم استخدامه حالياً داخل شرطة أفون وسومرست.
ويعتمد النظام على ربط الرقم التعريفي لكل ضابط (رقم الكتف) بكل حادث صادم يتعامل معه خلال مسيرته المهنية، ما يخلق سجلاً رقمياً دائماً يوضح حجم التعرض التراكمي للصدمات، ويضمن عدم فقدان هذه المعلومات مع تغيّر المناصب أو المشرفين.
من تجاهل الصدمة إلى الاعتراف بها
قال المفتش ستيوارت كينغ إنه عند بداية خدمته عام 2003، لم يكن مفهوم “الصدمة النفسية” مطروحاً بشكل واضح داخل العمل الشرطي، مضيفاً أن التعامل مع الحوادث الصعبة كان يُنظر إليه كجزء طبيعي من المهنة يجب تجاوزه دون نقاش.
لكن هذا النهج، بحسب الدراسات، كان له أثر سلبي واضح. فقد أظهرت دراسة صدرت عام 2018 بعنوان “الشرطة: الوظيفة والحياة” أن أكثر من 90% من ضباط الشرطة في بريطانيا تعرضوا لحوادث صادمة خلال عملهم، فيما يعاني نحو 20% منهم من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بمستويات سريرية.
من الاستجابة بعد الأزمة إلى الوقاية المبكرة
حتى الآن، كان نظام الدعم النفسي يعتمد بشكل كبير على الاستجابة بعد ظهور علامات التدهور النفسي على الضباط، وليس الوقاية المسبقة.
أما النظام الجديد فيسعى إلى تغيير هذا النهج، من خلال تحليل قواعد بيانات الجرائم لتحديد الحوادث ذات التأثير العالي، مثل حوادث الطرق المميتة، وجرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال، وحالات الوفاة المفاجئة، بهدف رصد مستويات التعرض قبل وصول الضابط إلى مرحلة الانهيار النفسي.
تحليل التراكم المهني عبر سنوات الخدمة
يمتد النظام الجديد ليشمل تحليل البيانات التاريخية لما يصل إلى 20 عاماً، بهدف فهم “التراكم التدريجي” للتجارب الصادمة خلال مسيرة الضابط المهنية.
وأوضح كينغ أن الهدف هو عدم التقليل من حجم التعرضات النفسية التي قد تتراكم على مدار سنوات طويلة من الخدمة، والتي قد لا تكون واضحة بشكل فردي لكنها مؤثرة على المدى البعيد.
الصدمة لا تقتصر على الضباط الميدانيين
شرطة
كشف النظام أيضاً أن التأثير النفسي لا يقتصر على الضباط العاملين في الخطوط الأمامية، بل يمتد ليشمل موظفين في مهام خلفية مثل متلقي المكالمات، ومحللي الأدلة الرقمية، وفنيي مسرح الجريمة، الذين قد يتعرضون لمستويات مماثلة من الضغط النفسي والصدمات.
وأشار كينغ إلى أن هذه الفئات كانت تُعتبر سابقاً “غير مرئية” من حيث التأثير النفسي، رغم حجم المعاناة التي قد تواجهها.
أداة لإدارة المعرفة داخل المؤسسات الشرطية
يساعد النظام الجديد أيضاً في سد فجوة معرفية داخل المؤسسات الشرطية، حيث قد ينتقل الضباط بين وظائف وأقسام مختلفة دون أن يكون لدى المشرفين الجدد صورة واضحة عن تاريخ تعرضهم للحوادث الصادمة.
وبذلك يوفر المتتبع رؤية شاملة تساعد المديرين على فهم الحالة النفسية التراكمية لكل فرد ضمن الفريق.
دعم نفسي مبني على الحوار
أكد كينغ أن النظام لا يهدف إلى المراقبة أو التقييم العقابي، بل إلى استخدام البيانات كأداة لبدء حوار داعم بين الضباط ومشرفيهم.
وأوضح أن النظام يتضمن خيار الانسحاب، وأن الهدف الأساسي هو تحسين الرعاية النفسية عبر تساؤلات مباشرة مثل: “لقد لاحظنا ارتفاع مستوى تعرضك للصدمات، كيف تشعر؟”.
نحو إصلاح شامل في رعاية الصحة النفسية
من المتوقع أن توفر البيانات الناتجة عن هذا النظام قاعدة علمية تدعم زيادة التمويل المخصص لخدمات الصحة النفسية داخل الشرطة البريطانية، مع العمل على تطويره بالتعاون مع جامعة باث لضمان تقييم أكاديمي مستقل.
ويرى مطورو النظام أن طبيعة العمل الشرطي ستبقى بطبيعتها مليئة بالتعرض للحوادث الصادمة، لكن التعامل مع هذا الواقع ودعمه نفسياً لم يعد خياراً يمكن تجاهله.
واختتم المفتش ستيوارت كينغ بالقول إن التحدي لا يكمن في إيقاف التعرض للصدمات، بل في كيفية إدارتها والاعتراف بها وتقديم الدعم المناسب لمن يعيشها يومياً.