كيف يسيطر “اللوبي الإسرائيلي” على وسائل الإعلام في بريطانيا؟
في الوقت الذي تُصدّر فيه وسائل الإعلام البريطانية سردياتها عن “النزاهة” و”حرية الصحافة”، يكشف تحليل استقصائي دقيق أجراه موقع (Declassified UK) عن واقعٍ مغاير بالكامل؛ حيث يظهر أن المؤسسات الإعلامية الكبرى في بريطانيا لا تكتفي بتجاهل نفوذ “اللوبي الإسرائيلي”، بل تعمل -بوعي أو بلا وعي- كأداة لشرعنة هذا النفوذ وطمس أثره عن الوعي العام.
التحليل، الذي رصد تغطية سبع مؤسسات إعلامية كبرى على مدار عامين، يُفضي إلى نتيجة صادمة: “اللوبي الإسرائيلي” في بريطانيا ليس مجرد جماعة ضغط، بل هو هيكل سياسي خفي يمتلك القدرة على توجيه الأجندات، بينما يمنع الإعلام أي نقاش بشأن هذا التأثير تحت طائلة تهمة “معاداة السامية”.
استراتيجية “المحو”: اللوبي ككلمة محظورة
ويظهر التحليل أن غياب مصطلح “اللوبي الإسرائيلي” من التداول الإعلامي ليس مصادفة، بل هو قرار تحريري منهجي. فقد رصد الباحثون أن هذا المصطلح لم يظهر في سبع مؤسسات إعلامية كبرى، منها الـ”بي بي سي” و”التلغراف” و”الغارديان”، إلا 16 مرة فقط خلال عامين، وكانت في الغالب إشارات عابرة في مقالات الرأي لا في التقارير الإخبارية.
أما عند استخدام المصطلح، فقد وُضع غالبًا بين “علامات تنصيص” ليوحي للمتلقي بأنه “مجاز” أو “نظرية مؤامرة” لا وجود لها على أرض الواقع، ما يحوّل النقاش الجاد بشأن النفوذ السياسي إلى اتهام بالانحياز.
وبينما يُمنع الحديث عن “لوبي”، تفتح الصحافة البريطانية صفحاتها على مصراعيها لمجموعات مثل “أصدقاء إسرائيل في حزب العمال” (LFI) و”أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين” (CFI). وقد رصد التحليل نحو 300 مقال تشيد بهذه المجموعات أو تشير إليها كجزء من العمل السياسي المشروع.
هنا تكمن “اللعبة”، حيث تُسوَّق هذه المجموعات بوصفها “كيانات ديمقراطية” في حين يُحجب ربطها بـ”اللوبي الإسرائيلي” الأوسع. هذا التعتيم يمنع الرأي العام من إدراك حقيقة أن هذه المجموعات لا تعمل في إطار العلاقات العامة فقط، بل هي محرك رئيس لسياسات خارجية بريطانية (مثل معارضة حظر الأسلحة عن إسرائيل أو حظر منظمات معينة)، وتتلقى تمويلات لا تزال ترفض الإفصاح عن مصادرها.
هندسة الصمت: كيف يفرض “اللوبي الإسرائيلي” حصارًا على سردية الإعلام البريطاني؟

الجواب يكمن في “الترهيب المفاهيمي”. يشير التقرير إلى أن الصحافة البريطانية وقعت في فخ ربط الاعتراف بوجود اللوبي بـ”معاداة السامية”.
فصحيفة “التلغراف” -على سبيل المثال- تروّج لنظريات تصف المطالبة بفتح تحقيق في نفوذ اللوبي بأنها “نظرية مؤامرة بشأن قوى يهودية خفية”، وهو أسلوب يسعى إلى إسكات أي نقد. أما “الغارديان”، التي يُفترض أنها تمثل اليسار الليبرالي، فقد أثبت التحليل أنها تخضع للضغوط ذاتها، حيث تتراجع عن سردياتها وتعتذر عن تقارير قد تمس نفوذ اللوبي الإسرائيلي؛ تجنباً لغضب مجموعات الضغط.
إن النتيجة المترتبة على هذا التعتيم الإعلامي ليست مجرد انحياز في التغطية، بل هي اختراق للسيادة السياسية. كشف التحليل أن:
• نصف حكومة كير ستارمر تتلقى دعمًا من أفراد أو مجموعات موالية لإسرائيل.
• اللقاءات الرسمية بين المسؤولين البريطانيين ولوبيات إسرائيلية تتم “خلف الأبواب المغلقة” دون أي رقابة إعلامية.
• السياسات العامة، كحظر حركات سياسية أو منظمات، تُدار بضغط مباشر من هذه المجموعات.
وبينما يستمر الإعلام في ممارسة “الرقابة الذاتية”، تعمقت الهوة بين ما ينشر في الصحف وما يدركه الشارع البريطاني؛ إذ لم يعد التعتيم كافيًا، وهو ما يفسر توجه أكثر من 100 ألف مواطن بريطاني لتوقيع عريضة تطالب بفتح “تحقيق عام” في نفوذ اللوبي الإسرائيلي على الديمقراطية في بلادهم، في محاولة لاستعادة الحقيقة التي حجبتها المؤسسات الإعلامية الكبرى.
المصدر: Declassified UK
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇