روسيا و”إسرائيل” في البرلمان: عريضتان شعبيتان تكشفان ازدواجية معايير الحكومة البريطانية
في مشهدٍ يعكس الصراع بين “الإرادة الشعبية” و”الحسابات السياسية”، وضعت العريضتان البرلمانيتان رقم (744215) ورقم (752646) النظام الديمقراطي البريطاني أمام اختبار حقيقي للشفافية والمساواة.
فبينما نجحت العريضتان في تخطي حاجز الـ 100 ألف توقيع للمطالبة بفتح تحقيقات عامة وشاملة حول “النفوذ الأجنبي” في السياسة البريطانية، كشفت الردود الرسمية الصادرة عن الحكومة والبرلمان عن تباينٍ حاد في “الحماسة” و”الإجراءات”.
تركز العريضة الأولى التي أُنشئت بتاريخ نوفمبر/تشرين الثاني 2025، على مواجهة النفوذ الروسي، مستندة إلى مخاوف أمنية من محاولات زعزعة استقرار الديمقراطية، بينما تسلط العريضة الثانية، التي أُنشئت بتاريخ يناير/كانون الثاني 2026، الضوء على “النفوذ الموالي لإسرائيل”، مدفوعة بضغوط شعبية ناتجة عن التطورات الجيوسياسية في غزة وتأثير مجموعات الضغط على القرار السيادي البريطاني.
وبين “الاستجابة الفورية” للملف الروسي و”التحفظ البيروقراطي” تجاه الملف الإسرائيلي، يبرز تساؤل جوهري: هل تتعامل مؤسسات “وستمنستر” مع التدخلات الأجنبية بمعيار واحد؟ أم أن الأجندة السياسية تفرض “انحيازًا إجرائيًا” يجهض المطالب الشعبية قبل وصولها إلى طاولة النقاش الفعلي؟
تحليل رد الفعل الحكومي

عند فحص الردود الصادرة عن “مكتب رئاسة الوزراء” (Cabinet Office)، لاحظنا تباينًا في اللغة والآليات:
- تجاه النفوذ الروسي: (تبنٍّ جزئي وتوسيع للنطاق) جاء الرد الحكومي متماهيًا مع لغة العريضة، حيث أكدت الحكومة أنها “تشارك الجمهور قلقه”.
وبالرغم من رفضها إنشاء “لجنة تحقيق موازية” (Public Inquiry)، إلا أنها بررت ذلك بوجود مراجعة قائمة بالفعل (مراجعة فيليب ريكروفت المستقلة).
الحكومة هنا استخدمت العريضة لتعزيز شرعية إجراءاتها الأمنية وقانون “الانتخابات والديمقراطية” القادم.
- تجاه النفوذ الإسرائيلي: (رفض قاطع وإحالة للعموميات) كان الرد الحكومي أكثر صرامة في رفضه؛ إذ بدأت الفقرة بعبارة “الحكومة لا تدعم إجراء تحقيق عام”.
وبينما أحالت العريضة الروسية إلى مراجعة ريكروفت كآلية “لمعالجة النفوذ الروسي”، أحالت العريضة الإسرائيلية إلى “أطر الشفافية العامة” (سجل اللوبيات، كود السلوك) و”لجنة الأخلاقيات والنزاهة”، وهي أدوات عامة لا تستهدف النفوذ الأجنبي تحديدًا كما في الحالة الروسية.
المسار البرلماني.. أين مكمن الانحياز؟

تظهر الفجوة الكبرى عند النظر إلى “الجدولة الزمنية” والجدية في التعاطي التشريعي:
السرعة في الإنجاز (الحالة الروسية): حصلت العريضة الروسية على رد حكومي في يناير/كانون الثاني، وبحلول 9 فبراير/شباط 2026، كان البرلمان قد عقد النقاش بالفعل. تم تحويل المطالب الشعبية إلى مادة للمساءلة البرلمانية العلنية في وقت قياسي.
المماطلة أو “الانتظار” (الحالة الإسرائيلية): رغم تخطيها النصاب القانوني وتجاوز عدد الموقعين لـ 113 ألفًا، إلا أن البرلمان وضعها في حالة “انتظار” (Waiting for 49 days) حتى تاريخ الرد الأخير. لم يتم تحديد موعد للنقاش حتى الآن، ما يضع البرلمان في موضع اتهام بـ “تبريد” القضية.
مقارنة “المراجعة المستقلة”
استشهدت الحكومة بمراجعة “فيليب ريكروفت” في كلا الردين، لكن بطريقتين مختلفتين:
- في العريضة الروسية: تم تقديم المراجعة كأداة للهجوم وكشف الاختراقات الروسية (مثل الإشارة الصريحة لرشاوى “ناثان جيل”).
- في العريضة الإسرائيلية: تم تقديم نتائج المراجعة كأداة للإغلاق؛ حيث قالت الحكومة إن المراجعة انتهت في 25 مارس/آذار 2026 وتم اتخاذ إجراءات (مثل سقف التبرعات من الخارج ومنع العملات الرقمية)، وبالتالي تعتبر أن الملف قد أغلق تشريعيًا دون الحاجة لفتح تحقيق خاص بنفوذ “دولة محددة” كما طالبت العريضة.
تُعد “مراجعة ريكروفت” حجر الزاوية في استراتيجية الأمن القومي البريطاني الجديدة، وهي تحقيق مستقل قاده المسؤول الحكومي السابق فيليب ريكروفت بتكليف من رئاسة الوزراء للتقصي في ثغرات “النفوذ المالي الأجنبي” داخل السياسة البريطانية.
هل هناك انحياز؟
من الناحية الفنية والسياسية، يشير التحليل إلى وجود “تبني أمني” للمخاوف تجاه روسيا مقابل “تحفظ سياسي” تجاه المخاوف المتعلقة بـ”إسرائيل”.
- الانحياز في اللغة: استخدمت الحكومة لغة “التهديد الأجنبي” (Foreign Threat) مع روسيا، بينما استخدمت لغة “مشاركة وجهات النظر” (Consider a wide range of views) و”الشفافية” مع الحالة الإسرائيلية، ما يحول القضية من “تدخل خارجي” إلى “ممارسة ديمقراطية طبيعية” (Lobbying).
- الانحياز الإجرائي: يتضح في سرعة جدولة النقاش البرلماني للعريضة الروسية مقابل تأخير وتجميد العريضة الإسرائيلية تحت بند “النظر في النقاش”.
للاطلاع على عريضة التحقيق في النفوذ الإسرائيلي وتأثيره على السياسة البريطانية من خلال هذا الرابط هنا.
للاطلاع على عريضة التحقيق في النفوذ الروسي وتأثيره على السياسة البريطانية من خلال هذا الرابط هنا.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇