العرب في بريطانيا | بين العدم والمحاولة يُولد الطّريق

1447 رمضان 18 | 07 مارس 2026

بين العدم والمحاولة يُولد الطّريق

بين العدم والمحاولة يُولد الطّريق

في لحظةٍ ما من مسيرة الإنسان، قد يجد نفسه واقفاً على تخوم العدم؛ لا سندَ واضحاً يتّكئ عليه، ولا موارد تُعينه، ولا طريقاً مفروشاً بالضّمانات.

تبدو الحياة في تلك اللحظة كأنها فراغٌ ممتدّ، يخيّل إليه أنّ الإمكانات قد تلاشت، وأن الأفق قد انغلق دون خطواته. غير أنّ الإنسان، في حقيقته العميقة، لم يُخلق ليكون أسير العدم، خُلق ليمتحن قدرته على مقاومته. ومن هنا يصبح واجباً عليه، حين تضيق المسالك وتندر الفرص، أن يقدّم ما في جعبته من محاولات؛ لأن المحاولة، في داخلها، إعلانٌ أوّل عن رفض الخضوع للفراغ.

أمّا العدم في حياة الإنسان فليس دائماً غياباً مطلقاً للأشياء، ولكن كثيراً ما يكون شعوراً داخلياً بالعجز أو الضياع. قد يعيش المرء في فقرٍ يرهق الروح، أو غربةٍ تشتّت القلب، أو زمنٍ مضطربٍ تتكاثر فيه الأزمات والحروب، حتى يبدو الواقع كجدارٍ صلد يحجب إمكان التقدّم. ومع ذلك، فإن تاريخ البشر لا يخلو من شواهد تؤكد أن الانطلاق من العدم لم يكن مستحيلاً قط، كان في غير مرّة الشرارة الأولى لقصصٍ عظيمة. فالإنسان الذي لا يملك شيئاً تقريباً، قد يملك

أعظم ما يمكن أن يُمتلك: إرادةً لا تنطفئ.

والإرادة هي اللحظة الأولى التي ينقلب فيها العدم إلى بداية. فمن دون إرادةٍ تبقى الإمكانات خاملة، كقوةٍ كامنة لا تجد طريقها إلى الفعل. ومن دون محاولة تبقى الأفكار أسرى الخيال، لا تعبر إلى الواقع. كم من إنجازٍ إنساني بدأ بمحاولةٍ متواضعة، بدت في بدايتها ضئيلة الأثر، لكنها كانت كافية لكسر صمت السكون. فالمحاولة الأولى ليست بالضرورة طريقاً مباشراً إلى النجاح، لكنها الخطوة الحاسمة التي تُخرج الإنسان من دائرة العدم إلى فضاء الاحتمال.

وأشدّ ما يضلّل الإنسان اعتقاده أن النجاح وليدُ الظروف المثالية. فالحياة، في حقيقتها، قلّما تمنح الناس تلك الظروف التي يتخيّلونها. إنها غالباً ما تضعهم في مواجهة النقص، وتدفعهم إلى اختبار قدرتهم على التكيّف والابتكار. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين من ينتظر الفرصة ومن يصنعها.

المنتظر يظلّ حبيس الترقّب، يراقب الزمن وهو يمضي دون أن يترك فيه أثراً. أما الصانع فيخوض التجربة، يجرّب ويخطئ ويتعلّم، حتى وإن بدت خطواته الأولى متعثّرة.

غير أن قيمة المحاولة لا تتجلّى فقط في احتمال النجاح، ولكن في التحوّل الداخلي الذي تصنعه في صاحبها. فكل تجربة، مهما بدت بسيطة، تضيف إلى الإنسان معرفة جديدة بذاته وبالعالم. كل خطأ يكشف زاوية لم تكن مرئية، وكل إخفاق يفتح باباً لفكرة أخرى. ومع تكرار المحاولات يبدأ الإنسان في اكتشاف قواه الكامنة، تلك القوى التي كانت مختبئة في أعماق نفسه دون أن يدركها. وهكذا يتحوّل العدم تدريجياً من مساحةٍ للفراغ إلى ساحةٍ للتجربة والاكتشاف.

ومن زاويةٍ فلسفية، يمكن النظر إلى العدم بوصفه لحظة اختبار وجودي. ففي تلك اللحظة الصامتة يُطرح على الإنسان سؤالٌ خفيّ: ماذا ستفعل الآن؟ هل ستقف عاجزاً أمام الفراغ، أم ستحاول أن تملأه بما تملك من سعي؟

إن الجواب عن هذا السؤال هو ما يحدّد ملامح المصير الإنساني. فثمة حياةٌ تُستنزف في الشكوى من قسوة الظروف، وثمة حياةٌ تُبنى حجراً فوق حجر بالمحاولات.

لقد أدرك الحكماء منذ القدم أن الحركة أصل الحياة، وأن السكون الطويل ليس إلا صورة أخرى من صور الفناء.

فالإنسان حين يتحرّك، حتى وإن لم يكن يدرك وجهته النهائية، يفتح أمام نفسه آفاقاً جديدة من الإمكان. أما حين يستسلم للخوف من الفشل، ويختار الوقوف في مكانه، فإنه في الحقيقة يختار البقاء في العدم ذاته الذي يخشاه.
ومع ذلك، فإن تقديم ما في الجعبة من محاولات لا يعني الاندفاع الأعمى أو العمل بلا بصيرة. فالمحاولة الحكيمة هي التي تمزج الجرأة بالتأمّل، والرغبة في التقدّم بالقدرة على مراجعة الذات. إن الإنسان الذي يتأمل تجاربه، ويقرأ أخطاءه قراءة واعية، يتحوّل تدريجياً من مجرّد مجرّبٍ إلى صانعٍ لمسارٍ واضح. ومع الزمن تتراكم محاولاته المتفرقة لتصبح طريقاً له معالم واتجاه.

ثم إن الإنسان، مهما بلغ من قوة، ليس كائناً مكتفياً بذاته تمام الاكتفاء. فالتجربة الإنسانية بطبيعتها شبكةٌ من العلاقات والتأثيرات المتبادلة. كثيراً ما يحتاج المرء إلى كلمة صديق، أو خبرة معلّم، أو دعم عائلة كي يواصل طريقه. إن الاعتراف بالحاجة إلى الآخرين ليس علامة ضعف، هو وجه من وجوه الحكمة. فالحضارة نفسها لم تُبنَ بجهد فردٍ واحد، بل بتراكم محاولات لا تُحصى عبر الأجيال.

غير أن ما يثقل كاهل الإنسان في طريق المحاولة ليس العجز الحقيقي، بل الخوف. الخوف من الفشل، أو من نظرة المجتمع، أو من أن تتحوّل التجربة إلى وصمة. غير أن الفشل، في حقيقته، ليس نقيض النجاح، هو أحد مكوّناته الخفية. فكل نجاحٍ كبير يخفي وراءه سلسلة طويلة من المحاولات التي لم تثمر. الفرق الوحيد أن أصحابها لم يسمحوا لها أن تكون نهاية الطريق.

إن الإنسان الذي يقدّم ما في جعبته من محاولات قد لا يضمن بلوغ الغاية، لكنه يضمن أمراً آخر بالغ الأهمية: أنه لم يعش أسير الانتظار. إنه يعيش تجربة السعي بكل ما فيها من تعبٍ وأمل، ومن خيبةٍ واكتشاف. وفي هذا السعي تتشكّل ملامح شخصيته الحقيقية، لأن الشخصية لا تُصاغ في لحظات الراحة، تُصاغ في لحظات المواجهة.

وحين ينظر الإنسان إلى ماضيه بعد أعوام طويلة، قد يكتشف أن المحاولات التي ظنّها يومًا ضئيلة كانت في الحقيقة مفاصل خفية في مسار حياته. ربما فتحت له باباً لم يكن يتوقعه، أو قادته إلى طريقٍ لم يكن في حسبانه. لكنه في النهاية يجد نفسه أقرب إلى ذاته، وأكثر فهماً لما يستطيع أن يكونه.

وفي المحصّلة، ليست الحياة إلا سلسلة متصلة من المحاولات. لا أحد يبدأ وهو يملك معرفة كاملة، ولا أحد يحمل خريطة نهائية للمستقبل. ما يملكه الإنسان حقاً هو شجاعته في أن يجرّب، وأن يتعلّم، وأن يواصل السير حتى عندما تبدو الطريق غامضة.

لهذا، فإن الوقوف أمام العدم لا ينبغي أن يكون ذريعةً للاستسلام، ولكن يا أصدقائي نداء للفعل. فعندما تتلاشى الخيارات ويضيق الأفق، يبقى أمام الإنسان خيارٌ لا يستطيع أحد أن ينتزعه منه: أن يقدّم ما في جعبته من محاولات. وربما كانت تلك المحاولات المتواضعة، في لحظةٍ ما، الشرارة الأولى التي تحوّل العدم إلى بداية، والفراغ إلى طريق، والحلم البعيد إلى احتمالٍ يولد في الواقع.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا