العرب في بريطانيا | رسائل لم تُرسل… لكنها غيّرتنا

1447 رمضان 9 | 26 فبراير 2026

رسائل لم تُرسل… لكنها غيّرتنا

رسائل لم تُرسل… لكنها غيّرتنا
أميرة عليان تبلو February 26, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

هناك رسائل لا تحمل عنواناً، ولا تنتظر ختماً رسميّاً، ولا تعرف طريقها إلى صندوق بريدٍ في زاوية شارع. رسائل لا يقرؤها أحد، ومع ذلك تقرؤنا نحن. نكتبها في لحظاتٍ يتزاحم فيها الكلام داخل صدورنا حتى يكاد يخنقنا، فنبحث عن ورقةٍ أو شاشةٍ مضيئة، لا لنُخاطب أحداً، ولكن لننقذ أنفسنا من ثقل الصّمت.

ليست كلّ الرسائل فعل تواصل؛ بعضُها فعل نجاة. حين نعجز عن قول ما يؤلمنا، نكتبه. وحين نخشى أن يُساء فهمنا، نلجأ إلى الورق؛ ذلك الشاهد الصامت الذي لا يقاطع، ولا يحاكم، ولا يردّ ببرود. نكتب لأنّ الكتابة مساحة آمنة، نعترف فيها بما نخجل من الاعتراف به أمام الناس، وأحياناً أمام أنفسنا.

كم رسالة بدأناها بعبارة: (أريد أن أكون صريحاً معك…) ثمّ توقّفنا. نحدّق في الكلمات فنشعر أنّها أكبر من أن تُقال، وأخطر من أن تُرسل. نخاف أن نهدم صورةً رسمناها بعناية، أو أن نفتح باباً لا نعرف كيف نغلقه. فنختار أن تبقى الرسالة حبيسة درج، أو مطمورة في مجلدٍ يحمل اسماً عابراً على الهاتف.

ومع ذلك، يحدث التغيير، في الداخل. لأنّنا حين كتبنا، واجهنا حقيقةً كنا نتهرّب منها. اعترفنا بحبٍ لم نجرؤ على إعلانه، أو بخيبةٍ حاولنا إنكارها، أو بندمٍ أقنعنا أنفسنا طويلاً بأنّه غير موجود. الرّسالة الّتي لم تُرسل تكون أحياناً أوّل خطوة نحو نضجٍ صامت.

هناك رسائل حبّ لم تصل، لكنها أنقذتنا من وهم. حين كتبنا كل ما نشعر به، اكتشفنا أن بعض ذلك الحب كان تعلّقاً، وأنّ بعضه كان خوفاً من الوحدة. وحين انتهينا من الكتابة، هدأ القلب قليلاً، كأنّه قال كلّ ما يحتاج إلى قوله، حتى لو لم يسمعه أحد. أحياناً يكفي أن نُخرج المشاعر من صدورنا لتتغيّر علاقتنا بها.

وهناك رسائل عتاب، نكتب فيها تفاصيل الألم بدقةٍ موجعةٍ. نعيد سرد المواقف، نختار الكلمات بعنايةٍ، ونضع النّقاط على الحروف الّتي لم تُفهم يوماً. لكننا لا نرسلها، لأننا ندرك في لحظة صفاء أن بعض العتاب لا يُصلح ما انكسر، وإنّما يوسّع الشقوق. فنصمت، وصمتنا هنا ليس ضعفاً، ولكن إدراكاً بأنّ بعض العلاقات لا تُحفظ إلا بالمسافة.

ورسائل اعتذار… تلك الأصعب على الإطلاق. نكتب فيها: (كنت مخطئاً)، (آسف لأنني لم أكن كما يجب)، (سامحني). نعيد قراءتها عشرات المرات، لكن الكبرياء يقف كحارسٍ عنيد على باب الإرسال. نخشى أن يُرفض اعتذارنا، أو أن يُقابل بصمتٍ بارد. فنؤجل، ويكبر في الداخل شعورٌ بأن هناك شيئاً غير مكتمل. ومع الوقت، نتعلّم أن الاعتذار لأنفسنا أولاً هو الخطوة الأصعب… والأهم.

بعض الرسائل لا تُكتب للآخرين أصلاً، وإنّما لأنفسنا في زمنٍ مضى. رسالة إلى ذلك الشاب الذي كان خائفاً من الفشل، نخبره أن الطّريق لم يكن سهلاً، لكنّه لم يكن عبثاً. ورسالة إلى النسخة القديمة منا التي ظنّت أن العالم سينتهي عند خسارةٍ ما، فنقول لها: (لقد نجونا، وتعلّمنا، وكبرنا).هذه الرسائل لا تحتاج إلى إرسال، لأنها وصلت فعلاً إلى أعماقنا.

الغريب أن الرسائل غير المرسلة تمنحنا حريةً لا تمنحها الرسائل المرسلة. حين لا نفكّر في ردّ الفعل، نكون أكثر صدقاً. لا نُجمّل الكلمات، ولا نختبئ خلف عباراتٍ دبلوماسية. نكتب بجرأة من لا ينتظر حكماً. وربما لهذا السبب تُخيفنا؛ لأنها تكشف هشاشتنا بلا ستار.

لكن الهشاشة ليست عيباً. أن نعترف بأننا تألّمنا، أو اشتقنا، أو خِفنا، هو اعترافٌ صريح بإنسانيّتنا. الرسائل التي لم تُرسل تُعلّمنا أنّ القوة ليست في إخفاء المشاعر، القوّة في فهمها. وأنّ الصمت أحياناً ليس قمعاً في النّفس، وإنّما نضج يختار توقيته بعناية.

ومع مرور السنوات، تتراكم تلك الرسائل كأرشيفٍ سرّي لحياتنا. كل رسالة تحمل مرحلة، ووجهاً، ونسخةً مختلفة منا. نقرأ بعضها بعد زمنٍ طويل فنبتسم: كيف ظننّا أن ذلك الألم لا يُحتمل؟ وكيف اعتقدنا أن ذلك الشخص هو كل العالم؟ ندرك حينها أن التغيير لم يحدث لأن الرسالة وصلت، ولكن لأنها كُتبت.

وليست المشكلة دائماً في عدم الإرسال، ربّما المشكلة في عدم الكتابة. حين نكبت مشاعرنا دون أن نمنحها مساحةً للتعبير، تتحوّل إلى ثقلٍ صامت. أمّا حين نكتب، حتى لو مزّقنا الورقة بعدها، نكون قد اعترفنا، وواجهنا، وبدأنا رحلة الفهم. الرسالة غير المرسلة خطوة في طريق التصالح.

وأحيانًا، بعد سنوات، نلتقي بالشخص الذي كتبنا له يوماً رسالةً لم تُرسل. ننظر إليه بعينٍ مختلفة. لم نعد نحمل ذلك الاحتقان، ولا ذلك الاندفاع. لأن الكلمات التي لم تصله… وصلت إلينا أولاً، وغيّرتنا بما يكفي لنرى الأمور بوضوحٍ أكبر.

في النهاية، قيمة الرسائل في عمق ما تكشفه لنا. قد لا تحمل طابعاً، ولا تمر عبر البريد، لكنها تعبر بنا من ضفّةٍ إلى أخرى: من الإنكار إلى الاعتراف، من الغضب إلى الفهم، من التعلّق إلى التحرّر.

تلك الرسائل التي لم تُرسل لم تكن ناقصة كما ظننّا؛ كانت كاملة في دورها، صادقة في لحظتها، وكافية لتترك أثراً لا يُمحى. لقد غيّرتنا لأنها جعلتنا نرى أنفسنا كما نحن: بلا أقنعة، بلا مجاملات، بلا خوفٍ من الحكم.

وربما، في مكانٍ ما داخلنا، كانت تعرف منذ البداية أنّها لم تُكتب لتُرسل… كُتبت لتُنقذ.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا