العرب في بريطانيا | الكفاح: حين يصبح الطريق هو المعنى

1447 شعبان 7 | 26 يناير 2026

الكفاح: حين يصبح الطريق هو المعنى

الكفاح

الكفاح هو بنية الحياة العميقة للإنسان، والنَّفَس الخفيّ الّذي يرافقه منذ لحظة الوعي الأولى.
فالإنسان لا يولد مكتملاً، ولا يُمنح ذاته جاهزة، وإنّما يُلقى في عالمٍ يعجّ بالعوائق، ويُطلب منه – ضمنيّاً – أن يبرّر وجوده بالفعل، لا بالنّية. من هنا، يصبح الكفاح أسلوباً في الوجود، وطريقةً لفهم الذات والعالم معاً.

الوصول، في ظاهره، يبدو غايةً نهائيّةً، نقطة يظنّ المرء أنّه إن بلغها استراح. لكن التّأمّل العميق يكشف أنّ الوصول ليس إلّا قناعاً أخيراً يرتديه الكفاح. فكلّ وصول يفتح باباً جديداً للمواجهة، وكلّ قمّة تُصعِّد النّظر نحو قمّةٍ أعلى.
لذلك، لا يكون الكفاح ضدّ العوائق الخارجيّة فقط، ولكن ضدّ وهم النّهاية نفسها.

والعوائق جزءٌ من هندسة المسار نعم، وهي اللّغة الّتي يختبر بها الطّريق صدق السّائرين عليه.
فمن دون عوائق، يتحوّل النّجاح إلى مصادفة، وتتحوّل الحياة إلى سطح أملس بلا عمق ولا أثر.
العائق هو ما يمنح التّجربة وزنها، ويحوّل الجهد إلى قيمةٍ، والانتصار إلى معنى.

في لحظات الكفاح، يكتشف الإنسان هشاشته أوّلاً.

يكتشف أنّه ليس كما كان يتخيّل نفسه في خطبه الدّاخليّة، ولا كما كان يرسم ذاته في أحلامه الورديّة. تنهار الصّورة المثاليّة، ويبقى الجوهر العاري: خوف، شكّ، تعب، رغبة في الانسحاب.

هنا، يبدأ الكفاح الحقيقيّ، حين لا يكون العدو خارجيّاً، بل داخليّاً، متجسّداً في صوتٍ خافت يقول: “كفى”.
ذلك الصّوت هو أخطر العوائق، لأنّه يبدو عقلانيّاً، رحيماً أحياناً، ومقنعاً في أوقات الانكسار.

يقترح عليك التّراجع باسم السّلامة، ويعرض عليك الاستسلام مغلّفاً بالحكمة. غير أن الكفاح الفلسفيّ لا يعني إسكات هذا الصّوت، بل مجادلته، وهو ليس تهوّراً، ولا إنكاراً للألم، ولا قفزاً أعمى في المجهول.

هو وعيٌ بالألم مع رفض الخضوع له. هو أن تعترف بثقل الطّريق، دون أن تمنحه سلطة القرار. أن تتألّم دون أن تتحوّل إلى ضحيّةٍ، وأن تتعب دون أن تتنازل عن المعنى.

في التّاريخ الإنسانيّ، لم تُصنع التّحوّلات الكبرى بأشخاص لم يتعثّروا، ولكن صُنعت بأولئك الّذين حوّلوا التّعثّر إلى جزء من التّقدّم. فكلّ فكرة عظيمة وُلدت في بيئة مقاومة، وكلّ إنجاز حقيقيّ خرج من رحم المعاناة. ليس لأنّ المعاناة فضيلة بذاتها، إنّما لأنّها تكشف معدن الإنسان، وتفرض عليه أن يختار: إمّا أن ينكسر، أو أن يعيد تشكيل نفسه.
الكفاح يعيد تشكيل الإنسان ببطء. لا يحدث التّحوّل دفعةً واحدة، يحدث عبر تآكل داخلي للأوهام، وتراكم صامت للخبرة.

وفي البداية، يقاتل الإنسان ليصل، ثمّ يقاتل ليصمد، ثمّ – دون أن يشعر – يقاتل ليحافظ على نفسه كما هي، بلا تشوّه، بلا حقد، بلا قسوة زائدة.

وهنا يبلغ الكفاح مستواه الأخلاقيّ الأعلى.

من أخطر ما يواجه الكافح هو أن يربط قيمته بالنّتائج. أن يعتقد أنّ فشله في الوصول يعني فشله كإنسان. هذا الرّبط القاسي هو ما يحطّم الأرواح أكثر ممّا تفعل العوائق.

فالفلسفة الأعمق للكفاح تقول إنّ القيمة تكمن في الاستمرار لا في الضّمان، وفي المحاولة لا في الحصاد. فالنّتائج قد تخون، أمّا الجهد الصّادق فلا.

ثمّ تأتي المقارنة، هذا العائق الخفيّ الّذي يتسلّل بلا ضجيج.

ترى آخرين وصلوا قبلك، أو تجاوزوك بسهولة، أو اختصروا الطّريق بعلاقات أو حظّ أو ظروف أفضل.
هنا، يشعر الكافح بالغبن، وقد يتحول كفاحه إلى مرارة. لكن الحكمة تقتضي فهم حقيقة بسيطة: الطّرق لا تتشابه، والأزمنة لا تتساوى، وما يبدو تأخّراً قد يكون نضجاً غير مرئيّ.

الكفاح الحقيقيّ يا أصدقاء لا يطلب عدالة فوريّة من العالم، وإنّما يخلق عدالته الداخلية. عدالة تقول: “أنا مسؤول عن محاولتي، لا عن ظروف غيري”.

هذه العدالة هي ما يحمي الرّوح من الانكسار، ويمنع الحسد من تسميم الطّريق.
وفي خضم الكفاح، يمرّ الإنسان بلحظات فراغ، لحظات لا يشعر فيها لا بالحماس ولا بالأمل. فقط فراغ ثقيل، وصمت داخلي، ورغبة في النّوم الطّويل.

هذه اللّحظات ليست ضعفاً، هي جزء من الثّمن.
الكفاح قدرةٌ على الاستمرار حتّى حين يخبو الدّافع.

وحين يأتي الوصول – إن أتى – لا يأتي كما تخيّلناه. لا يكون دائماً احتفالاً، ولا تعويضاً كاملاً عن كلّ ما فُقد.
أحياناً يأتي هادئاً، متواضعاً، أشبه باعتراف متأخّر من الحياة بأنّك كنت على حقّ حين لم تستسلم. لكنّك حينها تدرك أن ما تغيّر حقّاً ليس موقعك، بل نظرتك، ولا مكانك، بل عمقك.

الأجمل، والأصعب، هو أن بعض الكفاحات لا تُفضي إلى وصولٍ واضح. هناك طرق نسير فيها ولا نبلغ نهايتها، لكنّنا نخرج منها أشخاصاً آخرين.

وهنا تتجلى الحكمة النهائية: ليس كل كفاح ليصل، لكن كل كفاح صادق يُغيّر.

الكفاح لأجل الوصول، مهما كانت العوائق، ليس إلّا عهد مع الذات. عهدٌ بعدم الخيانة، بعدم الانسحاب الرخيص، بعدم تحويل الخيبة إلى مبرر للتشوه. هو أن تقول للعالم: قد لا أربح، لكنني سأكون كما أريد لنفسي أن أكون.

وفي في هذا العالم السّريع، الّذي يمجّد النتائج، ويسخر من المحاولات الطويلة، يصبح الكفاح فعل مقاومة ثقافية.
مقاومة لفكرة أنّ الإنسان يُقاس بما يملك لا بما يحتمل، وبما يصل إليه لا بما يصونه داخله.
لذلك، فإنّ الكفاح موقفٌ فلسفيٌّ من الحياة.

وفي النهاية، لا يصل الإنسان لأنه أقوى من العوائق، لكن لأنه تعلّم كيف يعيش معها دون أن تفقده إنسانيته. يصل – إن وصل – وقد صار أعمق، أهدأ، أقل ادعاءً، وأكثر تصالحاً مع فكرة أن الطريق لا ينتهي، وأن الكفاح ليس عبئًا… وإنّما هو شكلٌ من أشكال الكرامة.

ذلك هو الكفاح في جوهره: أن تمضي لأنّ التّوقّف خيانة للمعنى.
وأن تؤمن لأنّ الرّوح الّتي تكافح لا تقبل أن تُختزل في الخوف. وأن تصل، أو لا تصل، وأنت تعلم أن أعظم انتصار حققته… أنك بقيت واقفاً، رغم كل شيء.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة