العرب في بريطانيا | من عرض عمل سعودي إلى اختطاف في المغرب.. كابوس ي...

1447 شعبان 6 | 25 يناير 2026

من عرض عمل سعودي إلى اختطاف في المغرب.. كابوس يلاحق مدرب كرة قدم بريطاني

من عرض عمل سعودي إلى اختطاف في المغرب.. كابوس يلاحق مدرب كرة قدم بريطاني
فريق التحرير January 22, 2026

بعد أكثر من عام على حادثةٍ صادمة كادت تضع حدًا لمسيرته وحياته، خرج المدرب الإنجليزي ولاعب إيفرتون السابق أدريان هيث عن صمته ليروي تفاصيل تجربة استثنائية مرّ بها في المغرب، بعدما استُدرج إلى ما ظنّه مقابلة عمل تمهّد لتولّي تدريب نادٍ في السعودية، قبل أن يتحول الأمر إلى عملية اختطاف وابتزاز.

وفي تقريرٍ مطوّل نشرته منصة “ذا أثليتيك” (The Athletic)، الذراع الرياضية لصحيفة “نيويورك تايمز”، سرد هيث وزوجته جاين وقائع ثلاثة أيام ثقيلة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، في قضية ما تزال تحقيقاتها مفتوحة في الولايات المتحدة وبريطانيا.

وكما يروي التقرير، بدأت خيوط الحكاية تتكشف حين غربت الشمس في أقصى شمال المغرب، وكان أدريان هيث يحدّق في الطريق كمن يراجع حياته بسرعةٍ خاطفة. لم يكن المشهد غريبًا على رجلٍ أخذته كرة القدم من قرية إنجليزية ضيقة إلى ملاعب وأزياءٍ وأعلامٍ ووعودٍ لا تنتهي. لكنها في تلك الليلة بدت وكأنها تعيد كتابته من جديد… هذه المرة بحبرٍ داكن.

هيث، لاعب إيفرتون السابق ومدرب أندية في الدوري الأمريكي لاحقًا، وصل إلى طنجة وهو يظن أنه على موعدٍ مع مقابلة عمل: منصب تدريبي في السعودية، اجتماع تمهيدي مع مالك النادي، ثم سفرٌ سريع لإعلان التعاقد. بدا كل شيء منطقيًا: اتصالات، وتفاصيل مالية، وترتيبات إقامة، وحتى حديث عن الرعاية الصحية. محادثات طويلة شاركت زوجته جاين في الاستماع إليها، دون أن تلمح ثغرة واحدة تستدعي الشك.

لكن ما يبدأ منطقيًا… قد ينتهي كما تنتهي الفخاخ: بخطوة واحدة خاطئة.

قلقٌ في البيت… قبل أن تظهر الحقيقة

بين أدريان وجاين طقوسٌ ترسخت عبر سنوات الزواج الطويلة والسفر المتكرر: رسالة عند الهبوط، ثم اتصال فيديو عند الوصول إلى الفندق. التكنولوجيا سهّلت كل شيء، لكنها لم تُلغِ قيمة تلك الإشارة البسيطة: “وصلتُ بأمان”.

جاءت رسالة الهبوط. لكن لم يأتِ اتصال الفيديو.

في البداية حاولت جاين أن تقنع نفسها بأنه تأخر. ثم بدأت بعض الأمور اليسيرة تلفت انتباهها: صياغة الرسائل بدت غير مألوفة، وكأن اليد التي تكتب ليست اليد التي تعرفها. اتصلت به. ردّ أنه “بخير”… لكن صوته لم يكن بخير.

أنهى المكالمة بجملةٍ قصيرة: “أراك صباحًا”.

وبعد دقيقة واحدة، بحسب روايتهما، كانت شفرةٌ باردة تُلامس عنقه.

من استقبال المطار… إلى غرفة مغلقة

هبط هيث في طنجة مساء 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 عبر مانشستر. استقبله رجلان في المطار، قدّما له الزهور، ثم قاداه إلى سيارة سوداء. بعد نحو أربعين دقيقة تغيّر الطريق: انعطاف بعيد عن الشارع الرئيسي، وظلمة تتكاثف، وحارات تضيق، وأحياء لا تشبه صورة “الفندق الفخم على البحر” التي وُعِد بها.

توقفت السيارة في أحد الأزقة. اقتادوه إلى بناية صغيرة، ثم إلى غرفة قليلة الأثاث مشبعة بالدخان. أريكة تلتصق بالجدران، وستائر ثقيلة تحجب النوافذ، وموسيقى في الخلفية لا تملك القدرة على إخفاء ما هو آتٍ.

كان في الغرفة ثلاثة رجال. لم يتحدثوا معه كثيرًا في البداية. ثم جاءت الجملة التي تُسقط كل احتمالٍ بريء دفعة واحدة:

“أنت تدرك أن هذا ليس ما ظننته… الأمر بسيط: ستدفع لنا مالًا”.

لم يكن التهديد بالمال وحده. كانت هناك أسماء: زوجته، وأبناؤه، وأحفاده. أدرك هيث أن من أمامه لم يلتقطه عشوائيًا؛ لقد جاء إلى هنا بعد بحثٍ وترتيب.

سباقٌ ضد الوقت… وخيطٌ دقيق اسمه “التأخير”

في لحظاتٍ كهذه، لا تملك رفاهية البطولة. تملك فقط حيلة واحدة: أن تؤخر النهاية.

تشبّث هيث بفارق التوقيت بين المغرب والولايات المتحدة، وبفكرة أن التحويل البنكي لن يكون ممكنًا فورًا. 

وعندما اتصلت جاين، لم يكن الهاتف بيده وحده؛ كان هناك من يُمسكه أمام وجهه. وفي الهواء—قريبًا من عنقه—بقيت الشفرة تُذكّره بأن الكلمات ليست ملكه.

قرارٌ في ثانية… أنقذ حياته

في أميركا، اتخذت جاين قرارًا خاطفًا. بدل أن تُساق إلى تحويلٍ سريع، ادعت أنها لا تستطيع: الحساب البنكي تغيّر، والصلاحية ليست بيدها وحدها، وأن التحويل مستحيل دون وجوده. كانت تكذب كي تُربكهم، لكنها كانت أيضًا تكسب الوقت.

ثم دخل الابن هاريسون على الخط. ومعه جاءت يدٌ ثالثة أكثر هدوءًا: زوجته كايلين كايل، التي دفعت جاين إلى استخدام تطبيق تحديد الموقع.

المفارقة التي لا تخطر ببال خاطف: قد تأخذ الهاتف… وتنسى أن تطفئ “الموقع”.

ظهر مكانه على الخريطة. لقطة شاشة واحدة تحولت إلى دليلٍ يختصر المسافة بين الرعب وفتح ملف رسمي. تواصل هاريسون مع الوكيل الذي رتّب “اللقاء”، ثم اتصل بمسؤول في مكتب التحقيقات الفيدرالي في نيويورك.

وفي تلك اللحظة، بدأت الحلقة تضيق حول الخاطفين… من حيث لا يشعر هيث.

“كأنه انقلب مفتاحا”… رحلة العودة للضياء

يقول هيث إن شيئًا تبدّل فجأة. ليس تدريجيًا، بل كما لو أن الضوء انطفأ ثم اشتعل. دخل أحدهم الغرفة وأشار إلى حقيبته:

“اجمع أغراضك… سأوصلك إلى المطار”.

عاد إلى السيارة، وهذه المرة في مقعد الراكب، بينما كانت الشمس تغرب كعادتها. استعاد هاتفه للحظات، فكتب لجاين ثلاثة كلمات فقط—ثلاث كلمات بحجم العالم:

“أنا داخل سيارة”.

كان الطريق إلى المطار يمضي في ظلامٍ يضغط على صدره. حاول أن يصنع أي حديث يبقيه حيًا: تعليقٌ عن أداء المغرب في كأس العالم، كلماتٌ محايدة في حضرة رجلٍ قد يغيّر رأيه في ثانية.

وعند مدخل مطار طنجة ابن بطوطة، أبطأت السيارة. أُمر بفتح الباب. دُفع إلى الخارج. قبل أن يلتقط حقيبته كانت السيارة قد اختفت.

أمسك بجوازه، ومحفظته، وأمتعته… وخسر مبلغًا نقديًا كان فيها. وبحسابات النجاة، كانت تلك خسارة يمكن احتمالها.

ركض إلى أول شباك تذاكر وسأل عن أقرب رحلة إلى أوروبا. قيل له: مدريد بعد نصف ساعة. لم يسأل عن الثمن. اشترى التذكرة ومرّ بمكان التفتيش وهو يلتفت خلفه في كل خطوة، كمن لا يصدق أن الباب صار خلفه.

عودةٌ إلى البيت… وحراسةٌ لأيام

هبط في الولايات المتحدة، وكانت زوجته ومحققو FBI بانتظاره. سمحوا لهما بلحظة قصيرة قبل أن يُفصل كلٌ منهما للاستجواب. تقول جاين إنها انهارت في حضنه، وأن ما رأته في عينيه كان كافيًا ليشرح كل شيء دون كلام.

وفرت السلطات حماية للعائلة قرابة 28 يومًا، وبقيت الأيام الأولى داخل المنزل ثقيلة كأنها امتدادٌ للغرفة التي خرج منها.

هيث لا يسمي نفسه “محظوظًا” بسهولة، لكنه قال إنه سيستخدم هذه الكلمة رغم غرابتها: محظوظ… لأنه عاد.

لماذا كسر الصمت؟

ظلّ هيث لعام تقريبًا لا يتحدث إلا في دائرة ضيقة، وأبلغ رابطة مديري الدوريات في إنجلترا (LMA). لكن اتصالًا أخبره بأن الواقعة تكررت مع مدربٍ آخر—بحسب ما نقل—كان كفيلًا بإسقاط فكرة الصمت. الصمت، في نظره، لا يحمي الآخرين؛ يتركهم وحدهم أمام الفخ ذاته.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، روى هو وزوجته القصة لصحيفة The Athletic بشرط ألا تُذكر أسماء محددة أو مواقع تفصيلية، حمايةً لتحقيقات ما تزال مفتوحة في الولايات المتحدة وبريطانيا.

وفي بريطانيا، أعلنت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة (NCA) أنها تحقق في مزاعم مرتبطة بـ“اتحاد كروي وهمي” يعرض وظائف على محترفين، تترافق مع تهديدات وتحويل أموال، دون أن تكون هناك عقود أو وظائف حقيقية.

كرة القدم… بين الطُعم والمعنى

بعد كل شيء، بقي سؤالٌ واحد يطارده: كيف يمكن للشيء الذي منحه حياته أن يكاد ينهيها؟

يقول هيث إن التجربة أعادت ترتيب عالمه: العائلة أولًا… بلا منافس. لكنه، في الوقت نفسه، لا يريد أن يترك كرة القدم تتحول إلى خاتمة سوداء. يريد العودة للتدريب، لا كنوعٍ من العناد، بل كاستعادةٍ لمعنى كاد يُسلب منه.

في تلك الليلة، وهو في السيارة على طريقٍ مظلم، ظنّ أن الحكاية انتهت. ثم اكتشف، بعد أن عاد، أن بعض القصص لا تنتهي بالنجاة فقط… بل تبدأ من جديد بوعيٍ مختلف: أن الحياة يمكن أن تتقلص إلى “رسالة واحدة” تُرسل في الوقت المناسب… فتفصل بين الفقد والعودة.

 


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة