تكتم بريطاني على القواعد الأمريكية وسط حشد عسكري متزايد
تواصل الحكومة البريطانية إحاطة الوجود العسكري الأميركي على أراضيها بدرجة عالية من السرية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من استعدادات عسكرية أميركية قد تمهّد لهجمات محتملة على إيران أو غرينلاند، وسط مؤشرات على حشد عسكري متزايد ينطلق جزئيًّا من قواعد داخل المملكة المتحدة.
وترفض لندن حتى الآن تقديم تفاصيل دقيقة بشأن أعداد ومهمات القوات الأميركية المتمركزة في القواعد الجوية البريطانية، رغم تساؤلات برلمانية وضغوط سياسية متزايدة.
فعندما طُرح سؤال عن عدد الجنود الأميركيين الموجودين في 13 قاعدة داخل بريطانيا تستضيف قوات أميركية، اكتفى وزير القوات المسلحة آل كارنز بالإشارة إلى أن العدد الإجمالي يبلغ «نحو 11 ألف عسكري»، من دون الخوض في تفاصيل توزعهم على القواعد المختلفة.
وبرر كارنز هذا الامتناع باعتبارات أمنية، قائلًا في رد مكتوب على سؤال برلماني: «حرصًا على أمن الأفراد، لن أشارك حاليًّا أعدادًا محددة لأفراد القوات الأميركية الزائرة في كل موقع على حدة».
ويأتي هذا الموقف على خلاف ما درجت عليه وزارة الدفاع البريطانية في السنوات الماضية، إذ كانت قد نشرت حتى عام 2024 بيانات تفصيلية بشأن أعداد القوات الأميركية في المواقع العسكرية داخل المملكة المتحدة، قبل أن تمتنع هذا الأسبوع عن توضيح أسباب التراجع عن هذا النهج.
وفي السياق ذاته، طلب موقع (Declassified) من وزارة الدفاع توضيح طبيعة التفويض أو الموافقة البريطانية المطلوبة إذا قررت الولايات المتحدة شن هجوم عسكري انطلاقًا من قواعد موجودة في بريطانيا، إلا أن الوزارة امتنعت عن تقديم تعليق رسمي مسجل. واكتفت الحكومة البريطانية بالإشارة، في تصريحات سابقة، إلى أن أي عملية عسكرية أميركية تنطلق من قاعدة داخل المملكة المتحدة «تُدرس على أساس كل حالة على حدة».
وتخضع العمليات العسكرية الأميركية في بريطانيا، وفق ما هو متعارف عليه، لمجموعة من الاتفاقيات الوطنية والدولية، أبرزها اتفاقية وضع القوات التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وقانون القوات الزائرة. كما أكدت حكومات بريطانية سابقة أن الاستخدام العملياتي للقواعد الأميركية داخل البلاد «مسألة تُتخذ بقرار مشترك» بين لندن وواشنطن.
جدار من السرية السياسية

هذا التكتم ليس جديدًا، إذ حافظت الحكومات البريطانية المتعاقبة على ما يشبه «جدارًا من السرية» حول القواعد الأميركية في بريطانيا، التي تحمل رسميًّا تسمية قواعد «سلاح الجو الملكي». وخلال السنوات الأخيرة، رفض وزراء بريطانيون مرارًا الإجابة عن أسئلة برلمانية تتعلق بطبيعة العمليات العسكرية الأميركية التي تُنفذ انطلاقًا من هذه القواعد، أو عدد مسؤولي الاستخبارات الأميركيين العاملين فيها، أو حتى ما إذا كانت الولايات المتحدة قد نشرت أسلحة نووية على الأراضي البريطانية.
ويأتي هذا الغموض في توقيت حساس، إذ أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن رغبته في السيطرة على غرينلاند «بالطريقة السهلة أو الصعبة» شكوكًا سياسية داخل بريطانيا بشأن مستقبل التحالف العسكري القائم مع واشنطن.
وقد عبّر زعيما حزبين بريطانيين عن قلقهما من تداعيات هذه التهديدات على الأمن والسيادة البريطانية.
ودعا زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار إد ديفي، الأسبوع الماضي، إلى فرض عقوبات على الإمبراطورية التجارية الشخصية لترامب، مطالبًا في الوقت ذاته بعقد نقاش برلماني بشأن استمرار استضافة بريطانيا للقوات الأميركية إذا تعرضت غرينلاند لهجوم. وقال ديفي: «كنت أتمنى ألا أضطر إلى قول أي من هذا، لكن حان الوقت لبدء أخذ تهديدات ترامب على محمل الجد».
من جهته طالب زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي، يوم الإثنين، الحكومة بإجراء مراجعة عاجلة لـ«كيفية إزالة القواعد الأميركية من الأراضي البريطانية مع الحفاظ على أمننا»، في إشارة إلى تصاعد الأصوات الداعية لإعادة النظر في طبيعة الوجود العسكري الأميركي داخل البلاد.
مؤشرات على تصعيد عسكري

يتزامن هذا الجدل السياسي مع تقارير تشير إلى استخدام القواعد الأميركية في بريطانيا ضمن حشد عسكري متزايد في الشرق الأوسط، قد يكون تمهيدًا لعملية عسكرية ضد إيران. ففي يومي الأحد والإثنين، غادرت أربع طائرات نقل عسكرية أميركية القاعدة الجوية الأميركية في لاكنهيث بمقاطعة سوفولك، ويُعتقد أن وجهتها كانت قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن.
وكانت هذه الطائرات قد وصلت إلى لاكنهيث قادمة من القاعدة الأميركية العملاقة في رامشتاين بألمانيا، فيما أفادت تقارير بوصول ثماني طائرات نقل عسكرية أميركية من طراز C-17 إلى القاعدة البريطانية نفسها خلال عطلة نهاية الأسبوع، جميعها قادمة من رامشتاين.
كما أشارت تقارير أخرى إلى أن الولايات المتحدة نشرت ما لا يقل عن 12 طائرة مقاتلة من طراز F-15، إلى جانب أربع طائرات تزويد بالوقود جوًّا من طراز KC-135 «ستراتوتانكر»، من لاكنهيث باتجاه القاعدة الأردنية.
ويُعتقد أن هذه الطائرات تتبع للجناح المقاتل الثامن والأربعين في سلاح الجو الأميركي، المتمركز بين لاكنهيث وقاعدة فيلتويل التابعة لسلاح الجو الملكي في مقاطعة نورفولك، الذي يضم قرابة 7 آلاف عسكري في الخدمة الفعلية، وفقًا للجيش الأميركي.
وفي موازاة التحركات الأميركية، أرسل سلاح الجو الملكي البريطاني طائرة نقل عسكرية من طراز إيرباص A400 إلى تل أبيب يوم الإثنين، بعد أن كان قد أرسل الأسبوع الماضي طائرة إيرباص A332 إلى بئر السبع، بالقرب من القاعدة الجوية الإسرائيلية الكبرى في نيفاتيم.
كما أرسلت بريطانيا خلال الأسبوع الماضي طائرات نقل عسكرية إلى كل من الكويت والبحرين والسعودية، وسط غموض بشأن ما إذا كانت هذه الرحلات تدخل في إطار المهمات الاعتيادية أم ترتبط بتطورات عسكرية أوسع في المنطقة.
وفي ظل هذا المشهد، تزداد الأسئلة داخل الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية عن مدى تورط البلاد، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في أي تصعيد عسكري أميركي مقبل، وبشأن حدود الشفافية التي ينبغي للحكومة الالتزام بها إزاء الرأي العام والبرلمان.
المصدر: declassifieduk
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
