انهيار اليمين التقليدي: لماذا يهرب المحافظون نحو ريفورم اليميني المتطرف؟ (تقرير وتحليل)
في أقل من عامين، تحوّل حزب “ريفورم يو كيه” (Reform UK) من قوّة انتخابية احتجاجية إلى لاعب سياسي جاذب لأسماء كانت حتى وقت قريب في صلب حزب المحافظين أو في دوائره القيادية. أحدث هذه الانشقاقات وقع في 15 يناير/كانون الثاني 2026 مع انتقال النائب ووزير الإسكان السابق روبرت جينريك (Robert Jenrick) إلى “ريفورم”، بعد أن سحبت زعيمة المحافظين كيمي بادينوك (Kemi Badenoch) منه عضوية الفريق القيادي، معلنة امتلاكها “أدلة قاطعة” على أنه كان يخطط للانشقاق.
هذه الخطوة لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن مسار متسارع يعكس أزمة عميقة داخل اليمين البريطاني، ويطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل حزب المحافظين، وصعود “ريفورم” كبديل أكثر تشدداً ووضوحاً في خطابه.
لماذا يترك محافظون حزبهم إلى “ريفورم”؟

1. تآكل الثقة السياسية بعد خسارة 2024
شكّلت خسارة حزب المحافظين انتخابات 2024، بعد 14 عاماً في الحكم، نقطة تحوّل حاسمة. كثير من المنشقين يبرّرون انتقالهم بالقول إن الحزب لم يعد قادراً على الفوز انتخابياً ولا على تنفيذ وعوده، لا سيما في ملفات الهجرة، والأمن، وضبط الحدود. هذا التوصيف تكرّر في تصريحات إعلامية متعددة لنواب ووزراء سابقين اعتبروا أن الحزب “فقد هويته” ولم يعد يمثل ناخبيه التقليديين.
2. “ريفورم” كهوية يمينية صلبة
يقدّم “ريفورم” خطاباً مباشراً يركّز على الهجرة، وتكاليف المعيشة، ورفض ما يصفه بـ”نخب وستمنستر”. هذه الرسائل القصيرة والواضحة، إلى جانب القيادة الشعبوية عالية الحضور الإعلامي، سهّلت جذب سياسيين يرون أن المحافظين أصبحوا مترددين أو غارقين في التسويات.
3. حسابات انتخابية باردة
تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن “ريفورم” ينافس المحافظين على القاعدة الانتخابية نفسها تقريباً. نسبة معتبرة من البريطانيين باتت ترى الحزبين “متشابهين إلى حد ما”، وهو ما يسهّل على المنشقين تبرير انتقالهم باعتباره استمراراً لمسار يميني لا قطيعة معه.
4. صراعات داخلية مزمنة
يعاني حزب المحافظين من انقسامات حادة بين تياراته المختلفة، من اليمين القومي إلى المحافظين التقليديين. هذه الصراعات أضعفت قدرة القيادة على ضبط الحزب ومنع الانشقاقات. حالة روبرت جينريك مثال واضح على انتقال الخلافات من الغرف المغلقة إلى العلن، ثم إلى الانشقاق الكامل.
أبرز الأسماء المنتقلة من المحافظين إلى “ريفورم”

بحسب قوائم إعلامية موثقة حتى منتصف يناير 2026، ضمّت موجة الانشقاقات أكثر من عشرين اسماً بارزاً، من بينهم:
- روبرت جينريك (Robert Jenrick) – نائب حالي ووزير إسكان سابق – 15 يناير 2026
- نديم الزهاوي (Nadhim Zahawi) – وزير مالية سابق – 12 يناير 2026
- داني كروغر (Danny Kruger) – نائب محافظ سابق – سبتمبر 2025
- نادين دوريز (Nadine Dorries) – وزيرة ثقافة سابقة – سبتمبر 2025
- السير جيك بيري (Sir Jake Berry) – رئيس سابق لحزب المحافظين – يوليو 2025
- ديفيد جونز (David Jones) – وزير شؤون ويلز سابقاً – يوليو 2025
- آن ماري موريس (Anne Marie Morris) – نائبة سابقة – يوليو 2025
- روس طومسون (Ross Thomson) – نائب سابق – يونيو 2025
- ماركو لونغي (Marco Longhi) – نائب سابق – يناير 2025
- إيدان بيرلي (Aidan Burley) – نائب سابق – ديسمبر 2024
- الليدي أندريا جينكينز (Dame Andrea Jenkyns) – نائبة سابقة، أصبحت لاحقاً عمدة عن “ريفورم”– نوفمبر
- 2024
- لي أندرسون (Lee Anderson) – أول نائب ينتقل علناً إلى “ريفورم” – مارس 2024
إلى جانب هذه الأسماء، سُجّلت عشرات الانتقالات على المستوى المحلي، مع تقديرات إعلامية تشير إلى أكثر من مئة انشقاق من صفوف المحافظين نحو “ريفورم” خلال أقل من عامين.
أين تقف استطلاعات الرأي؟ (منتصف يناير 2026)

تعكس استطلاعات الرأي الوطنية صورة مقلقة للمحافظين، حيث يدور دعمهم حول 20%، بينما يتقدّم “ريفورم” إلى العشرينات العليا وأحياناً أوائل الثلاثينات.
أبرز الأرقام المنشورة:
- Techne (14–15 يناير 2026):
ريفورم 28% – المحافظون 20% – العمال 19% - YouGov (11–12 يناير 2026):
ريفورم 24% – المحافظون 20% – العمال 19% - More in Common (10–13 يناير 2026):
ريفورم 31% – المحافظون 21% – العمال 19%
كما أظهرت نماذج محاكاة المقاعد (MRP) أن “ريفورم” قد يحقق أغلبية برلمانية في حال أُجريت انتخابات فورية، رغم حصوله على نحو ثلث الأصوات فقط، ما يعكس هشاشة نظام “الفائز الأول” في ظل تفتت الخريطة الحزبية.
ما يجري داخل اليمين البريطاني يتجاوز كونه انتقالات فردية، ليعبّر عن إعادة تشكّل عميقة في المشهد السياسي. حزب المحافظين يواجه أزمة هوية وقيادة بعد خروجه من الحكم، بينما يستثمر “ريفورم” الغضب الشعبي والقلق الاقتصادي ليقدّم نفسه بديلاً أكثر صراحة وتشدداً.
هذا المسار مرشح للاستمرار خلال السنوات المقبلة، وهو أشبه بالقفز من السفينة وهي تغرق، وقد يعيد رسم التوازنات داخل البرلمان البريطاني، ويؤثر مباشرة في طبيعة الخطاب السياسي، خاصة في ملفات الهجرة، واللجوء، والعلاقة مع الأقليات. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية القادمة، يبدو أن السؤال لم يعد: هل “ريفورم” ظاهرة عابرة؟ بل: إلى أي حد سيغيّر هذا الحزب شكل اليمين البريطاني نفسه؟
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
