العرب في بريطانيا | أسطورة “جرائم طالبي اللجوء” في بريطانيا: لماذا ...

1447 شعبان 9 | 28 يناير 2026

أسطورة “جرائم طالبي اللجوء” في بريطانيا: لماذا لا تقول الإحصاءات القصة كاملة؟

أسطورة “جرائم طالبي اللجوء” في بريطانيا: لماذا لا تقول الإحصاءات القصة كاملة؟
ديمة خالد December 14, 2025

خلال الأشهر الأخيرة باتت التغطيات الإخبارية في بريطانيا تتبع نمطًا متكررًا: جريمة مروّعة يرتكبها طالب لجوء أو أجنبي، ثم تتبعها موجة عناوين وتعليقات توحي بأن رجالًا من بلدٍ أو مجموعة إثنية أو دينٍ محدد لديهم ميلٌ خاص لهذا النوع من الجرائم.

هذا المنحى عبّرت عنه بوضوح سارة فاين، كاتبة في صحيفة ديلي ميل، بعد الحكم بسجن طالبَي لجوء أفغانيين بتهمة اغتصاب فتاة عمرها 15 عامًا، معتبرة أن بريطانيا “تجاهلت طويلًا” ما يحدث عندما يُترك “رجال من ثقافات معينة” داخل مجتمع ليبرالي.

غضب سياسي… لا يقتصر على الجريمة بل يمتد إلى “الوضع الهجري”

أسطورة “جرائم طالبي اللجوء” في بريطانيا: لماذا لا تقول الإحصاءات القصة كاملة؟

في الموازاة، تصاعد خطاب سياسي يركّز—إلى جانب الإدانة الجنائية—على صفة الجاني كطالب لجوء أو أجنبي، مع تكرار وعود بتشديد إجراءات الدخول غير النظامي إلى بريطانيا. وفي كثير من الحالات تُقدَّم كثافة القصص الإخبارية وحدها كدليل، ويجري تضخيمها بصريًا عبر نشر صور موقوفين لرجالٍ من ذوي البشرة السمراء أو السوداء.

“الحقائق هي الحقائق”… لكن أين هي البيانات؟

رغم ادعاءات بعض المعلقين أن “الحقيقة واضحة”، فإن المشكلة الأساسية أن الأدلة معقّدة وغالبًا غير متاحة رسميًا بالشكل الذي يسمح باستنتاجات قاطعة. فلا توجد قاعدة بيانات حكومية تُظهر عدد الجرائم التي يرتكبها طالبو اللجوء بوصفهم طالبي لجوء، لأن وزارة العدل لا تسجّل الجرائم بحسب وضع الهجرة. وبغياب هذا المتغير، يصبح من المستحيل رسميًا مقارنة معدلات ارتكاب الجرائم لدى طالبي اللجوء مع عموم السكان.

ما الذي تملكه بريطانيا فعلًا؟ “بدائل” لا تعطي إجابة حاسمة

توجد مؤشرات بديلة (Proxies) مثل بيانات الجريمة وفق الجنسية، لكنها لا تحسم القضية لأنها تضع تحت عنوان “الأجانب” فئات شديدة التباين: وافدون حديثًا، مهاجرون مستقرون منذ سنوات، طلاب، عاملون في الصحة والرعاية، معالون، وطالبو لجوء أيضًا.

ومع ذلك، تُظهر قراءة عامة للبيانات المتاحة—وفق تحليل مرصد الهجرة في جامعة أكسفورد—أن الأجانب في إنجلترا وويلز يُسجنون أو يُدانُون بمعدلات تقارب البريطانيين.

عند التدقيق: العمر والجنس يقلبان الانطباع

عندما تُضبط الأرقام وفق العمر والجنس (لأن الشباب الذكور أكثر الفئات ارتباطًا بالجريمة عمومًا، ولأن مجتمعات المهاجرين تميل لأن تكون أصغر سنًا)، تظهر نتيجة لافتة: حصة غير المواطنين في السجون أقل من حصة البريطانيين. لكن تبقى فجوة مهمة: لا توجد بيانات منشورة تسمح بتعديل معدلات الإدانة بعد ضبطها بالعمر، ما يعني أن بعض الاستنتاجات تظل جزئية.

الباحث بن بريندل من مرصد الهجرة—وهو من أجرى التحليل—يشير إلى نقطة محورية: حتى لو كان من “المرجّح” أن ترتفع قابلية ارتكاب الجرائم لدى طالبي اللجوء، فإن جزءًا كبيرًا من ذلك قد يعود إلى خصائصهم الديموغرافية والاجتماعية (مثل كونهم غالبًا شبابًا ذكورًا)، وهي عوامل لا يمكن ضبطها بدقة بالبيانات الحالية. ويؤكد أن المقارنة العادلة تتطلب مثلًا مقارنة “شاب بريطاني” بـ“شاب طالب لجوء”، لكن الإحصاءات المتاحة لا تسمح بذلك.

لماذا تبدو معدلات بعض الجنسيات أعلى؟ عوامل لا ترصدها الجداول

لا يقتصر تفسير الفروق المحتملة على الجنسية وحدها؛ فهناك عوامل أوسع قد تؤثر على احتمالات الجنوح لدى البريطانيين والمهاجرين على السواء، مثل:

  • الصدمات النفسية،
  • الصحة النفسية عمومًا،
  • الوضع الاجتماعي والاقتصادي.

غير أن المشكلة، كما يوضح بريندل، أن البيانات المتاحة لا تمكّن من إدخال هذه العوامل في التحليل، فتظل الإجابة عن “لماذا؟” ناقصة.

أزمة “بيانات السكان”: التعداد قديم… والمسح لا يرى الجميع

تتعقد المسألة أكثر بسبب ضعف تقديرات حجم بعض الجاليات:

  • آخر تعداد سكاني جرى عام 2021 قبل ذروة الهجرة الأخيرة.
  • واجه مكتب الإحصاءات الوطنية صعوبات ناتجة عن انخفاض معدلات مشاركة السكان في المسوح الإحصائية التي يجريها.

  • والأهم: هذه المسوح لا تشمل من يعيشون في سكن جماعي مثل فنادق طالبي اللجوء؛ أي أن كثيرًا من الوافدين الجدد قد لا يظهرون في تقديرات السكان أساسًا.
  • وهذا ينعكس خصوصًا على المجموعات الأصغر مثل الأفغان، إذ تكون أكثر عرضة لسوء التقدير.

النتيجة: حتى لو توفرت أرقام الجرائم بحسب الجنسية، فإن حساب “المعدل” يصبح هشًا لأن “المقام السكاني” غير مضبوط.

هل تضخّم التغطية الإعلامية المشكلة؟

قد تبدو موجة القصص وكأنها تعني زيادة فعلية في جرائم طالبي اللجوء، لكن ذلك ليس استنتاجًا مضمونًا؛ فقد يكون ما حدث ببساطة هو زيادة التغطية لا زيادة الجرائم. ويشبّه سندر كاتوالا، مدير مركز الفكر British Future، الأمر بأحداث تلفت الانتباه فجأة فتجعل الجمهور يكتشف نمطًا كان يحدث أصلًا خارج دائرة الضوء.

كاتوالا يرى أيضًا أن هناك “جهدًا منسقًا” في بريطانيا والولايات المتحدة لصناعة سردية “أزمة جرائم المهاجرين” كجزء من خطاب أوسع ضد الهجرة والاندماج. ويلفت إلى مفارقة مهمة: معدلات الجريمة عمومًا تتجه للانخفاض، مع استثناء بارز يتعلق بالاعتداءات الجنسية، إلا أن “قصة الانخفاض” نادرًا ما تصبح خبرًا يوميًا، بينما تظل الجرائم الصادمة هي الأكثر حضورًا في وعي الجمهور.

في النهاية، يظل السؤال المركزي بلا جواب حاسم: هل جرائم طالبي اللجوء أعلى من غيرهم وبأي مقدار؟ لا يمكن تقديم رد موثوق لأن بريطانيا لا تملك منظومة بيانات تربط الجرائم رسميًا بوضع الهجرة، بينما المؤشرات البديلة تعاني من مشكلات تصنيف السكان وتقدير أعدادهم وضبط الفئات الديموغرافية.

وترى منصة العرب في بريطانيا AUK أن اختزال الجرائم الفردية في أحكام جماعية ضد جنسية أو دين أو لون هو مسارٌ خطير يهدد السلم الاجتماعي ويغذي العنصرية، خصوصًا عندما تُستبدل الإحصاءات الدقيقة بسرديات انتقائية تُبنى على “وفرة العناوين” لا على وفرة الأدلة. وفي الوقت نفسه، تؤكد المنصة أن حماية المجتمع والضحايا ومحاسبة الجناة دون استثناء هي أولوية لا تقبل المساومة، وأن الطريق الأكثر عدلًا وفاعلية يمر عبر شفافية حكومية أكبر: جمع بيانات أدق، ونقاش عام مسؤول يميّز بين حقائق الجرائم وبين توظيفها السياسي والإعلامي، ويمنع تحويل ملف اللجوء إلى شماعة تبرر الكراهية أو التعميم.

المصدر: الغارديان


إقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة