العرب في بريطانيا | لا ننسى غزّة: (مكانة في صلواتنا)

1447 شعبان 7 | 26 يناير 2026

لا ننسى غزّة: (مكانة في صلواتنا)

لا ننسى غزّة: (مكانة في صلواتنا)

غزّة… مدينة الصّمود والألم، مدينة تُعلّمنا معنى الصّبر رغم كلّ الجراح.

لم تكن غزّة مجرّد مساحةٍ جغرافيّةٍ محاصرةٍ بين البحر والخراب، كانت قلباً ينبض بالحياة رغم الحصار، هي روحٌ لا تستسلم للظّلام، وهي نبض الإنسانيّة الّذي يذكّرنا دائماً أنّ العدالة والكرامة ليسا مجرّد كلمات، هما حقّ لكلّ إنسان.

حين نغلق أعيننا، تتجسّد غزّة في الصّور الّتي لا تمحى: أطفال يلعبون بين أنقاض بيوتهم، ونساء تغزلن الألم في ثوب الصّبر، وشيوخ يحملون في وجوههم تجاعيد الحنين والجرح معاً..

هذه المدينة، الّتي يبدو أنّ العالم نسيها أحياناً، تبقى حاضرةً في وجدان كلّ من يمتلك قلباً حسّاساً، وفي صلوات كلّ من يؤمن بأنّ الدّعاء قوّةٌ تتجاوز كلّ حدود، وأنّ التّذكّر هو فعلٌ إنسانيٌّ في زمن النّسيان.

علينا ألّا ننسى غزّة، لا في أحاديثنا اليوميّة، ولا في صمتنا اللّيلي؛ فالدّعاء لها ليس مجرّد كلمات تُهمس، إنّما هو حضورٌ روحيٌّ، اعترافٌ بوجودها وبحقوقها، وفعلٌ إنسانيٌّ يجعلنا شركاء في الألم والأمل معاً.

عندما نرفع أيدينا بالدّعاء، نشاركها ما لم نتمكّن من تقديمه على الأرض: الأمان، الحريّة، حياة كريمة. وفي كلّ صلاة، نزرع في قلبنا بذرة أمل، لأنّ الأمل، رغم كلّ شيء، هو السّلاح الأخير ضدّ الظّلم والقهر.

غزّة رمز الصّمود والإيمان بالحياة رغم الخراب، ومن من يزورها بعقله ووجدان قلبه يراها مدينةً تتحدّث بلغة الألم والحبّ معاً، مدينةً تتحدّى كلّ الصّعاب بإصرارٍ لا يلين.

في كلّ بيتٍ مهدومٍ، في كلّ شارعٍ موحشٍ، هناك قصصٌ تُكتب بحبر الدّم والدّموع، وهناك أملٌ يتسلّل من بين الرّكام كأشّعة شمسٍ خجولةٍ، تعد بأنّ اللّيل مهما طال سيأتي بعده الفجر.

إنّ تذكّر غزّة في صلواتنا هو فعلٌ فلسفيٌّ وإنسانيٌّ في الوقت نفسه.

فلسفيٌّ لأنّه يربط بين الإنسان ومكانه في الكون، ويذكّرنا بأنّ الألم لا يُحتمل إلّا حين يلتقي بالوعي، وإنسانيٌّ لأنّه يجعلنا نشعر بالآخر، ونتشارك معه الوجع والأمل.

عندما نصلّي من أجل غزّة، نحن لا نرفع أيدينا فقط، إنّما نرفع قلوبنا وروحنا معها، ونؤكّد لها أنّها ليست وحيدةً، وأنّ الإنسانيّة لم تزل حيّةً في قلب من يذكرها ويصلّي لها.

وفي زمنٍ كثرت فيه الأخبار المليئة بالظّلم والنّسيان، تصبح الصّلاة لغزّة أكثر من مجرّد فعلٍ دينيٍّ؛ إنّها رسالةٌ للعالم، رسالة تقول: “نحن نرى ما يحدث، ونحن نرفض أن يُنسى شعب بأكمله”. إنّها تأكيدٌ على أنّ القيم الإنسانيّة يمكن أن تنتصر، وأنّ القلب الّذي يتذكّر لن يرضى بالظّلم مهما طال الزمن.

علينا أن نحتفظ بغزّة في صلواتنا كما نحتفظ بالزهور في دفء البيوت، كما نحفظ الأمنيات في الصّباح الباكر، وكما نحفظ الحبّ الصّادق في أعماقنا؛ فكلّ مرّةٍ نذكرها، نمدّ يدنا إليها رغم المسافات، نشاركها الألم ونقاسمها الأمل، نرسل لها رسالةً صامتةً تقول: “لن ننساكِ”. ومن خلال هذا التذكّر، نصنع نوعاً من المقاومة الرّوحيّة، نثبت أن غزّة ليست مجرّد جغرافيا، هي وجودٌ حيٌّ في ضمير كلّ إنسان محبّ للعدالة.

غزّة، لن تُنسى، هي صرخة الحريّة في عيون الأطفال، وهي الصّمود الّذي يشعّ من قلب النّساء، وهي الشّيوخ الّذين يحملون تاريخ الألم والكرامة معاً.

لن نسمح للنّسيان أن يبتلعها، ولن نسمح للصّمت أن يقتل ذكراها، بل سنجعل لها مكانةً في صلواتنا، مكانةً في قلوبنا، ونزرع من أجلها أملًا لا يموت؛ فهي تستحقّ أن تكون أكثر من ذكرى، أن تكون حياةً نحملها في أعماقنا، نبكي لها أحياناً، ونبتسم أحياناً أخرى، لأنّها رغم كلّ شيء، لم تفقد روحها، ولم تفقد مكانتها في قلوب من يذكرونها، كما أنّ غزّة ليست بعيدةً كما تبدو. غزّة موجودة في كلّ قلبٍ يذكرها، في كلّ دعاءٍ يُرفع لأجلها، في كلّ دمعةٍ تُسكب في صمتٍ. فليكن تذكّرها عادةً، ولتكن صلواتنا من أجلها فعل حبّ، وفعل إنسانيّةٍ، وفعل مقاومةٍ؛ لأنّ من ينسى غزّة، ينسى جزءاً من الإنسانيّة نفسها، ومن يذكرها، يثبت أنّ الأمل قادرٌ على النّور حتّى في أحلك اللّيالي.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة