العرب في بريطانيا | بين تكميم الأفواه وشطّ الحقيقة

بين تكميم الأفواه وشطّ الحقيقة

مقالArtboard 2 copy (3)
أميرة عليان تبلو يوليو 11, 2025
شارك

تُكمم الأفواه في هذا الزمن، وتكمن الحقيقة خلف ستائر الخوف والمصالح، ويصبح النطق بالحق مجازفة، ويغدو الصمت حكمة زائفة تُلبَّس لباس الحذر. تُمارس على الشعوب أبشع صور القمع، بالرصاص والتزييف الناعم، والمصطلحات الرخوة، والتجميل الكاذب لوجه القبح. في هذا المشهد المتخم بالمغالطات، يصبح عبور بحر الكذب والتنمق بحثًا عن شطّ الصدق بطولة حقيقية.

لقد تحولت الحقيقة إلى غنيمة نادرة، لا ينالها إلا من قدّم قربانًا من ذاته، وسار في الدرب وحده، متحديًا التيار الجارف الذي يريد للجميع أن يقولوا ما يُقال لهم، ويؤمنوا بما يُلقَّنون، دونما سؤال أو اعتراض. الحقيقة لم تعد مجرد رأي شجاع، بل غدت موقفًا وجوديًا يحدد جوهر الإنسان وكرامته، ويكشف إن كان حيًا بالروح أم مسلوب الإرادة.

في خضم هذا التيه، يصبح الناطق بالحق غريبًا، كأنه جاء من زمن آخر، أو وُلد في المكان الخطأ. تراه يُتّهم بالجنون حينًا، وبالتهور حينًا آخر. ويسهل على من باع ضميره أن يُطلق عليه صفات الخيانة أو الغباء أو النرجسية، لأنهم لا يحتملون أن يرى الناس انعكاس قبحهم في مرآته الصادقة. لكن، رغم ما يُرمى به من تهم، يظل هذا الإنسان وحده من ينتمي إلى جوهر الحياة الحقيقي، لأنه رفض الزيف وواجه العواقب.

الحق لا يحتاج إلى تزويق، ولا إلى بهرجة، ولا إلى صنّاع رأي. الحق كالشمس، يكشف ذاته متى أزاح الناس غيوم المصالح والادّعاء. لكن المشكلة تكمن في وضوحه، وفي استعداد الناس لتقبّله. الحق ثقيل، يهدد امتيازات، ويكشف عورات، ويهدم أصنامًا، ولهذا يُحارَب. لذلك، لا يكفي أن تكون الحقيقة صادقة، بل يجب أن يكون من يحملها أهلًا لها، قادرًا على صونها، والدفاع عنها، ودفع الثمن إن لزم.

نحن نعيش عصرًا صار فيه الكذب “فنًّا”، والتنمق “حكمة”، والمواقف الرمادية “عقلانية”، أما الوضوح والصراحة والتمسك بالمبدأ، فغُلّفت بالتهور والانفعالية. وهذا الانقلاب في القيم يُربك الإنسان الحر، ويضعه في صراع داخلي دائم: هل يتمسك بما يؤمن به، فيُقصى ويُتّهم؟ أم يساير، فيحيا مرتاحًا لكنه فارغ الروح؟

وحدهم الأحرار، أولئك الذين آمنوا أن الصمت خيانة في حضرة الظلم، هم من اختاروا أن يقولوا الحقيقة، لأنها تحفظ إنسانيتهم. أولئك الذين يعرفون أن الموقف قد لا يغير العالم في لحظته، لكنه يغير ضمير صاحبه، ويمهد الطريق لأجيال قادمة قد تسمع صداه.

الحقيقة لا تُقال فقط بالكلمات، بل تُعاش. والحق لا يُكتب في الشعارات، بل يُترجم إلى وقفة، إلى خسارة شريفة، إلى دمعة صامتة، وإلى وجع داخلي لا يهدأ، لكنه يُبقي القلب حيًا. في النهاية، ليس المطلوب من الإنسان أن يُرضي الجميع، بل أن يكون صادقًا مع نفسه، وفي ذلك وحده خلاصه.

 


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 29 يونيو 2026
"هذا ما يريدونه.. أن يصبح الاعتداء على المسلمين أمرًا طبيعيًا" الناشطة البريطانية آني سايس تعلّق بصدمة على حادثة الاعتداء على مسلمين من أصحاب البشرة السمراء، فقط لأنهم ابتسموا لأطفال في حديقة عامة، واصفةً الحال التي وصلت إليها البلاد وتجاهل القادة…
𝕏 @alarabinuk · 29 يونيو 2026
شروط الإقامة الدائمة الجديدة (10 سنوات) في بريطانيا: الشروط، الفئات المستهدفة، وموعد التطبيق! ملفات الهجرة الساخنة تفتحها حلقة #بريطانيا_في_أسبوع مع صلاح عبد الله ونبيل الصوفي وحاتم الملاح، إلى جانب قضايا أخرى شغلت الرأي العام مؤخرًا. #شاهد الحلقة الكاملة: https://youtube.com/live/AJ1LqGqjXA0 تابعونا…
𝕏 @alarabinuk · 29 يونيو 2026
"ماذا عن 20 ألف طفل قُتلوا؟" رغم محاولته التهرب من الإجابة.. مذيع LBC لويس غودال يحرج المتحدث الدولي باسم الاحتلال، جوناثان هارونوف، ويشكك في تصريحاته التي تزعم أن إسرائيل تستهدف "الإرهابيين" فقط في غزة. #شاهد #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 29 يونيو 2026
"نحن لدينا أطفالٌ أيضًا نتمنى أن يعيشوا حياةً طبيعية" الشاب الغزي النازح من رفح عبد الحليم ريحان يوجه رسالةً مؤثرةً من قلب المعاناة إلى العالم، يلخص فيها وجع الحرب المستمرة ومأساة الأطفال والنساء والرجال. منظمة "Action For Humanity" تدعوكم لترجمة…
عرض المزيد على X ←