السر وراء مشاركة أطفال في أعمال شغب في بريطانيا
كشف تقرير حديث أن انعدام الثقة بالشرطة، إلى جانب غياب الفرص أمام الشباب، كانا من العوامل الرئيسة التي دفعت مئات الأطفال “المحرومين من السلطة” للمشاركة في أعمال الشغب التي اجتاحت عدة مناطق في إنجلترا العام الماضي.
أكدت راشيل دي سوزا، مفوضة الأطفال في إنجلترا، أن الأطفال الذين شاركوا في تلك الاضطرابات لم يكونوا مدفوعين بأيديولوجيات يمينية متطرفة أو مشاعر عنصرية أو حتى معلومات مضللة منتشرة عبر الإنترنت، وهو ما اعتبرته السردية السائدة في ذلك الوقت.
بدلًا من ذلك، أوضحت دي سوزا أن العديد من هؤلاء الأطفال كانوا مدفوعين بكراهية الشرطة، ورأوا في أعمال الشغب فرصة للانتقام. في حين انضم آخرون بدافع الفضول أو رغبة في الإثارة اللحظية.
عقوبات صارمة تثير الجدل

في حديثها لصحيفة الجارديان، أعربت دي سوزا عن قلقها من المعاملة القاسية التي تعرض لها الأطفال، مشيرةً إلى أن العقوبات التي فُرِضت عليهم كانت “شديدة على نحو غير مسبوق”، وذلك في إطار الحملة الأمنية الصارمة التي أمر بها رئيس الوزراء كير ستارمر خلال الصيف الماضي.
دعت مفوضة الأطفال إلى محو السجلات الجنائية للشباب عند بلوغهم سن الـ18، باستثناء الجرائم الخطرة. وأشارت إلى أن الإدانات التي يتلقاها الشباب في إنجلترا وويلز تبقى مسجلة بصفة دائمة على أنظمة الشرطة، ما يجعلها عائقًا مستمرًّا أمام فرص العمل في المستقبل.
بدأت أعمال الشغب في ساوثبورت، بميرسيسايد، في أعقاب مقتل ثلاث فتيات صغيرات خلال حصة رقص مستوحاة من أغاني تايلور سويفت يوم الـ29 من يوليو.
وفي تطور صادم، حُكم الأسبوع الماضي على أكسل روداكوبانا، البالغ من العمر 18 عامًا، بالسجن مدى الحياة، مع إلزامه بقضاء 52 عامًا على الأقل، بعد اعترافه بقتل بيبي كينغ (6 سنوات)، وإلسي دوت ستانكومب (7 سنوات)، وأليس دا سيلفا أغير (9 سنوات)، إضافة إلى محاولة قتل ثماني فتيات أخريات وشخصين بالغين حاولا التدخل لإنقاذهن. كما أقر بحيازة نسخة من دليل لتنظيم القاعدة، وإنتاج سم الريسين القاتل.
اندلعت الفوضى في ساوثبورت بعد أقل من 24 ساعة على الجريمة، عقب انتشار معلومات مغلوطة على الإنترنت، زعمت أن المشتبه به طالب لجوء مسلم وصل إلى بريطانيا عبر قارب صغير، وكان تحت مراقبة جهاز (MI5).
وقالت دي سوزا، التي أجرت مقابلات مع 14 طفلًا من المتهمين في أعمال الشغب: إن الادعاءات الزائفة التي روّجها مؤثرو اليمين المتطرف “قد يكون لها دور”، لكنها لم تكن الدافع الأساسي وراء تصرفات هؤلاء الأطفال.
رفض التطرف ولكن كراهية الشرطة سائدة

أكدت المفوضة أن الأطفال الذين جرى استجوابهم لم يذكروا أي دوافع مناهضة للهجرة أو توجهات يمينية متطرفة، بل أعرب العديد منهم عن رفضهم لهذه الأفكار تمامًا.
وأضافت: “كنت أتوقع سماع المزيد عن تأثير شخصيات مثل أندرو تيت، لكن ذلك لم يكن موجودًا على الإطلاق. ما سمعته هو أن عددًا كبيرًا من الأطفال كانوا هناك لأنهم يكرهون الشرطة، وكانوا واضحين جدًّا بشأن ذلك”.
وأشارت إلى أن بعض هؤلاء الأطفال كانوا طلابًا متفوقين، ومتدربين في الجيش، وبعضهم كان متدربًا على أعمال الكهرباء، لكنهم رأوا في أعمال الشغب فرصة للانتقام من الشرطة؛ بسبب تجاربهم السابقة مع قوات الأمن، وشعورهم العام بانعدام الثقة في مؤسسات الدولة.
بحسَب بيانات وزارة العدل البريطانية، مثل 916 شخصًا أمام المحاكم بسبب أعمال الشغب، من بينهم 106 أطفال دون سن الـ18.
ومن بين 485 شخصًا صدرت بحقهم أحكام بالسجن بحلول الـ2 من ديسمبر، كان هناك 9 قُصّر، في حين تلقى آخرون أوامر إعادة تأهيل أو عقوبات غير سالبة للحرية.
ووفقًا لبيانات الشرطة، التي حصلت عليها الجارديان، اعتُقِل 286 طفلًا وشابًّا ضمن 1,804 أشخاص على صلة بالاضطرابات حتى الـ21 من يناير. وكان من بين هؤلاء 4 أطفال في سن الـ11، و10 أطفال في سن الـ12، و21 طفلًا في سن الـ13.
أثار التقرير قلقًا بشأن سرعة وحِدّة الأحكام القضائية بحق الأطفال، حيث أشار إلى أن معظمهم لم يكن لديه سجل جنائي سابق.
كما سلط الضوء على أن العديد منهم كانوا يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD)، الذي يتسبب بالاندفاع، وصعوبة في مقاومة الإغراءات، وسلوكيات خطرة، وهي عوامل لم تُؤخذ بعين الاعتبار أثناء المحاكمات.
وأوضحت دي سوزا أن بعض الأطفال حُكم عليهم بالسجن، ما أدى إلى تعطيل حياتهم بالكامل في مرحلة حاسمة، بدلًا من دعمهم لاتخاذ قرارات أفضل.
كما أشارت إلى أن العديد من الأطفال اعتُقِلوا بطريقة قاسية، حيث داهمت قوات الشرطة منازلهم أو أوقفتهم في الأماكن العامة بفرق مكونة من 6 إلى 10 ضباط، قبل أن يُحتجزوا في مراكز الشرطة 48 إلى 72 ساعة، وهو ما يُعَد خرقًا لمعايير وزارة الداخلية التي تحذر من أن الاحتجاز المطول قد يسبب ضررًا نفسيًّا للأطفال.
ما بين العقاب والتأهيل.. جدل بشأن نظام العدالة

أكدت دي سوزا أن الرد الأمني القاسي يثير تساؤلات عن دور نظام العدالة الجنائية للشباب، الذي يجب أن يسعى إلى إعادة التأهيل وليس العقاب فقط.
وقالت: “عندما ينشأ الطفل في بيئة غير عادلة، ثم يواجه معاملة غير عادلة من النظام، فإن ذلك يؤدي إلى تفاقم الوضع ويزيد من المشكلات الأمنية”.
وأضافت: إن معظم الأطفال أقروا بمسؤوليتهم عن أفعالهم، لكن قلة منهم ظلوا غير نادمين ومتمسكين بمواقفهم.
ونبّه الأطفال الذين جرى استجوابهم إلى ضرورة أن تبذل الحكومة مزيدًا من الجهود لمكافحة الفقر وتوفير فرص أفضل للشباب، مؤكدين أن غياب هذه الحلول يزيد من احتمال انخراطهم في الجريمة.
نظرة مستقبلية

أكدت دي سوزا أن تقريرها “لا يبرر الجريمة”، لكنها نبّهت إلى أن الضرر الناجم عن أفعال هؤلاء الأطفال لا يمكن إنكاره.
وختمت بالقول: “ما توصلنا إليه لا يقدم حلولًا سهلة، لكنه يعكس واقعًا أكثر تعقيدًا مما تم تداوله بعد أعمال الشغب. علينا أن نواجه هذا الواقع من أجل تحسين مستقبل الطفولة في بريطانيا”.
من جانبه أشار متحدث باسم المجلس الوطني لقادة الشرطة إلى ضرورة تفادي تجريم الأطفال بلا داعٍ، لكنه أكد أن الشرطة ملزمة بحماية المجتمع والتعامل بحزم خلال فترات الاضطراب العام.
إقرأ أيّضا
الرابط المختصر هنا ⬇