من الليبرالية إلى الإسلاموفوبيا: تحولات مرشح حزب ريفورم مات غودوين
في دائرة انتخابية يُشكّل المسلمون أكثر من ربع ناخبيها، تستعد مدينة مانشستر لمعركة سياسية غير تقليدية، بعد إعلان حزب «ريفورم» اليميني ترشيح شخصية معروفة بخطابها الحاد تجاه الهجرة والمسلمين. فالانتخابات الفرعية المقبلة في جورتون ودنتون لا تُختزل في سباق مقعد برلماني فحسب، بل تكشف تحولات أعمق في المشهد السياسي البريطاني، حيث ينتقل أكاديميون سابقون من دراسة اليمين المتطرف إلى اعتلاء منصاته.
انتخابات فرعية تكشف اضطراب الهُوية والسياسة

مع اقتراب موعد الانتخابات الفرعية في دائرة غورتون ودنتون بمنطقة مانشستر الكبرى، يتحول السباق الانتخابي تدريجيًّا إلى اختبار سياسي أوسع لرئيس الوزراء كير ستارمر وحكومته، في ظل تراجع شعبية حزب العمال وصعود قوى اليمين الشعبوي. غير أن دخول اسم بعينه على خط المنافسة أعاد إشعال الجدل بشأن حدود الخطاب السياسي، والعلاقة المتوترة بين اليمين البريطاني والجاليات المسلمة.
فقد أعلن حزب ريفورم يو كيه ترشيح الإعلامي والباحث السابق مات غودوين لخوض الانتخابات، في دائرة يُشكّل المسلمون فيها أكثر من ربع الناخبين، ما جعل مواقفه السابقة من الإسلام والهجرة محورًا بارزًا للنقاش السياسي والإعلامي.
انتخابات فرعية تتجاوز حدود الدائرة

الانتخابات المرتقبة، والمقررة في الـ26 من شباط/فبراير، جاءت عقب قرار اللجنة التنفيذية لحزب العمال منع عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام من الترشح، وهو ما اعتبره مراقبون خطوة تستهدف تحجيم أي منافس داخلي محتمل لستارمر.
في المقابل، بدا حزب ريفورم حريصًا على استثمار اللحظة، رغم تعثرات دعائية أثارت السخرية، أبرزها حملة انتخابية خاطئة نفذها نائب الحزب لي أندرسون في دائرة غير معنية بالتصويت. ومع ذلك، فإن ترشيح غودوين منح الحزب دفعة إعلامية واضحة، وإن كانت محفوفة بالمخاطر.
من باحث في اليمين إلى مرشح باسمه
ما يجعل غودوين حالة خاصة داخل حزب ريفورم أنه لا ينتمي إلى المسار التقليدي لقياداته. فهو ليس سياسيًّا سابقًا في حزب المحافظين، بل أكاديمي درس لسنوات الحركات القومية واليمين المتطرف، وكتب عن حزب الاستقلال البريطاني الذي قاده لاحقًا نيجل فاراج.
كما شغل بين عامي 2013 و2015 موقعًا استشاريًّا داخل الحكومة البريطانية لمكافحة الكراهية ضد المسلمين، قبل أن ينسحب معلنًا أن الدولة لا تُولي هذه القضية اهتمامًا حقيقيًّا، وأنها أخفقت في بناء جسور ثقة مع الجاليات المسلمة.
غير أن هذا المسار لم يستمر طويلًا.
انعطافة فكرية وخطاب إقصائي
خلال العقد الأخير، انتقل غودوين تدريجيًّا من موقع الباحث النقدي إلى موقع المنظّر لخطاب ثقافي إقصائي. فقد بات يشكك علنًا في “بريطانية” المواطنين المولودين في البلاد إذا كانوا من أصول مهاجرة، معتبرًا أن الجنسية “أكثر من مجرد أوراق”.
وفي تصريحات متكررة، وصف الإسلاموفوبيا بأنها “مفهوم مسيّس وغير محدد”، وذهب أبعد من ذلك بالقول إن “ملايين المسلمين في بريطانيا يحملون قيَمًا تتعارض جوهريًّا مع أسلوب الحياة البريطاني”، وهو خطاب أثار إدانات واسعة النطاق من أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني.
كما تبنّى غودوين أطروحات “التحول الديمغرافي”، محذرًا مما سماه “أزمة وجودية”، مع توقعه أن يصبح البِيض أقلية خلال العقود المقبلة، في طرح يُعيد إنتاج سرديات اليمين المتطرف بلغة أكاديمية مبسطة.
دائرة متعددة… ورسائل انتخابية حذرة
تزداد المفارقة وضوحًا في ضوء طبيعة الدائرة الانتخابية، التي تُعد من أكثر الدوائر تنوعًا عرقيًّا ودينيًّا، حيث تمثل الأقليات العرقية نحو 44 في المئة من السكان، ويُعرّف نحو 79 في المئة أنفسهم بأنهم بريطانيون.
ورغم ذلك، تجنّب غودوين عند إطلاق حملته التطرق مباشرة إلى قضايا الهُوية والدين، مفضّلًا تأطير الانتخابات بوصفها “فرصة لمحاسبة حكومة ستارمر”، في محاولة واضحة لتخفيف حدة مواقفه السابقة أمام ناخبين يُفترض أنهم الأكثر تضررًا منها.

تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن ترشيح مات غودوين يعكس مسارًا سياسيًّا يتجه يمينًا نحو مزيد من الإقصاء والمركزية البيضاء، في سياق لا يمكن فصله عن التحول الأوسع في المشهد السياسي البريطاني، حيث بات الخطاب المعادي للمسلمين والهجرة يُقدَّم في ثوب “تحليل ثقافي” أو “واقعية سياسية”، بدل ظهوره الصريح كشعارات متطرفة.
وترى المنصة أن هذا التحول يضع المجتمعات المسلمة في بريطانيا أمام معادلة معقدة: خطاب سياسي يشكك في انتمائها، لكنه يسعى في الوقت ذاته إلى كسب أصواتها أو تجاهلها تكتيكيًّا. وفي هذا السياق، تصبح الانتخابات الفرعية في غورتون ودنتون اختبارًا لا لشعبية الأحزاب فحسب، بل أيضًا لقدرة الديمقراطية البريطانية على رسم حدود واضحة بين حرية التعبير وخطاب الإقصاء.
ميدل إيست آي
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
