ما معنى عبارة “عولمة الانتفاضة” ومتى ظهرت لأول مرة؟
قليل من العبارات المرتبطة بالحراك المؤيد لفلسطين أصبح مثار جدل بقدر عبارة «عولمة الانتفاضة». فقد تعرض الشعار لانتقادات حادة من سياسيين وغيرهم، لا سيما بعد الهجوم المعادي للسامية على شاطئ بونداي في أستراليا في كانون الأول/ديسمبر (مع التأكيد على أن منفذي الهجوم لم يستخدموا العبارة ولم يعبّروا عن دعمهم لفلسطين).
في المقابل، يقول ناشطون مؤيدون لفلسطين: إن الشعار ليس معاديًا للسامية، بل دعوة إلى انتفاضة عالمية ضد الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في غزة، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 71 ألف فلسطيني منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
في بريطانيا، وُجّهت هذا الأسبوع تهم إلى ثلاثة أشخاص بسبب ترديدهم الشعار، استنادًا إلى تشريعات قالت الحكومة إنها تستهدف التحريض على الكراهية العرقية.
ماذا تعني كلمة «انتفاضة»؟
كلمة «انتفاضة» عربية، ويمكن توصيف معناها بدقة على أنه «هزّ» أو «تحرر» من القمع السياسي، بما يقارب معنى «التمرد» أو «الانتفاض».
وقد استُخدمت الكلمة لوصف انتفاضات داخل العالم العربي وخارجه، من بينها الانتفاضة اليهودية في غيتو وارسو خلال الحرب العالمية الثانية.
وشملت انتفاضات مدنية وُصفت بهذا المصطلح انتفاضة العراق عام 1952 ضد النظام الهاشمي، وانتفاضات الصحراويين ضد الاحتلال المغربي في أوائل العقد الأول من الألفية، وكذلك انتفاضات عام 2011 في دول عربية مثل تونس ومصر.
لكن المصطلح ارتبط على نحو أوثق بفلسطين وبمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، الذي يسيطر على الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967.
ومنذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، باتت كلمة «انتفاضة» تشير تحديدًا إلى انتفاضتين فلسطينيتين: الانتفاضة الأولى (1987–1993) والانتفاضة الثانية (2000–2005).
ما هي الانتفاضة الأولى؟

اندلعت الانتفاضة الأولى بين عامي 1987 و1993، في ظل تصاعد القمع الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقادها إلى حد كبير منظمون محليون وشباب ونساء، أكثر من كونها نتاجًا لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت آنذاك في المنفى بالجزائر.
وشملت أساليبها مظاهرات سلمية، وإضرابات، ورفض دفع الضرائب، وعصيانًا مدنيًّا، إضافة إلى رشق الحجارة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي.
كثير من المشاركين كانوا من سكان مخيمات اللاجئين التي أُنشِئت بعد نكبة عام 1948، حين قتلت العصابات الصهيونية نحو 13 ألف فلسطيني وهجّرت 750 ألفًا آخرين قبل إعلان قيام دولة إسرائيل. كما هُجّر نحو 300 ألف فلسطيني إضافي إلى المخيمات خلال حرب 1967، عندما احتلت إسرائيل غزة والضفة الغربية.
اندلعت الانتفاضة الأولى في الـ9 من كانون الأول/ديسمبر 1987، عندما اصطدمت شاحنة عسكرية إسرائيلية بمركبتين فلسطينيتين متوقفتين في مخيم جباليا للاجئين في غزة، ما أدى إلى مقتل أربعة فلسطينيين.
وخلال الانتفاضة، أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية، بقيادة ياسر عرفات، التي كانت منخرطة في مفاوضات سلام بوساطة أميركية، رفضها «الإرهاب» واعترافها بحق إسرائيل في الوجود ضمن حدود عام 1967، كما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 242.
انتهت الانتفاضة الأولى عام 1993 مع توقيع أول اتفاقيات أوسلو. وبحلول ذلك الوقت، كانت القوات الإسرائيلية قد قتلت أكثر من ألف مدني فلسطيني، بينهم نحو 250 طفلًا، بحسَب أرقام منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، بينما قُتل نحو 150 إسرائيليًّا، من بينهم 100 مدني.
ما هي الانتفاضة الثانية؟

بحلول خريف عام 2000، كان مسار السلام قد وصل إلى طريق مسدود، مع شعور واسع بين الفلسطينيين بأن اتفاقيات أوسلو فشلت.
في الـ28 من أيلول/سبتمبر 2000، زار أرييل شارون، زعيم حزب الليكود اليميني آنذاك، المسجد الأقصى في القدس، أحد أقدس المواقع في الإسلام، برفقة قوات من شرطة مكافحة الشغب الإسرائيلية.
كان شارون شخصية مكروهة فلسطينيًّا، إذ سبق له، بصفته وزيرًا للدفاع عام 1982، أن أشرف على دعم الجيش الإسرائيلي لمجازر صبرا وشاتيلا، التي قُتل فيها ما يصل إلى 3500 شخص، معظمهم من اللاجئين الفلسطينيين، على يد ميليشيات لبنانية متحالفة مع إسرائيل.
عندما خرج الفلسطينيون في القدس احتجاجًا على زيارة شارون للأقصى، ردت السلطات الإسرائيلية بالقوة القاتلة. وسرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى الضفة الغربية وغزة.
ومن بين القتلى كان محمد الدرة، الطفل الفلسطيني البالغ من العمر 12 عامًا، الذي قُتل أعزل عند مفترق نتساريم وسط غزة في الـ30 من أيلول/سبتمبر 2000. وانتشر تسجيل مصور لمقتله، ما أثار غضبًا عالميًّا وأصبح الصورة الأبرز للانتفاضة الثانية.
وخلال الانتفاضة، لجأت فصائل فلسطينية بشكل متزايد إلى العمليات التفجيرية ضد إسرائيليين، قُتل نحو ألف منهم، بحسَب «بتسيلم». وفي المقابل، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني، غالبيتهم من المدنيين.
كما اغتالت إسرائيل أكثر من 200 قائد سياسي فلسطيني. وكان مروان البرغوثي، القيادي البارز في حركة فتح وأحد أبرز قادة الانتفاضة، قد نجا من عدة محاولات اغتيال قبل اعتقاله في نيسان/إبريل 2002، ولا يزال حتى اليوم في سجن إسرائيلي.
في شباط/فبراير 2005، اتفق رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون على هدنة في مؤتمر عُقد في شرم الشيخ بمصر، رغم أن القتال استمر لأشهر لاحقة. وانسحبت إسرائيل من غزة بحلول آب/أغسطس 2005.
متى ظهر تعبير «عولمة الانتفاضة»؟
الأصل الدقيق للعبارة غير معروف، لكن من أوائل الإشارات الموثقة إلى استخدامها ما كتبته الصحفية إستر كابلان قبل أكثر من عشرين عامًا.
ففي كتاب صدر عام 2003 بعنوان Wrestling with Zion: Progressive Jewish-American Responses to the Israeli-Palestinian Conflict، «الصراع مع الصهيونية: ردود يهودية أميركية تقدمية على النزاع الإسرائيلي الفلسطيني» وتحت فصل بعنوان «عولمة الانتفاضة»، رصدت كابلان مسيرة مناهضة للحرب ضد سياسات الرئيس الأميركي آنذاك جورج دبليو بوش، وكتبت:
«كان عدد المشاركين في أول مسيرة كبيرة مناهضة للحرب، في واشنطن العاصمة في نيسان/إبريل 2002، الذين حملوا لافتات عن فلسطين، يفوق عدد من حملوا لافتات عن العراق. وقد عبّر أحد المتحدثين في التجمع بوضوح عن المكانة الجديدة لفلسطين في مخيلة اليسار، بدعوته إلى: “عولمة الانتفاضة!”».
ازداد استخدام العبارة بعد اندلاع الحرب في غزة في الـ7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما تبعه من عدوان إسرائيلي وإبادة في غزة.
وحظيت العبارة باهتمام واسع في نيسان/إبريل 2024، عندما ظهرت على لافتات طلابية خلال احتجاجات في جامعة كولومبيا بنيويورك، وسط حملة قمع شرطية. ووصف المشاركون تلك الاحتجاجات، التي انتشرت عالميًّا، بأنها «انتفاضة طلابية».

لماذا تعارض جماعات وسياسيون هذا الشعار؟
جذب شعار «عولمة الانتفاضة» انتقادات حتى قبل هجمات الـ7 من تشرين الأول/أكتوبر. ففي آب/أغسطس 2021، وبعد مسيرة «فلسطين حرة» في نيويورك، كتب المجلس اليهودي الأميركي:
«هتاف “عولمة الانتفاضة” يجب أن يرعبنا جميعًا. الانتفاضتان الأولى والثانية كانتا موجتين من عنف رهيب، أودتا بحياة أكثر من 1300 إسرائيلي، كثير منهم قُتلوا في تفجيرات استهدفت حافلات ومقاهي ومراكز تسوق. هذا نداء للقتل الجماعي».
وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، أعلنت بعض قوات الشرطة البريطانية نيتها حظر ترديد الشعار عقب هجوم بونداي بيتش.
وردًّا على ذلك، قال فيل روزنبرغ، رئيس مجلس نواب اليهود البريطانيين: «لطالما حذرنا من أن من يرددون شعارات مثل “عولمة الانتفاضة” يحرضون على العنف، وقد طالبنا منذ فترة بتطبيق صارم للقانون على هذا الشعار».
وأضاف: «رأينا نتائج الشعارات المحمّلة بالكراهية في هجمات قاتلة حول العالم، ويشمل ذلك مانشستر، ومتحف الكابيتول اليهودي في واشنطن، وبولدر في كولورادو، وهذا الأسبوع في بونداي بيتش».
كيف بررت الشرطة البريطانية الحظر؟

أعلنت شرطتا العاصمة البريطانية (متروبوليتان) وشرطة مانشستر الكبرى في الـ17 من كانون الأول/ديسمبر أنهما ستعتقلان أي شخص يردد شعار «عولمة الانتفاضة» أو يحمل لافتات تتضمنه.
لم يُسن أي تشريع جديد يحظر الشعار، كما لم تعلن قوات شرطة أخرى في بريطانيا مواقف مماثلة.
وفي الـ26 من كانون الثاني/يناير، وُجّهت تهم إلى ثلاثة أشخاص بـ«استخدام كلمات أو سلوكيات مهددة أو مهينة بقصد التحريض على الكراهية العرقية»، وهي تهمة تصل عقوبتها القصوى إلى السجن سبع سنوات.
وكان الثلاثة قد اعتُقلوا، إلى جانب فتى يبلغ 17 عامًا (لم تُوجّه له تهمة)، بزعم ترديدهم الشعار خلال احتجاج في لندن دعمًا لسجناء حركة «بالستاين أكشن» المضربين عن الطعام في الـ17 من كانون الأول/ديسمبر.
وقالت قوتا الشرطة في بيان مشترك: إنهما بدأتا تشديد التعامل مع من يردد الشعار بعد هجوم بونداي بيتش في الـ14 من كانون الأول/ديسمبر، الذي نفذه مسلحان قيل إنهما «استُلهمَا» من تنظيم الدولة الإسلامية. ولم يستخدم منفذا الهجوم الشعار، ولم يكونا فلسطينيين.
وأضاف البيان أن «جرائم الكراهية المعادية للسامية ارتفعت، واشتدت الاحتجاجات، وتزايدت الإساءة عبر الإنترنت منذ 2023»، وأن «أعمال عنف وقعت، والسياق تغيّر، الكلمات لها معنى وتبعات. سنتصرف بحزم وسنجري اعتقالات».
وأشارت الشرطة إلى أنها تلقت «بصورة متواصلة» نصائح من النيابة العامة (CPS) مفادها أن «العديد من العبارات التي تثير الخوف لدى المجتمعات اليهودية لا ترقى إلى عتبة الملاحقة القضائية. لكن في ظل تصاعد التهديد، سنعيد ضبط نهجنا لنكون أكثر حزمًا».
ماذا قالت المجموعات المؤيدة لفلسطين؟

قال ناشطون: إن شعار «عولمة الانتفاضة» لا يدعو إلى العنف ضد اليهود.
وقال بن جمال، مدير حملة التضامن مع فلسطين، التي تنظم المسيرات الكبرى المؤيدة لفلسطين في بريطانيا، لموقع ميدل إيست آي:
«هناك سبب مشروع بالكامل لاستخدام الناس لهذا الشعار، وهو الدعوة إلى دعم عالمي لإنهاء اضطهاد الشعب الفلسطيني بكل أشكال المقاومة المشروعة».
وأضاف: «هذا ليس نداء للعنف ضد المدنيين أو اليهود، والقول بذلك، في رأيي، شكل من أشكال العنصرية المعادية للفلسطينيين».
وأشار جمال أيضًا إلى أن التقارير التي تزعم ترديد الشعار باستمرار في التظاهرات المؤيدة لفلسطين غير صحيحة.
من جانبه، قال المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين: إن القانون طُبق من دون تفكير كاف.
وأضاف: «يجب أن تكون الشرطة منضبطة بالقانون، لا خاضعة لضغوط سياسية رجعية. لم تكتف النيابة العامة بإبلاغ الشرطة بأن العبارة لا تستوفي شروط الملاحقة، بل إن “الحظر” نفسه متهور وغير منطقي، إذ يخلط على نحو غير مناسب بين أعمال عنف وبين متظاهرين يعارضون الإبادة المستمرة في غزة».
ماذا قال السياسيون البريطانيون؟
لم يعلق رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على قرار النيابة العامة توجيه اتهامات بسبب الشعار، لكنه قال في البرلمان في الـ14 من تشرين الأول/أكتوبر: إن عبارة «تدويل الانتفاضة» هي «دعوة لمهاجمة المجتمعات اليهودية حول العالم».
أما وزير الصحة ويس ستريتنغ، فدافع بقوة عن القرار، واصفًا من لا يرون في الشعار دعوة إلى العنف بأنهم «سذّج». وقال في الـ15 من كانون الأول/ديسمبر: «أقول لهؤلاء بوضوح وبحزم: ماذا تظنون أن عبارة “عولمة الانتفاضة” تعني؟». وأضاف أن الشعار «يُستقبل ويُفهم بوصفه دعمًا لأعمال إرهابية ضد اليهود».
في المقابل، أعربت منظمات حقوقية عن قلقها إزاء الإجراءات المتخذة ضد الاحتجاجات وحرية التعبير في بريطانيا.
وقد اعتُقل متظاهرون بسبب ترديدهم شعار «من النهر إلى البحر، فلسطين ستتحرر»، رغم أن الشرطة كانت قد صرحت سابقًا بأن ترديده لا يشكل جريمة. وقال ستارمر في الـ16 من تشرين الأول/أكتوبر إنه يرى أن العبارة معادية للسامية.
كما اعتُقل أكثر من ألفين وسبعمئة شخص بموجب قانون الإرهاب؛ بسبب حملهم لافتات تقول: «أعارض الإبادة الجماعية. أدعم بالستاين أكشن»، منذ حظر الحركة في تموز/يوليو، وهو ما أثار إدانة من مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك.
ماذا عن أستراليا والولايات المتحدة؟
بعد هجوم بونداي بيتش في سيدني، وصف رئيس وزراء ولاية نيو ساوث ويلز، كريس مينز، الشعار بأنه «خطاب كراهية وعنف»، وأعلن فتح تحقيق برلماني في حظر تعابير مثل «عولمة الانتفاضة».
وقال في الـ22 من كانون الأول/ديسمبر: «لقد رأيتم عواقب عولمة الانتفاضة. إنها وفاة 15 شخصًا بريئًا على شواطئ بونداي، فقط لأنهم كانوا يمارسون شعائرهم الدينية بسلام».
واتُّهم مينز، وهو من الجناح اليميني في حزب العمال الحاكم، بالتسرع في التحقيق البرلماني، المقرر أن يصدر تقريره النهائي نهاية كانون الثاني/يناير.
كما أقر برلمان الولاية قانونًا شاملًا يمنح مفوض الشرطة صلاحيات غير مسبوقة لحظر الاحتجاجات لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، إلى جانب تشديد قوانين حيازة السلاح على مستوى الولاية والمستوى الوطني.
في الولايات المتحدة، امتنع عمدة نيويورك زُهران ممداني عن إدانة الشعار في برنامج (قابل الصحافة) Meet the Press على قناة NBC في الـ29 من حزيران/يونيو، لكنه قال: «هذه ليست اللغة التي أستخدمها».
وفي مجلس النواب الأميركي، طُرح في تموز/يوليو مشروع قرار مشترك بين الحزبين يدعو القادة الوطنيين إلى «إدانة شعار “عولمة الانتفاضة” بوصفه دعوة إلى العنف ضد الإسرائيليين واليهود حول العالم».
ولا يزال القرار قيد النقاش، ويزعم أن «هذا الشعار كان عبر التاريخ هتافًا تحريضيًّا على العنف ضد الإسرائيليين واليهود».
المصدر: ميدل إيست آي
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
