مصادرة هواتف طالبي اللجوء تثير اتهامات بانتهاك الإنسانية
أثارت السياسة الجديدة لمصادرة هواتف طالبي اللجوء في بريطانيا جدلًا واسعًا، ووجهت لها انتقادات شديدة من قبل اللاجئين ومنظمات حقوق الإنسان، التي اعتبرت التشريعات الجديدة تعديًا على الخصوصية وتقويضًا لمكانة بريطانيا كملاذ آمن لأولئك الفارين من النزاعات والاضطهاد.
خلفية سياسية وسياسات جديدة

في عام 2023، تولى ريشي سوناك رئاسة وزراء بريطانيا خلفًا لليز تروس بعد فترة قصيرة وصعبة على الحكومة. ومع تراجع شعبية حزبه بشكل حاد، ركز سوناك على قضية كانت سابقًا محصورة إلى حد كبير بين مجموعات اليمين المتطرف والصحف الشعبية، وهي رحلات القوارب الصغيرة التي تنقل طالبي اللجوء عبر القنال الإنجليزي من فرنسا.
وقد جعل سوناك هذه القضية واحدة من خمسة وعود رئيسية لحكومته الجديدة، لتصبح بعد ذلك من أبرز القضايا الوطنية، بدعم من حزب المعارضة العمالي وأيضًا من حزب “ريفورم يو كيه” اليميني المتطرف.
ومنذ ذلك الوقت، تنافست الأحزاب على فرض قيود أشد على حقوق من يُعتبر أنهم عبروا القنال بشكل “غير قانوني”، وهو ما دفع منظمات غير حكومية وطالبي لجوء سابقين للتعبير عن مخاوفهم من أن بريطانيا لم تعد ملاذًا آمنًا.
تفاصيل التشريع الجديد
هذا الأسبوع، أصدرت الحكومة العمالية تشريعًا يسمح للمسؤولين بمصادرة هواتف طالبي اللجوء وبطاقات الاتصال SIM الخاصة بهم دون الحاجة إلى اعتقالهم، رسميًا لتسهيل تتبع مهربي البشر الذين نظموا رحلتهم.
وعلى الرغم من تأكيد وزارة الداخلية البريطانية لإعادة الهواتف في “معظم الحالات”، وصف كثير من الناشطين التشريع بأنه انتهاك صارخ للخصوصية ويفترض ضمنيًا أن كل لاجئ قد يشكل تهديدًا أمنيًا.
أحد اللاجئين الإيرانيين، والذي عبر القنال إلى بريطانيا ويقيم الآن في لندن تحت اسم مستعار لأسباب أمنية، وصف هاتفه بأنه كان “وسيلة حيوية للبقاء على تواصل” خلال رحلته.
وقال: “كان هاتفي أساسيًا وليس اختياريًا، يحتوي على جهات اتصال وأدلة تتعلق بطلب اللجوء ومعلومات ساعدتني على البقاء آمنًا وموجهًا أثناء الرحلة”.
وأضاف أنه كان سيجد الأمر “مجهدًا للغاية” لو تم تنزيل بياناته، وسيشعر كما لو كان مشتبهًا به جنائيًا وليس طالب حماية.
كما أوضح أن فقدان الهاتف عند الوصول يعرض اللاجئين لعزلة شديدة في أكثر اللحظات ضعفًا، لأن فقدان الهاتف يعني فقدان الأدلة والاتصال والقدرة على شرح القضية بشكل صحيح.
إجراءات صارمة في مراكز الاستقبال

تسمح الصلاحيات الجديدة، التي دخلت حيز التنفيذ يوم الإثنين الماضي، للمسؤولين في مركز معالجة مانستون في كنت بفحص طالبي اللجوء بشكل شامل، بما في ذلك إزالة المعاطف أو السترات أو القفازات وفحص أفواههم بحثًا عن بطاقات SIM مخفية أو أجهزة إلكترونية.
وقال أليكس موريس، وزير الأمن الحدودي واللجوء، إن مركز مانستون مزود بتقنيات لتنزيل البيانات من الأجهزة، مشيرًا إلى أن ذلك ضروري لجمع معلومات حول شبكات تهريب البشر.
وأكدت وزارة الداخلية أن الصلاحيات ستُطبق أيضًا على القاصرين “عند الحاجة وبشكل متناسب”، مع الإشارة إلى أن القاصرين غير المصحوبين لا يُرسلون إلى مانستون.
في هذا الإطار، أبدت منظمات حقوق الإنسان قلقها الشديد من هذا التشريع، وقال ستيف سميث، الرئيس التنفيذي لمجموعة Care4Calais: “هذه الممارسة غير إنسانية، وقد وُصفت بأنها غير قانونية في ظل الحكومة السابقة، ومن المخزي أن حكومة عمالية شرّعت تنفيذها، حان الوقت لتتصرف الحكومة كحزب عمالي حقيقي وتبدأ في معاملة البشر بكرامة واحترام”.
سياق الهجرة عبر القنال
تمثل رحلات القوارب الصغيرة نسبة ضئيلة من إجمالي الهجرة إلى بريطانيا، لكن الاعتقاد بأن من يقوم بالرحلة يفعل ذلك “بشكل غير قانوني” ساهم في تأجيج الغضب الشعبي.
وفي عام 2025، وصل 41,472 مهاجرًا عبر القنال على متن قوارب صغيرة، وهو ثاني أعلى رقم سنوي، بعد الرقم القياسي في 2022 الذي بلغ 45,774 مهاجرًا.
وتصف الحكومة البريطانية هؤلاء كجزء من شبكات إجرامية، حيث يفرض المهربون آلاف الباوندات على اللاجئين لنقلهم عبر أوروبا إلى بريطانيا.
وقال موريس عن قانون الأمن الحدودي واللجوء والهجرة الجديد: “ننفذ قوانين صارمة مع عقوبات قوية لاعتراض هذه العصابات الشريرة وتعطيلها وتفكيكها بشكل أسرع من أي وقت مضى وقطع سلاسل الإمداد الخاصة بها”.
السياسة البريطانية وتأثير التشريع

أظهرت استطلاعات الرأي تقدمًا لحزب “ريفورم يو كيه” بقيادة نايجل فاراج، بينما حاول الحزب العمالي الحاكم، غير الشعبي بشدة، توسيع نفوذه في مناطق دعم “ريفورم”.
ووعد رئيس الوزراء كير ستارمر بـ “تحطيم العصابات” التي تنقل اللاجئين عبر القنال، وأعلنت وزيرة الداخلية شابانا محمود عن إنهاء وضع الإقامة الدائمة للاجئين في بريطانيا، مؤكدة أن “الهجرة غير القانونية تمزق بريطانيا”، حسب وصفها. وتفاخر الوزراء بجعل بريطانيا “دولة أقل جاذبية” للقدوم إليها.
وفي هذا الإطار، يخشى المدافعون عن حقوق اللاجئين أن تشريع مصادرة الهواتف ليس سوى بداية سلسلة من الإجراءات التي قد تزيد من معاناة طالبي اللجوء.
وقال دانيال سوهج، مدير مجموعة Stand for All: “هذه سرقة على مستوى الدولة، مع فرصة ضئيلة أو معدومة لاستبدال الهواتف وجهات الاتصال بعد حدوثها. ومع عمليات البحث التدخلية المقترحة، تشكل هذه السياسة انتهاكًا بشعًا للإنسانية، تهمش اللاجئين وتعيد صدمتهم في الوقت نفسه”.
تحذيرات من آثار التشريع على حقوق اللاجئين
من جهتها، تعرب منصة العرب في بريطانيا (AUK) عن قلقها البالغ إزاء التشريع الجديد، معتبرة أن مصادرة هواتف طالبي اللجوء يعكس استمرار التعامل مع ملف اللجوء كعبء إداري وأمني فقط، وليس كقضية إنسانية وقانونية تتطلب حلولًا شاملة ومستدامة. وأوضحت المنصة أن هذه الإجراءات تزيد من معاناة اللاجئين، وتزيد من شعورهم بالعزلة والتهديد عند وصولهم إلى المملكة المتحدة، بدلًا من توفير الحماية والدعم الذي كانوا يأملون فيه.
كما أكدت AUK أن فرض هذه القيود، بما في ذلك تنزيل البيانات الشخصية والتدخل في خصوصيات اللاجئين، قد يضاعف من صعوبة تقديمهم لأدلة على حالاتهم، ويزيد من شعورهم بأنهم يُعاملون كمشتبه بهم بدلاً من أشخاص يبحثون عن الأمان والحماية.
وتشير المنصة إلى أن هذه السياسات قد تؤدي إلى فقدان الثقة بالنظام البريطاني للجوء، وهو ما يتناقض مع مكانة المملكة المتحدة التقليدية كملاذ آمن للاجئين والفارين من النزاعات.
المصدر: ميدل إيست آي
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
