مشروع ترام ليدز بقيمة 2.5 مليار باوند مهدد بالفشل لهذا السبب
يثير مشروع ترام ليدز، الذي طال انتظاره لعقود، جدلًا متجددًا في بريطانيا حول قدرة الدولة على تنفيذ مشروعات النقل الكبرى خارج لندن، خاصة في ظل تصاعد التكاليف وتكرار التأجيلات. وبين الوعود السياسية والطموحات المحلية، يواجه المشروع اليوم أسئلة حقيقية حول مستقبله وجدواه.
بعد عقود من الوعود المؤجَّلة، كان يُفترض أن يشكّل مشروع ترام مدينة ليدز نقطة تحوّل في ملف النقل العام بشمال إنجلترا. لكن المؤشرات الأخيرة توحي بأن المشروع، الذي تبلغ تكلفته 2.5 مليار باوند، يواجه خطر الانضمام إلى قائمة المشاريع الكبرى التي لم ترَ النور، وسط تأخيرات متراكمة وخلافات مالية تعيد إلى الأذهان مصير مشروع القطار الفائق السرعة إتش إس تو (HS2).
تأجيلات جديدة تثير الشكوك

بعد ستة أشهر فقط من الكشف عن المسارات الأولى المحتملة، اضطرت عمدة غرب يوركشير عن حزب العمال، تريسي برابين، إلى الإقرار بأن موعد بدء تنفيذ المشروع قد يتأجل لعدة سنوات، ليصل إلى أواخر ثلاثينيات هذا القرن بدلًا من الموعد المعلن سابقًا.
وتشير معلومات اطّلعت عليها صحيفة آي (The i Paper) إلى أن مراجعة حديثة مدعومة من وزارة الخزانة البريطانية كشفت عن «مخاوف» تتعلق بسير المشروع، من دون نشر تفاصيلها علنًا حتى الآن.
إنفاق مبكر بلا مسار نهائي
يتمثل أحد أبرز مصادر القلق في حجم الأموال التي أنفقتها هيئة غرب يوركشير المشتركة (West Yorkshire Combined Authority – WYCA) قبل الاتفاق على المسار النهائي للترام أو الانتهاء من التصميمات الأساسية.
فبحلول تشرين الأول/أكتوبر 2025، توقعت الهيئة أن تكون قد أنفقت نحو 81 مليون باوند من أصل 200 مليون باوند خُصصت لها عام 2021 لبدء المشروع. وشمل ذلك 31 مليون باوند لأعمال التصميم والدراسات البيئية، إضافة إلى تنفيذ نحو خمسة آلاف مسح ميداني تتعلق بالحياة البرية، مثل الخفافيش والطيور والغرير.
تاريخ طويل من الوعود المؤجلة

تعود الدعوات لإعادة الترام إلى ليدز، أكبر مدينة في أوروبا بلا نظام نقل جماعي شامل، إلى أكثر من أربعين عامًا. وقد وصلت الخطط مرتين إلى مراحل متقدمة قبل أن تتعثر، كان آخرها عام 2016 حين أُلغي مشروع شبكة حافلات كهربائية بتكلفة 250 مليون باوند.
ومع وصول رئيس الوزراء كير ستارمر، الذي درس في ليدز، ووزيرة الخزانة رايتشل ريفز، النائبة عن ليدز ويست، بدا أن الظروف السياسية مواتية أخيرًا. فقد تعهدت الحكومة بتقديم أكثر من ملياري باوند، مع وعد ببدء الأعمال الميدانية بحلول عام 2028.
غير أن تعثر مشاريع أخرى في الشمال، وعلى رأسها إتش إس تو ومشروع «نورذرن باورهاوس ريل» (Northern Powerhouse Rail)، أعاد طرح السؤال القديم: هل ستُنفذ خطة ترام ليدز فعلًا؟
مراجعة حكومية بلا شفافية كاملة
خضعت الخطة في أيلول/سبتمبر الماضي لمراجعة الهيئة الوطنية للبنية التحتية وتحويل الخدمات (National Infrastructure and Service Transformation Authority – NISTA)، وهي هيئة حكومية أُنشئت حديثًا وتتبع وزارة الخزانة.
ومع أن التوجيهات الحكومية تنص على تصنيف المشاريع وفق نظام «أخضر–برتقالي–أحمر» بحسَب قابليتها للتنفيذ، فإن مشروع ترام ليدز لم يحصل على أي تصنيف رسمي حتى الآن. وبدلًا من ذلك، قُدمت توصيات للهيئة المحلية، من بينها انتقاد محاولة العمل المتوازي على إعداد دراسة الجدوى والتصميم في آن واحد، ما أدى في النهاية إلى تبطيء العملية.
اتهامات بانحياز مركزي لمصلحة لندن

يرى منتقدون أن المشكلة أعمق من مجرد إدارة محلية. ويقول توم فورث، الشريك المؤسس لشركة «ذا داتا سيتي» (The Data City) في ليدز: إن السلطة والتمويل لا يزالان متمركزين في لندن وجنوب شرق إنجلترا.
ويضيف أن هذا النموذج المركزي يعوق تنفيذ المشاريع في الأقاليم، معتبرًا أن ما يحدث في ليدز ليس استثناءً، بل نمطًا متكررًا في مشاريع النقل البريطانية.
أموال صُرفت ونتائج محدودة
أشار تقرير صادر عن مركز الأبحاث «بريتن ريميد» (Britain Remade) إلى أن بطء التقدم وارتفاع التكاليف في غرب يوركشير يعكسان أزمة أوسع في قدرة بريطانيا على تنفيذ مشاريع البنية التحتية.
وقال سام دوميتريو، رئيس السياسات في المركز: إن عشرات الملايين أُنفقت من دون نتائج ملموسة، مشيرًا إلى أن مدنًا أوروبية مثل ديجون الفرنسية تمكنت من تخطيط وبناء خط ترام بطول 12 ميلًا خلال أربع سنوات فقط، وبتكلفة أقل بكثير.
دفاع سياسي وخيبة أمل معلنة
في مقابلة إذاعية حديثة، أقرت العمدة برابين بشعورها بـ«بخيبة أمل كبيرة»، مؤكدة في الوقت نفسه أن الحكومة تدعم المشروع «بالكامل»، وأن الهدف لا يزال البدء بالأعمال بحلول عام 2028.
من جانبه أكد وزير النقل كير ماثر دعم الحكومة لطموحات غرب يوركشير، مشيرًا إلى أن سكان المنطقة «انتظروا طويلًا» تحسين البنية التحتية للنقل.
بين الطموح والواقع

تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن أزمة مشروع ترام ليدز تكشف فجوة مستمرة بين الخطاب السياسي الطموح والقدرة الفعلية على تنفيذ مشاريع النقل الكبرى خارج لندن. فغياب الصلاحيات المحلية الكافية، إلى جانب التعقيدات البيروقراطية والتردد المالي، لا يهدد هذا المشروع وحده، بل يطرح تساؤلات أوسع عن مستقبل الاستثمار المتوازن في البنية التحتية البريطانية، ولا سيما في مدن الشمال التي طال انتظارها لوعود لم تتحقق بعد.
المصدر: صحيفة آي
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
