ماذا بعد أن أغلقت تل أبيب قنصلية لندن الأقدم من «دولة إسرائيل»؟
لفتني، وأنا أتابع تغطية القناة الرابعة البريطانية لقرار تل أبيب إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، تعليقٌ للمذيع أو المعلّق على الخبر، أشار فيه، بما معناه، إلى أن هذه القنصلية أقدم من «دولة إسرائيل» نفسها.
قد تبدو العبارة مجرد ملاحظة تاريخية عابرة، لكنها تختصر شيئًا من مفارقة المشهد الذي نراه اليوم.
وجود بريطاني دبلوماسي في القدس يعود إلى ما قبل قيام دولة إسرائيل بعقود طويلة، فيما تجد هذه المؤسسة البريطانية العريقة نفسها اليوم في مواجهة قرار إسرائيلي بإغلاقها، على خلفية إجراءات اتخذتها لندن تجاه المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وهنا لا بد من أن يطرح السؤال نفسه: ماذا بعد؟
ماذا بعد أن أغلقت تل أبيب القنصلية البريطانية في القدس احتجاجًا على موقف بريطاني بدأ، ولو بصورة محدودة، في الانتقال من إدانة الاستيطان إلى اتخاذ إجراءات عملية بحقه؟
الحكومة البريطانية أعلنت حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهي خطوة تستحق الترحيب من حيث المبدأ، لكن من دون مبالغة في تقدير حجمها أو أثرها.
فهي ليست مقاطعة شاملة لإسرائيل، ولا عقوبات اقتصادية واسعة، ولا إجراءً يمكن أن يوقف المشروع الاستيطاني بمفرده.
لكن أهميتها تكمن في أنها تضع سؤالًا طالما بقي معلقًا: إذا كانت بريطانيا تقول إن المستوطنات غير قانونية، فلماذا ينبغي أن تتعامل مع المنتجات القادمة منها باعتبارها بضائع عادية لا مشكلة في تداولها؟
هذه نقطة تستحق التوقف عندها.
فالمشكلة ليست فقط في المستوطنات باعتبارها تجمعات سكانية أقيمت على أرض فلسطينية محتلة، وإنما في منظومة اقتصادية كاملة تساعدها على الاستمرار والتوسع.
المستوطنات تحتاج إلى الأرض والمياه، الطرق والبنية التحتية، التمويل والشركات، إضافةً إلى الخدمات. وهي لا تعيش خارج الاقتصاد الإسرائيلي أو الدولي، وإنما تستفيد من شبكة واسعة من العلاقات التي تجعل واقعها الاستيطاني قابلًا للحياة.
ولهذا فإن منع بضائع المستوطنات من دخول السوق البريطانية، حتى لو تم تطبيقه بصورة كاملة، سيبقى خطوة محدودة ما لم يتبعها التعامل مع بقية هذه المنظومة.
ثم هناك مشكلة عملية لا يمكن تجاهلها:
كيف يمكن التفريق بدقة بين بضائع المستوطنات وغيرها من البضائع الإسرائيلية؟
قد تبدو المسألة سهلة عندما تكون السلعة قادمة مباشرة من مستوطنة معروفة، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا عندما تمر عبر شركات وموزعين ومراكز تعبئة وسلاسل توريد متعددة.
والسؤال هنا ليس تفصيليًا.
فأي حظر لا يستطيع تتبع مصدر البضاعة بصورة موثوقة، ولا يستطيع منع إعادة تصنيفها أو تمريرها عبر وسطاء، قد يتحول بسهولة إلى إجراء رمزي أكثر منه أداة ضغط حقيقية.
لذلك سيكون الاختبار الحقيقي للقرار البريطاني في طريقة تنفيذه، وليس في الإعلان عنه.
هل ستضع الحكومة آليات واضحة للتحقق من المنشأ؟
هل ستتمكن من مساءلة الشركات التي تقدم معلومات مضللة؟
وهل ستغلق الثغرات التي يمكن أن تسمح بمرور منتجات المستوطنات إلى السوق البريطانية عبر قنوات أخرى؟
كل ذلك مهم.
لكن الأهم ألّا تتوقف بريطانيا عند البضاعة التي تنتجها المستوطنة.
فإذا كانت لندن تريد بالفعل أن تجعل من موقفها من الاستيطان موقفًا ذا معنى، فعليها أن تنظر أيضًا إلى الشركات التي تشارك في بناء المستوطنات أو توسعتها، والمؤسسات التي توفر لها التمويل والخدمات، والاستثمارات التي تستفيد من الأراضي والموارد الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال.
فالمستوطنات لا تحتاج فقط إلى أن تنتج.
إنها تحتاج إلى من يبني، ويمول، ويؤمّن، وينقل، ويقدم الخدمات، ويحول الأرض المصادرة إلى نشاط اقتصادي دائم.
وهنا يصبح السؤال أكثر جدية: لماذا تعاقب بريطانيا المنتج ولا تلاحق بالضرورة كل من يجعل إنتاجه ممكنًا؟
ولا يمكن فصل ذلك عن اعتداءات المستوطنين الوحشية على الفلسطينيين.
فهذه الاعتداءات ليست مجرد أحداث متناثرة في الضفة الغربية، ولا ينبغي التعامل معها دائمًا باعتبارها خلافات فردية بين فلسطينيين وإسرائيليين.
حين يترافق التوسع الاستيطاني مع الاعتداء على الفلسطينيين، ومصادرة الأراضي، وإتلاف الممتلكات، والتهجير، فإن الحديث عن المستوطنات باعتبارها مجرد ملف تخطيط عمراني أو اقتصادي يصبح بعيدًا عن حقيقة ما يجري على الأرض.
ولذلك فإن أي سياسة جادة تجاه الاستيطان يجب أن تشمل أيضًا الأفراد والجماعات التي تمارس العنف ضد الفلسطينيين، وأن تجعل من ارتكاب هذه الاعتداءات أو تمويلها أو تسهيلها أمرًا له ثمن.
بريطانيا تستطيع أن تفعل ذلك.
بل إن عليها أن تفعله إذا كانت جادة في القول إن القانون الدولي ليس مجرد لغة تستخدمها في بيانات وزارة الخارجية.
وهنا نصل إلى السؤال الأكبر: هل سيكون حظر تجارة المستوطنات بداية، أم سقفًا؟
إذا كان سقفًا، فإن أثره سيبقى محدودًا مهما كانت اللغة المستخدمة في وصفه.
أما إذا كان بداية لمراجعة أوسع، فإن الخطوة يمكن أن تكتسب أهمية أكبر بكثير.
مراجعة العلاقة مع الشركات المتورطة في النشاط الاستيطاني.
مراجعة الاستثمارات والخدمات المالية المرتبطة بالمستوطنات.
فرض عقوبات أكثر وضوحًا على المسؤولين عن اعتداءات المستوطنين.
والأهم مراجعة العلاقة العسكرية، بما في ذلك صادرات السلاح، في ضوء الالتزامات البريطانية تجاه القانون الدولي.
ليس من المنطقي أن تقول بريطانيا إن الاستيطان غير قانوني، ثم تتعامل مع كل ما يساعد على تثبيت هذا الاستيطان باعتباره ملفًا منفصلًا لا علاقة له بموقفها القانوني والسياسي.
القضية في النهاية ليست قضية بضائع فقط.
إنها قضية اتساق.
إذا كانت بريطانيا ترفض الاعتراف بالاستيطان، فعليها أن تتأكد من أن علاقاتها الاقتصادية لا تساعد على تحويله إلى أمر طبيعي.
وإذا كانت تدين اعتداءات المستوطنين، فعليها أن تضمن أن من يرتكب هذه الاعتداءات لا يتمتع بحصانة سياسية أو اقتصادية.
وإذا كانت تقول إنها تتمسك بالقانون الدولي، فعليها أن تطبق هذا المبدأ على علاقاتها التجارية والعسكرية، لا أن تختار منه ما يناسبها.
وربما لهذا السبب تعود عبارة ذلك المعلق في القناة الرابعة إلى الواجهة.
قنصلية بريطانية يعود وجودها في القدس إلى ما قبل قيام «دولة إسرائيل»، تجد نفسها اليوم مغلقة بقرار إسرائيلي لأنها تمثل، من وجهة نظر تل أبيب، جزءًا من سياسة بريطانية لم تعد مقبولة.
لكن إغلاق القنصلية لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش.
بل ربما يكون لحظة مناسبة لكي تسأل بريطانيا نفسها عن طبيعة سياستها المقبلة.
هل ستتراجع أمام الضغط؟
أم ستقول إن حظر تجارة المستوطنات لم يكن سوى خطوة أولى؟
وهل ستكتفي بمنع بعض السلع، رغم صعوبة الفصل أحيانًا بين منتجات المستوطنات وغيرها، أم ستذهب إلى أصل المشكلة: اقتصاد الاستيطان بكل حلقاته؟
ذلك هو السؤال الحقيقي.
فالترحيب بالخطوة البريطانية لا يعني اعتبارها كافية.
بل يعني القول بوضوح إن الاتجاه صحيح، لكن الطريق ما زال طويلًا.
وإذا كانت تل أبيب قد اختارت إغلاق قنصلية لندن في القدس ردًا على هذه الخطوة، فإن الرد البريطاني الأفضل ليس بالضرورة مزيدًا من التصعيد الكلامي.
الرد الأفضل هو أن تجعل بريطانيا مواقفها أكثر اتساقًا مع نفسها.
أن تقول إن المستوطنات غير قانونية، ثم تتصرف على هذا الأساس.
أن تدين اعتداءات المستوطنين، ثم تحاسب المسؤولين عنها.
وأن تراجع كل علاقة اقتصادية أو عسكرية يمكن أن تساعد على استمرار واقع تقول هي نفسها إنه مخالف للقانون الدولي.
فالسؤال بعد إغلاق القنصلية ليس ماذا أغلقت تل أبيب، وإنما ماذا ستفعل لندن بعد ذلك.
الرابط المختصر هنا ⬇


