مؤتمر حزب العمال البريطاني.. هل جدّد الأمل؟
مؤتمر حزب العمال البريطاني.. هل جدّد الأمل؟
اختتم حزب العمال البريطاني مؤتمره السنوي هذا الأسبوع، وهو أول مؤتمر يعقده تحت قيادته الجديدة بزعامة آندي بيرنهام، وجاء تحت شعار «الأمل مجددًا».
ويُعد المؤتمر السنوي أحد التقاليد السياسية والحزبية الراسخة في بريطانيا؛ فمن خلاله، الذي يُعقد عادة في سبتمبر/أيلول أو مطلع أكتوبر/تشرين الأول، يفتتح كل حزب سياسي سنته السياسية الجديدة، ويعلن رؤيته وأولوياته للمرحلة المقبلة، فيما يشبه الخطة السنوية.
وعقد حزب العمال مؤتمره في أجواء إيجابية، ولا سيما في ضوء ما أظهرته استطلاعات الرأي، والشعبية الجيدة التي يحظى بها زعيمه، فضلًا عن مؤشرات متزايدة على استعادة الحزب تماسكه.

الصورة توضيحية (AI)
وقد شهد المؤتمر مجموعة من المحطات الأساسية التي توقفت عندها وسائل الإعلام والرأي العام، وحظيت باهتمام واسع.
القضية الفلسطينية في قلب المؤتمر
كان حضور القضية الفلسطينية بارزًا بقوة خلال المؤتمر، ولا سيما العدوان على غزة وسياسة الاستيطان وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية.
وشهدت مدينة ليفربول، التي احتضنت المؤتمر، مسيرة تضامنية مع القضية الفلسطينية شارك فيها الآلاف، وذلك قبيل انطلاق أعماله.
وفي كلمته أمام المؤتمر، قال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند إن المعاناة التي تسببت فيها حكومة بنيامين نتنياهو في غزة والضفة الغربية تمثل «وصمة على ضمير العالم»، متعهدًا بأن بلاده لن تسمح بتدمير حل الدولتين.
وقال ميليباند: «عندما يتعلق الأمر بمحاولة تدمير حل الدولتين، فإن هذا الحزب، وهذه الحركة، وهذه الحكومة تقول: لن نسمح لكم بالنجاح».

وفي نبرة قوية وغير مسبوقة من وزير بريطاني، قال ميليباند: «نحن ندين التطهير العرقي الذي يمارسه المستوطنون الإرهابيون في الضفة الغربية، وندين الأدلة على ارتكاب جرائم حرب في غزة، وندين الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني لفلسطين».
وخاطب ميليباند ملايين البريطانيين وكل الذين عبّروا عن تأثرهم وغضبهم إزاء معاناة الشعب الفلسطيني في مختلف أنحاء العالم بالقول: «أريد أن أقول لملايين الناس في هذا البلد، وفي أماكن أخرى، الذين تأثروا وغضبوا من محنة الشعب الفلسطيني: نحن نسمعكم. كنتم على حق».
وسُجّل ارتياح واسع في أوساط العرب والمسلمين في بريطانيا تجاه هذا الخطاب، الذي تدارك التقصير الكبير الذي وقعت فيه حكومة العمال في عهد كير ستارمر.
مشروع إصلاحات جريئة
أعلن بيرنهام حزمة من الإصلاحات وُصفت بالجريئة والحساسة، مشددًا على أنه مستعد لفعل ما تجنبه رؤساء حكومات سابقون، ممن ترددوا في اقتحام قضايا معقدة خوفًا على شعبيتهم.
وأعلن بيرنهام بالفعل توجهه إلى تعديل آلية «القفل الثلاثي» للراتب التقاعدي اعتبارًا من عام 2030 للمساهمة في تمويل خدمة وطنية للرعاية، وإطلاق لجنة وطنية لإصلاح النظام الانتخابي، إلى جانب التوسع في نقل الصلاحيات بعيدًا عن الحكومة المركزية، والتعهد بزيادة الإنفاق الدفاعي.
وفي السياسة الخارجية، لم يستبعد بيرنهام المضي في مسار قد ينتهي بإعادة انضمام بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، أو إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، وهي قضية تحولت بعد بريكست إلى ما يشبه المحرّم السياسي الذي يتجنب كثيرون الخوض فيه.
وبينما حذر البعض من أن خيارات بيرنهام وحزبه تتجاهل تعقيدات الوضع وما يكتنفه من مخاطر قد تحول بينه وبين المضي في هذه الإصلاحات، حظي بيرنهام بتنويه قطاع واسع من النخب البريطانية والرأي العام، لما رأوه فيه من وضوح في الرؤية وامتلاء بمشروعه، بعيدًا عن الحسابات السياسوية.
الاختبار يبدأ بعد المؤتمر
تقع اليوم على عاتق بيرنهام وحزبه، بعد مؤتمرهما السنوي الذي أراد «تجديد الأمل» في إمكان خروج بريطانيا من الدوامة السياسية التي دخلتها منذ عشر سنوات مع بريكست، مسؤولية وضع البلاد على السكة الصحيحة مجددًا.
ويبدأ ذلك بالموازنة المرتقبة في 28 أكتوبر/تشرين الأول، ثم بالخطة الوطنية العامة للعشر سنوات المقبلة، التي تعهد بيرنهام بنشرها قبل نهاية العام.
وسيكون ما تحققه الحكومة خلال الأشهر المقبلة محددًا لمستقبل حكومة بيرنهام، في ظل صعوبات داخلية مركبة، معطوفة على وضع دولي عاصف قد تربك رياحه رهانات بيرنهام وحزبه وحساباتهما، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي.
كان الموقف العادل من معاناة الفلسطينيين «تجديدًا للأمل» في إمكان إنصاف الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. وكانت الإصلاحات الجريئة «تجديدًا للأمل» في بريطانيا ممكنة، مزدهرة ومتماسكة، تحتفي بالتعدد والاختلاف وتدير ظهرها للشعبوية.
بيد أن «تجديد الأمل» الذي رفعه المؤتمر السنوي لحزب العمال سيبقى في انتظار مؤشرات يلمسها البريطانيون في حياتهم المعيشية اقتصاديًا، ويستشعرونها تدبيرًا سياسيًا حكيمًا، ويلمسونها في مواقف دولية عادلة ومنصفة دبلوماسيًا.
وهي استحقاقات لا ينبغي أن تتأخر، حتى تبدد مناخات الإحباط والانكسار التي تسود وتتسع مساحاتها يومًا بعد يوم.
الرابط المختصر هنا ⬇


