لماذا تُضرب نقابات لندن لأجل الرواتب لا غزة؟
في كل مرة تشهد فيها العاصمة البريطانية لندن إضرابات واسعة النطاق في قطاع النقل، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة، خصوصًا داخل الجاليات العربية والإسلامية والدوائر المتضامنة مع فلسطين:
إذا كانت النقابات البريطانية -وعلى رأسها نقابات النقل والسكك الحديدية- تُعرف تاريخيًا بمواقفها اليسارية وتضامنها العلني مع القضايا الإنسانية، فلماذا تتحرك بقوة دفاعًا عن الأجور وساعات العمل، لكنها لا تُعلن إضرابات مماثلة احتجاجًا على الحرب في غزة، رغم مشاهد الدمار والقتل الجماعي التي هزّت الرأي العام العالمي؟
السؤال يبدو أخلاقيًا وسياسيًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة يرتبط ببنية النظام النقابي البريطاني نفسه، وبالقيود القانونية الصارمة التي تحكم الإضرابات داخل بريطانيا.
تضامن سياسي.. لكن ليس «إضرابًا سياسيًا»

خلال الحرب على غزة، لم تكن النقابات البريطانية صامتة بالكامل.
فقد أصدرت نقابات كبرى، بينها نقابة الاتحاد الوطني لعمال السكك الحديدية والنقل البحري والمواصلات (RMT)، بيانات تطالب بوقف إطلاق النار، وتنتقد استهداف المدنيين، وتشارك في مظاهرات ضخمة شهدتها لندن ومدن بريطانية أخرى.
كما شارك أعضاء نقابيون في حملات تضامن، وجمع تبرعات، وضغوط سياسية داخل حزب العمال والبرلمان البريطاني.
لكن ما لم يحدث فعليًا هو إعلان «إضراب صناعي» واسع النطاق تحت عنوان: “الإضراب من أجل غزة”.
والسبب هنا لا يتعلق بالإرادة السياسية فقط، بل بطبيعة القانون البريطاني ذاته.
القانون البريطاني لا يعترف بالإضرابات السياسية بسهولة
بعكس دول أوروبية مثل فرنسا أو بلجيكا أو إيطاليا، تفرض بريطانيا قيودًا صارمة على ما يسمى «الإضرابات السياسية».
فالإضراب، وفق التشريعات البريطانية، يجب أن يكون مرتبطًا مباشرة بالعلاقة بين العامل وصاحب العمل، مثل:
- الرواتب.
- ساعات العمل.
- السلامة المهنية.
- العقود.
- أو ظروف العمل المباشرة.
أما الإضرابات المرتبطة بقضايا سياسية أو دولية لا ترتبط مباشرة بعلاقة العمل، فقد تُعَد غير قانونية، ما يفتح الباب أمام:
- غرامات مالية ضخمة.
- ملاحقات قضائية.
- أو تجميد أموال النقابة نفسها.
ولهذا تدرك النقابات البريطانية أن إعلان إضراب رسمي «من أجل غزة» قد يعرّضها لخطر قانوني وسياسي كبير، ولا سيما في ظل بيئة إعلامية محافظة تنتقد أصلًا الإضرابات النقابية داخل البلاد.
لماذا تبدو النقابات «شجاعة» في قضايا الرواتب؟

المفارقة التي يلاحظها كثيرون أن النقابات لا تتردد في شلّ شبكة مترو لندن أو السكك الحديدية دفاعًا عن حقوق العاملين، لكنها تتحرك بحذر شديد في القضايا الدولية.
لكن داخل المنطق النقابي البريطاني، هناك فرق جوهري بين الحالتين.
فعندما تُضرب النقابات بسبب:
- الأجور.
- أو الإرهاق.
- أو تقليص الوظائف.
فهي تتحرك ضمن إطار قانوني واضح، وتحظى بحماية تشريعية معينة باعتبارها تدافع عن حقوق أعضائها المباشرة.
أما في الملفات السياسية الدولية، فالوضع مختلف بالكامل.
النقابات البريطانية ترى أن دورها هنا يصبح:
- الضغط السياسي.
- تنظيم التظاهرات.
- بناء رأي عام.
- أو التأثير داخل الأحزاب.
لكن دون الذهاب إلى إضرابات قد تُصنف «سياسية» وغير مشمولة بالحماية القانونية.
خوف من فقدان التعاطف الشعبي
ثمة عامل آخر لا يقل أهمية: الرأي العام البريطاني نفسه.
فالنقابات -ولا سيما في قطاعات النقل- تدرك أن أي إضراب واسع النطاق يضع ملايين المواطنين في مواجهة مباشرة مع آثار التعطيل اليومي:
- موظفون يتأخرون عن أعمالهم.
- طلاب يعجزون عن الوصول إلى جامعاتهم.
- مرضى تتعطل مواعيدهم.
- شركات تخسر اقتصاديًا.
ولهذا تخشى النقابات أن يؤدي ربط الإضرابات بقضايا دولية إلى فقدان التعاطف الشعبي، وتحويل النقاش من «حقوق العمال» إلى اتهامات باستخدام الخدمات العامة لأهداف سياسية.
في بلد يشهد أصلًا انقسامًا حادًا بشأن الهجرة والهُوية والسياسة الخارجية، تبدو النقابات حذرة من منح خصومها السياسيين فرصة إضافية للهجوم عليها.
لكن أوروبا ليست نسخة واحدة

ورغم ذلك، شهدت دول أوروبية بالفعل تحركات نقابية أكثر مباشرة تجاه الحرب على غزة.
في بعض الموانئ الأوروبية، رفض عمال تحميل أو تفريغ شحنات مرتبطة بالسلاح.
وشهدت مدن أوروبية أخرى إضرابات رمزية أو تحركات عمالية ذات طابع تضامني.
ويرتبط ذلك بفروق قانونية وثقافية بين الأنظمة النقابية الأوروبية.
ففي بعض الدول، تتمتع النقابات بهامش أوسع يسمح لها بالتحرك السياسي المباشر، في حين يبقى النموذج البريطاني أكثر تحفظًا وتقييدًا قانونيًا منذ عقود، ولا سيما بعد سلسلة قوانين أُقرت منذ عهد رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر لتقليص قوة النقابات.
بين الأخلاق والقانون
المفارقة التي تكشفها أزمة غزة داخل بريطانيا أن التعاطف الإنساني لا يتحول دائمًا إلى فعل نقابي مباشر.
فكثير من أعضاء النقابات البريطانية شاركوا بالفعل في المظاهرات المؤيدة لفلسطين، وبعض القيادات النقابية عبّرت بوضوح عن رفضها للحرب، لكن الانتقال من التضامن السياسي إلى «الإضراب الصناعي» يصطدم بمنظومة قانونية معقدة، وحسابات داخلية تتعلق بشرعية النقابة وبقائها وقدرتها على مواصلة الدفاع عن أعضائها.
ولهذا، تبدو النقابات البريطانية وكأنها تتحرك داخل مساحة ضيقة:
- متعاطفة سياسيًا.
- لكنها مقيدة قانونيًا.
- وصاخبة في ملفات العمل.
- وحذرة في الملفات الدولية.
وفي النهاية، تكشف هذه المفارقة جانبًا أعمق من طبيعة الديمقراطيات الغربية نفسها، حيث يمكن للنقابات أن ترفع شعارات التضامن العالمي، لكن ضمن حدود صارمة يحددها القانون.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇